حكايات شروق خالد

كان صاحبي وعامل المرسى، شريف، واقف جنبي ماسك دفتر الحجوزات على صدره، والموج الخفيف للنيل بيخبط في جسم المركب.

قال:

«الجماعة بيقولوا إنهم مش فارق معاهم الهوا ولا الميه. دول ناس شركة جايين من الجيزة، ودافعين سعر الرحلة كامل.»

شدّيت حبل المركب وبصيت ناحية النيل.

المية كانت بدأت تتقلب بشكل مش مريح.

قلت:

«اتصل بيهم. نأجل الرحلة أو نرجع لهم فلوسهم.»

شريف تنهد.

«يا ياسين، دي حوالي تلاتين ألف جنيه.»

بصيت له.

«والغرق هيكلفنا أكتر.»

فضل باصصلي كام ثانية، وبعدها هز راسه وهو بيضحك.

«تعرف إيه مشكلتك؟»

قلت:

«إني موظف ناس بتسأل أسئلة ملهاش لازمة؟»

قال:

«إنت عمرك ما بتغامر.»

رديت وأنا بربط الحبل:

«وعشان كده لسه عندك شغل.»

مشيت من المرسى بدري.

وقتها كنت متضايق إني خسرت الفلوس.

لكن مع غروب الشمس، كنت مستعد أدي كل جنيه كسبته في حياتي، بس علشان أرجع للحظة دي، وتكون الفلوس هي أكبر مشكلة عندي تاني.

سارة كانت ساكنة جنبي في بيت قديم في منطقة هادية في القاهرة، بيت صغير بواجهة زرقا وبلكونة عليها نباتات كتير، وشجرة كبيرة كانت كل ما الهوا يشتد ترمي فروعها في حوش بيتنا إحنا الاتنين.

كنا جيران بقالنا تقريبًا سنتين.

كنا بنستلم طرود بعض.

وأنا لما كنت برجع البيت قبلها، كنت برجع لها صندوق الزبالة من على الرصيف.

وهي كانت بتسقي الزرع اللي قدام شقتي لما رحلات المراكب تخليني بعيد عن البيت كذا يوم.

دي كانت الصورة الرسمية لعلاقتنا.

أما الحقيقة فكانت أصعب في الشرح.

كنت عارف إنها بتحب القهوة بسكر زيادة ولبن كتير.

وهي كانت عارفة إني بكره الطماطم، رغم إني بزرعها في أصص على السطح لأن أبويا الله يرحمه كان بيحب يزرعها.

كنت عارف إنها بتشتغل في متحف تاريخي في القاهرة، وكانت بطريقة غريبة تقدر تخلي مجموعة من الأطفال اللي مش مهتمين بأي حاجة يقعدوا يسمعوا عن تاريخ القاهرة القديمة بالساعات.

وهي كانت عارفة أي صوت للموتور معناه إني هفضل بره لحد نص الليل.

وكنت عارف إنها أحيانًا بعد ما ترجع من الشغل كانت بتقف في البلكونة، وإيدها على صدرها، وتستنى نفسها يرجع طبيعي.

سارة كانت مولودة بعيب خلقي في القلب.

حكتلي عنه مرة، بنفس الطريقة اللي ممكن حد يحكي بيها عن وجع في ركبته.

أبوها وأمها ماتوا في حادثة عربية من أربع سنين، وما كانش عندها إخوات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *