جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك ج١ الاول
“جابر”..
يقود سيارته بسرعة الرياح، و قد انقبض قلبه قبضة مخيفة، عينيه كانت على الطريق بتركيز شديد، و على المرآة أيضًا في آنٍ واحد، ينظر للهدايا القيمة الخاصة بالرسم و الكثير من الورود الرائعة التي أحضرها ل “سلسبيل” و لم يجد فرصة مناسبة لأعطائهم لها..
وبرغم تركيزه هذا إلا أنه لم ينتبه ل “حسان” الذي يتابعه منذ خروجه من المستشفى بأمر من “عبد الجبار”..
دقائق معدودة وكان يصف سيارته أمام منزله، تزامنًا مع وصول “صفا” التي قفزت راكضة من سيارة أجرة، متوجهه نحو المنزل التي كانت تأتي إليه دومًا برفقة زوجة والدها “سعاد” لزيارة “فؤاد” التي تعتبره في مقام جدها..
كانت تركض نحو الدرج بهرولة، ليلحق بها “جابر” بخطواته الواسعة، و قد زاد قلقه حين لمح قلق مفاجئها الظاهر على ملامحها ذات الجمال الهادئ..
تصعد الدرج كل درجتين معًا لتفلت إحدي قدميها و كادت أن تسقط على وجهها، إلا أن يده التي قبضت على ذراعها منعتها، استدارت وتطلعت له بلهفة فقد كانت على يقين أنه هو حين حاوطتها رائحة عطره المميز..
“جابر.. خد علاج ماما سعاد و أطلع أنت أديها حقنة الأنسولين بسرعة”..
قالتها بأنفاس مقطوعة و هي تمد يدها له بالحقيبة الخاصة بأدوية “سعاد”..
أخذهم منها “جابر” و ركض بهم من أمامها مسرعًا دون أن يرد عليها بحرف واحد، وصل لشقته في لمح البصر بسبب سرعته الشديدة، بينما هي كانت تجاهد بأنفاس متهدجة لتصعد الباقي من الدرج..
فتح الباب بأصابع مرتعشة، و أندفع للداخل يبحث عن والدته و جده و هو يصيح بصوتٍ يملؤه القلق..
” يا أمه.. يا جدي!!”..
توقف عن الحديث، و حجظت عينيه بذهول حين وجد “فؤاد” يجلس بجوار والدته الممدة أرضًا في حاله يرثي لها، فاق من صدمته على صوت جده الباكي يقول بتوسل..
“ألحق أمك يا جابر”..
جثي على ركبتيه بجوارها، و قام بغرز تلك الحقنة الرفيعة للغاية بفخذها مرددًا بابتسامة يخفي بها ارتعاد قلبه عليها..
“أيه يا أم جابر.. عايزة توقفي قلبي ولا أيه”..
قالها و هو يساعد جده على النهوض، و من ثم مال عليها و حملها على ذراعيه بمنتهي الخفة لضائلة و ضعف جسدها الهزيل للغاية..
كانت “سعاد” بين الوعي و اللاوعي، تجاهد لتفتح عينيها، تهمس له بجملة صغيرة بصعوبة بالغة قائلة..
“سامحني..سامحني يا ابني”..
كان يسير بها لخارج المنزل قاصدًا المستشفى بعدما رأي شحوب وجهها و عينيها الزائغة التي جعلت التوتر شديد يدب بأوصاله..
“وبعدين معاكي يا أمه.. أنتي بتشوفي غلاوتك عندي بعاميلك دي!!!”..
ارتمت “سعاد” برأسها على صدره، و بكت بضعف و هي تقول”عطشانة..أسقيني يا جابر”..
جملتها هذه جعلت “جابر” في حيرة من أمره، يكمل سيره بها، أم يضعها على أقرب أريكة، و يجلب لها الماء؟!..
“الميه أهي يا ماما سعاد.. اشربي يا حبيبتي “..
صدح صوت” صفا” التي دلفت للتو من باب الشقة المفتوح، و ركضت تجاه كوب من المياه كان موضوع على الطاولة، أخذته، و اقتربت منها تساعدها على الشراب و هي على يد ابنها..
بللت “سعاد” شفتيها التي أزرقت لونهما، و تحدثت بصوتٍ بالكاد يُسمع قائلة..
” قعدني على كرسيي يا جابر.. أنا هبقي كويسة دلوقتي.. مش عايزه أروح مستشفيات.. عايزة اتكلم معاك يا ابني”..
حرك “جابر” رأسه لها بالنفي و تابع سيره بها مرددًا..
“هنروح المستشفى نطمن عليكي بس و نرجع على طول بمشيئة الله يا أم جابر”..
ربتت “سعاد” على صدره بكف يدها الباردة كالثلج وهي تقول بنبرة راجية.. “جابر أقف و اسمعيني الأول لو ليا خاطر عندك يا ضنايا”..
وقف “جابر” محله على مضض، و نظر لها بعينيه التي لمعت بالدموع، و قد تحولت نظرته الآن إلى نظرة طفل صغير لم يتم عامه الخامس مذعور من رؤية والدته تصارع الموت أمامه..
تأملت “سعاد” ملامح وجهه الجذابة بابتسامة دافئة و حب شديد، هبطت عبراتها على وجنتيها ببطء و هي تقول بندم..
” سامحني.. و قول ل سلسبيل هي كمان تسامحني يا جابر و عرفها إن اللي قولته كان كلام وقت انفعال لكني والله ما كنت هتصل بأبوها “..
انفجرت “صفا” بنوبة تأثر شديدة أشبه بالنداء عال، ليصطك “جابر” على أسنانه بقوة كاد أن يهشمها، و تابع سيره من جديد بوالدته، و لكن هذه المرة كان يركض بها حتى وصل لسيارته، فتحت بابها “صفا” التي لحقت بهما، فوضع” جابر” والدته على المقعد الخلفي، و هم بالابتعاد عنها، لكن “سعاد” تمسكت بقميصه جذبته عليها حتى أصبحت أذنه مقابل فمها و همست بأنفاس تتلاشى..
“خلي بالك من بنت خالتك و حاول تصلح بينها وبين جوزها لأنه بيحبها و هي كمان بتحبه و مش هتحب غيره فمتعلقش قلبك بأمل كذاب يا حبيبي.. و بوصيك على صفا.. صفا يا جابر.. صفا يتيمة أم و!!”..
صمتت لبرهةً و شهقت بقوة مكملة بحرفين فقط قالتهما بتقطع..
“أب!!”..
كانت أخر كلمة نطقت بها، و سكت لسانها إلى الأبد بعدما فارقت روحها جسدها و هي داخل عناق وحيدها..
” لااااااا.. ماما سعاد”..
صرخت بها” صفا” و هي تدفع” جابر” بعيدًا عنها، و ترتمي فوق صدرها مرددة بنداء عال يقطع نياط القلوب..
“متسبنيش بالله عليكِ.. متعمليش فيا كده.. أنا مليش غيرك.. متسبنيش أعيش في مرارة اليُتم تاني أبوس أيدك”..
الموت المفاجيء فاجعة حطت على رأس “جابر” دون سابق إنظار، فاللهم إنا نعوذ بك من فواجع الأقدار..
…………………………. سبحان الله العظيم……
” عبد الجبار “..
كان يستعد للذهاب، لكنه ظل مكانه حين رأي “جابر” غادر المكان مهرولاً تاركًا “سلسبيل ” برفقة “عفاف” بمفردهما، زحف القلق لقلبه و شعر أن هناك شيئًا خطير أجبره على المغادرة فجأة هكذا..
جلس داخل سيارته ينتظر إتصال “حسان” الذي أرسله خلفه، ليصدح رنين هاتفه أخيرًا، و لكن برقم أخر كان ينتظره أيضًا على أحر من الجمر، فصغط زر الفتح بلهفة قائلاً..
“ها أيه الأخبار ؟!”..
“كان عندك حق يا عبد الجبار باشا.. الواد اللي سرق تليفون سلسبيل هانم كان مزقوق عليها فعلاً، و لما قرصنا عليه شوية قال إن في واحد كان متفق معاه يإيذاءها بس هو خاف و اكتفي بالسرقة لما سأل و عرف أنها مراتك يا باشا”..
“إسمه أيه اللي أتفق معاه؟! “.. قالها “عبد الجبار ” مستفسرًا بصوته الأجش،ليأتيه الرد الذي كان أكبر ذهول بالنسبة له حين قال الأخر بأسف ..
” إسمه حسان.. دراع سيادتك اليمين “..
” حسان!!! “.. تمتم بها بعدم تصديق، و الكثير من الأمور بدأت توضح أمام عينيه، ساد الصمت طويلًا حتى قطعه” عبد الجبار” يقول بأمر..
” قدامك أقل من ساعة وتشيعلي طقم حرس على العنوان اللي هبعتهولك دلوجيت، و هاتلي الواد الحرامي و تليفون الهانم و أسبقني على فرع الشركة في المنصورة”..
أردف بها و هو يغادر سيارته متوجهًا لداخل المستشفى ..
