خاتم المليار وهانم البيت ج1 حكايات شروق خالد

أهانوها وهي مجرد شغالة بسيطة — لحد ما زعيم المافيا حط خاتم بمليار جنيه في صباعها!
الخاتم جه يوم التلات.
محدش كان بيبعت لـ “بطة” أي حاجة. هي كانت شغالة في البيت. الناس ما كانتش بتبعت لها حاجات؛ كانوا بيبعتوا الحاجات عن طريقها، من جنبها، من ورا ضهرها. بس العلبة القطيفة اللي ما تجيش أكبر من قبضة إيد طفل طلعت من البوابة تحت، شايلها مندوب ببدلة رمادي رافض تماماً إن عينه تيجي في عين أي حد ما يبانش عليه إنه معاه قرشين.
سلمها لإيد “شيرين” على طول.
بطة كانت بتتفرج من أول الممر. كانت شايلة الملايات النظيفة — طقمين لأوض الضيوف وطقم للأوضة الكبيرة — ووقفت مشي لأن طريق المندوب قطع طريقها بالظبط، وهي اتعلمت من زمان إنها تقف أحسن ما حد يدوسها وهو ماشي.
شيرين فتحت العلبة جنب الشبابيك الإزاز الطويلة المطلة على النيل. أضواء القاهرة كانت بتلمع باللون الرمادي والفضي في شمس الصبحية. الخاتم اللي جوة لقط الشوية القليلين من الشمس اللي طالعين من ورا السحاب، ورمى شرار ضوء صغير على السقف.
قالت شيرين وهي مش بتكلم حد معين:
“مظبوط بالظبط.”
بطة عدلت الملايات في إيدها وكملت مشي.
بقالهاتلات سنين وأربع شهور شغالة في شقة “الباشا المعلم جابر الديب”. كانت حافظة المقاس بالظبط لكل أوضة. عارفة أنهي لوح خشب في الأرضية بيزيق ناحية الممر الشرقي وأنهي لا. عارفة إن حرس الأمن بيتغيروا كل ثمانية وأربعين ساعة، وإن بتوع المطبخ بيوقعوا على أوراق وسرية أتقل من الجبال، وإن الضيوف اللي بيجوا في عربيات جيب سوداء بفيميه وبيفصعوا قبل الفجر مش من النوع اللي بينسى وش ما لوش لازمة.
وبطة كانت لها لازمة… عملت لنفسها لازمة بإنها بقت مخفية تماماً على مدار ثلاث سنين.
كان عندها أربعة وثلاثين سنة. شعر بني مشدود لورا بالتوكة جامد. ملامح عادية جداً — من النوع اللي رسام الشرطة يحتار وهو بيرسمه. ما كانتش حلوة بأي شكل من الأشكال اللي الهوانم اللي بيدخلوا الشقة دي بيعترفوا بيها. طولها وسط، وجسمها وسط، وبتتحرك بهدوء وكاتمة رأيها جوة بقها عشان ما يعملش مشاكل.
وده كان بتخطيط منها.
قبل الشغلانة دي، قعدت سنتين شغالة في مكتب محامي في السيدة زينب. وقبلها ثلاث ترمات في كلية حقوق مفتوحة وقفتها لما الفلوس خلصت. كان عندها أم في المطرية ما بتسألش كتير، وشقة في شبرا بشباك واحد باصص على حيطة طوب أحمر. وكان عندها أثر جرح صغير على طول دراعها الشمال من حديدة سخنة في المطبخ بعد ست شهور من شغلها هنا.
وكانت عندها عادة إنها تحسب أبواب الخروج أول ما تدخل أي مكان.
العادة الأخيرة دي ما اتعلمتهاش في المدارس.
حفلة الخطوبة كانت متظبطة يوم السبت. فاضل خمس أيام. بطة كانت استلمت ورقة بالطلبات الإضافية من “عم متولي”، مدير البيت، راجل ناشف كلامه كله بمذكرات مكتوبة وتكتكة قلمه العصبية.
الورقة كانت صفحتين: ورد إضافي يستلموه ويرتبوه، وأوض ضيوف إضافية تجهز، وطلب مخصوص من المساعدة بتاعت شيرين — واحدة اسمها “شهيرة” بتتكلم مع الشغالين كأنهم أجهزة عطلانة — إن حمام الدور التاني يتحط فيه صابون إيدين بريحة معينة مش موجود في البيت.
بطة ضافته لقائمتها الخاصة. كانت دايماً معاها ورقة كاتباها بنفسها… دي كانت عادتها.
خلصت الأسرّة، وجمعت الملايات القديمة، وخرجت من الأوضة الكبيرة من غير ما تعمل صوت. وهي بتسوي طرف الملاية على طرف المرتبة، سمعت صوت “جابر الديب” في الأوضة اللي جنبها.
ما كانش صوته عالي. عمره ما كان عالي. ده أكتر شيء استغربته فيه. كانت فاكرة إن راجل في مقامه هيبقى جعار، وبيفرض هيبته بالصوت العالي. بس جابر كان بيتكلم بوطيان، والناس هي اللي كانت بتوطي عشان تسمعه، والتوطية دي في حد ذاتها كانت هي القوة.
كانت سامعاه من ورا الحيطة الخفيفة اللي بتفصل أوضة النوم عن مكتبه الخاص. كان بيتكلم في التليفون. ما قدرتش تلقط كلام محدد، بس كانت قارية النبرة والوقفات. الكلام كان عن الفلوس. وكلام الفلوس ما كانش ماشي تمام.
خلصت السرير وخرجت.
أول حاجة لاحظتها في شحنة الورد صباح يوم الخميس كانت الراجل اللي شايل الفازة التانية.
كانت عارفة بتوع الورد. مش شخصياً، بس حافظة وجوههم — البنتين اللي بيجوا دايماً، والشاب الصغير اللي دراعاته كلها أوشام وبيسوق العربية النص نقل، والراجل الكبير اللي بيشرف عليهم ولابس المريلة وبيأكل لبان نعناع على طول.
بس الراجل اللي كان شايل الفازة التانية — نازل منها ورد أبيض غالي في فازة سوداء — ما كانش حد من دول.
كان عنده بتاع أربعين سنة، جسمه عادي، ووشه تتنسي ملامحه في ثانية، وإيده نظيفة جداً. بتوع الورد إيديهم بتبقى مطينة أو على الأقل متبهدلة من الطين والورق والقص. أما ده فكانت إيده زي الفل.
بطة راقبته وهو بيحط الفازة على الترابيزة في الصالة الغربية، وينقل فرع ورد صغير، ويرجع خطوة لورا ويطلع تليفونه. صور الفازة من ثلاث زوايا، وواحدة منهم من تحت. وبعدين لف شوية وصور الممر اللي وراه.
مش الورد… صور الممر.
بطة تحركت قبل ما تفكر. راحت المطبخ، صبت لنفسها كوباية مية ما كانتش عطشانة ليها، وعادت من ممر الخدمة اللي بيطلع من ورا الصالة من باب مستخبي في الخشب.
الراجل كان فص ملح وداب.
الفازة كانت لسة مكانها.
بصت لها كتير. بالطريقة اللي بتبص بيها على حاجة لما تكون إحساسك أعلى من عقلك. بعدين وطت شوية وفحصت الفازة — فخار ثقيل، أسود مط، ومقفول من فوق حوالين الساق بالطين الأخضر بتاع الورد. الطين كان مهزوز من ناحية، ومضغوط لورا شوية، وبعدين ملموم تاني بس مش بنظافة الشغل الأصلي. كان فيه عصة صغيرة، كأنها بصمة صباع أتسابت في الطين.
استعدلت في وقفتها. ومشت ناحية المطبخ. وقالت لنفسها إنها بتتخيل.
بس هي ما كانتش بتتخيل.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *