خاتم المليار وهانم البيت ج1 حكايات شروق خالد

حكايات شروق خالد

رجعت بطة المطبخ، وبدل ما تكمل مسح المائدة، فتحت درج الأدوات المدرسية والورق القديم اللي محطوط في الركن. طلعت مفك صغير وعدسة مكبرة كانت مخبياها من أيام شغالة مكتب المحامي.
قلبها كان بيدق جامد بس إيدها كانت ثابتة. مشت بالراحة للممر الغربي، عينيها على كاميرات المراقبة المثبتة في الزوايا. كانت حافظة نقطة العمى لكل كاميرة بالثانية.
وقفت قدام الفازة السوداء، وبإيد ثابتة سحبت الطين الأخضر المضغوط.
تحت الطين، ومستخبي بين سيقان الورد الأبيض، كان فيه جهاز صغير أصفر بحجم بذرة التمر، ليد أحمر صغير بيفلش بنبضات بطيئة. جهاز تجسس وبث مباشر مع شريحة مدمجة.
سمعت صوت خطوات جزمة جلد تقيلة بتقرب من الممر.
في أقل من ثانيتين، بطة رجعت الطين مكانها بسرعة، ودست الجهاز في جيب مريلتها، ووقفت بتمسح الترابيزة بفوطة في إيدها كأنها بتنظف.
كان جابر الديب بنفسه.
طويل، أكتافه عريضة، لابس قميص أسود مفتوح من فوق وساعة ذهب تقيلة. عينيه كانت حادة ومجهدة. وقفت بطة ووطت رأسها لتحت، زي العادة.
وقف جابر قدام الفازة، وبص لبطة بجمود:
“بتعملي إيه هنا يا بطة؟”
ردت بصوت واطي ومحسوب من غير ما ترفع عينها:
“بمسح التراب اللي على الفازات يا باشا قبل الحفلة.”
جابر سكت لحظة. قرب خطوة وركز في وشها. كان راجل بيشم الخوف والكدب من على بعد أمتار. بس بطة كانت درع ثابت من الثبات، ملامحها عادية ومستحيل تقرأ فيها أي حاجة.
“عم متولي أداكي قائمة الطلبات؟”
“أيوة يا باشا، وكل حاجة هتبقى جاهزة قبل السبت.”
هز رأسه ومشى ناحية مكتبه. أول ما الباب اتقفل، بطة اتنفست الصعداء. طلعت الجهاز من جيبها وبصت له.
اللي حط الجهاز ده مش جاي يتجسس بس، ده حطه في نقطة تقاطع ممرات الشقة، يعني بيسجل تحركات الحراسة، ومواعيد دخول وخروج جابر.
السبت مش هيبقى حفلة خطوبة… السبت هيبقى عملية اغتيال.
كان قدام بطة خيارين: تقفل بؤها، وتلم شنطتها وتهرب من الشقة وترجع شبرا، وتنسى إنها شافت أي حاجة… أو تدخل في لعبة مع ناس بيموتوا من غير ما يترمى لهم جثة.
بصت للجهاز، وافتكرت كلمة شيرين وهي بتهينها الصبح لما وقعت منها نقطة مية على السجادة، وافتكرت المعاملة الجافة من كل اللي في البيت. بس افتكرت كمان إن جابر الديب، رغم كل قسوته مع الدنيا، عمره ما أذاها أو قسّى عليها بكلمة، وكان دايماً بيدفع لها ماهيتها وزيادة في الميعاد بالمليم.
رجعت أوضتها الصغيرة اللي في آخر ممر الخدمة. قعدت على السرير الخشب، وسحبت الورقة والقلم.
كتبت رسالة قصيرة جداً بخط إيد مش مفهوم:
“الورد الأبيض فيه عيون وودان. وحفلة السبت مش خطوبة… دي جنازة. بص في قاع الفازة السوداء.”
في ليلة الجمعة، الساعة تلاتة الفجر، تسللت بطة لمكتب جابر. حطت الورقة تحت مج القهوة بتاعه على المكتب، وحطت جنبها جهاز التجسس الصغير بعد ما قفلت دائرته ببابوس عشان يوقف بث.
ورجعت أوضتها، ولمت شنطتها الصغيرة. كانت ناوية تهرب الصبح بدري قبل ما البيت يصحى.
لكن الساعة ستة الصبح، قبل ما الشمس تطلع، الباب بتاع أوضتها اتفتح بهدوء.
ما كانش عم متولي، ولا الحراس.
كان جابر الديب بنفسه.
كان ماسك الورقة في إيد، والجهاز الصغير في الإيد التانية. عينيه كانت حمرا من كتر التفكير والمانومش طول الليل.
قفل الباب وراه بهدوء وقال بصوت واطي هادئ يقطع العرق:
“أنتِ مين يا بطة؟ ومنين عرفتي الحاجات دي؟”
رفعت بطة رأسها لأول مرة وبصت في عينيه مباشرة بثبات:
“أنا شغالة هنا يا باشا… بس مش عمياء.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *