جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك ج١ الاول

تهللت أسارير “سلسبيل” حين صف “عبد الجبار” سيارته داخل حديقة المنزل الذي يطل على البحر مباشرةً، هذا المنزل الذي شهد على أول لحظاتها الزوجية معه، تطلعت له باهتمام تنتظر سماع ما سيقوله لها بلهفة، لعله يخبرها و لو بشيء واحد يثلج قلبها، و كم تتمنى لو يعرض عليها أن يردها لعصمته حتى لو بالسر، تستجديه بعينيها ليطلبها منها و هي على أتم الإستعداد بالموافقة، توافق على اي شيء يبقيها تحت جناحه، لن ترفض قربها منه مهما كلف منها الأمر..

انهارت كل أمالها حين استمعت لصوته الأجش يقول بهدوء رغم لهجته الحادة..
“مؤخرك و شبكتك و كل حقوقك موچودة في الخزنة اللي اهنه في بيتك و لو في أي حاچة تانيه أو أنتي رايدة أي شيء أني كفيل بيه”..

صمت لبرهة و تابع بفرحة غامرة أخفاها بمهارة..
“و الحاچة التانية دي أقصد بيها لو طلعتي حبلة مني.. معنى أكده إني هبجي متكفل بكل حاچة تخصك أنتي و اللي في بطنك”..
لم يريد أخبارها بخبر حملها حتى لا تظن بأنه ألقى عليها يمين انفصال و هي تحمل طفله أو طفلته و يزيد حزنها و وجعها منه أكثر، فضل الصمت كعادته و أيضًا يتشوق حتى يسمعها منها هي، سيكون لها فرحة خاصة حين تتفوه بها بشفتيها و تطرب بها أذنيه..

” أنت جايبني لحد بيتك هنا عشان تقولي الكلام ده؟! “..
غمغمت بها” سلسبيل ” بغصة مريرة يملؤها الآسي، و تابعت بانفعال دون أن تعطيه فرصة للرد عليها..
” متشكرة يا عبد الجبار بيه.. أنا هعيش مع دادة عفاف في بيتها و مش عايزة منك أي حاجة.. لا شبكة ولا مؤخر و لا أي فلوس و لا.. و لا حتي مكان يفكرني بيك و بذكريتنا سوا”..
تحدث بصوت منخفضت بالاخيرة و هي تنتقل بنظرها تجاه المنزل و قد امتلئت عينيها بالعبرات..

تحكم في انفعاله الناتج عن حديثها المثير للأعصاب، و تحدث بنبرة أكثر لينًا قائلاً..
” كيف يا بت الناس يبجي عندِك بدل البيت أتنين في إسكندرية و مصر و تهمليهم و تروحي تعيشي مع واحده تعتبر غريبة عنك!!!”..

زمت “سلسبيل” شفتيها بطفولة خطفت أنفاس ذلك العاشق الذي يلجم نفسه عنها بصعوبة، و عقدت ذراعيها أمام صدرها و هي تقول..
“أنت عارف إن دادة عفاف بقت قريبة مني أوي و أنا مبعتبرهاش غريبة بالعكس بحس أنها أقرب ليا من أهلي كمان للأسف.. و البيت اللي بتتكلم عنه في مصر ده ميبقاش بيتي و لا عمره هيبقي بيتي لأنه بيت أبلة خضرا!”..

“وأني مقصدش بيت خضرا”.. قالها و هو ينظر لها نظرته التي تُأثرها و تابع بابتسامة دافئة..
” أقصد بيتك أنتي.. اشتريته بأسمك يا سلسبيل “..

هبطت دمعة حارقة على وجنتيها مسحتها سريعًا و هي تتحدث بصوت منخفض بخفوت..
” وليه كل ده يا عبد الجبار.. أنت خلاص طلقتني و أخترت أم بناتك.. ليه لسه بتعمل معايا كل ده؟!”..

كاد أن يفقد السيطرة على مشاعره المشحونة التي تعصف بداخله و تغير بصدره، و يخطفها بين ذراعيه بعناق متلهف يخبرها به مدى عشقه، و شوقه لها، و أنها هي وحدها ستظل دومًا بأعمق نقطه بقلبه، لكن قلقه عليها و على ابنتيه كان أكبر من كل شيء، بعاده عنها هذا لمصلحتها، لشعوره بأنها ممكن أن تُصاب بأذى إذا ظلت على ذمته..

تنهد تنهيدة حزينة و هو يجيبها دون النظر لعينيها قائلاً..
“ده حقك عليا.. و حد الله بيني و بين حقوق الولايه عشان أكده لازم تاخديه كامل”..

ساد الصمت بينهما طويلاً، كانت “سلسبيل” تطلع له بنظره لا ريب أصابته في صميم قلبه المُتيم بها عشقًا رغم أنه مصطنع اللامبالاة، و متعمد النظر بعيدًا عن عينيها..

“شكرًا.. شكرًا على كل حاجة يا عبد الجبار.. و ربنا يسعدك في حياتك “..
قالتها قبل أن تفتح باب السيارة و تغادرها على الفور بخطوات متعثرة متجهه داخل المنزل،

هرول هو خلفها مسرعًا حامل بيده حقيبة صغيرة،حتى توقف أمامها مباشرةً، أوقفها عن سيرها الشبيه بالركض، و جعلها تتوقف عن نوبة بكاءها الحاد، رسمت الجمود على ملامحها المتإزعاجة ..
“ده تليفون بدل اللي اتسرق منِك في خط چديد عليه أرقامي كلها.. لو احتاچتي أيتها حاچة في أي وقت حدتيني طوالي هتلاقيني چارك”..
أنهى جملته و مد يده لها بالحقيبة وضعها بيدها دون أن يلمسها حتى بطرف أنامله، و رمقها بنظره وداع أخيرة قبل أن يسير على مضض من أمامها..

سار خطوة، أثنان، و في الثلاثة صدح صوتها تصرخ بأسمه نداء عالي مقهور يملؤه الحسرة و وجع الفراق الذي بدأ للتو يمزق قلبها مرددة بنبرة راحية..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *