جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك ج١ الاول

” سلسبيل “..

منذ أن جاءت إلى هذا المنزل، و هي لم تدلف لداخل الغرفة التي اختلي بها “عبد الجبار” فيها، لا تريد أن تدخلها بدونه، تقف أمام بابها و كلما مدت يدها تجاه المقبض تتراجع،

خلف هذا الباب هي عاشت معه أجمل و أروع مشاعر عشتها بعمرها بأكمله، لملمت شتات نفسها، و حبست أنفاسها قبل أن تفتح الباب ببطء و تدلف للداخل بخطي مرتعشة،

كل ركن في هذه الغرفة يشهد علي عدم اتزان من كان زوجها بها، تطلع للفراش الذي جمعهما سويًا بقلبٍ مقهور كلما تذكرت حنانه الذي كان يغرقها به، تحدث بصوت منخفضاته، نظراته، عشقه لها..

أطلقت آهه نابعه من إزعاج قلبها و هي تتحدث بصوت منخفض بإسمه..
“عبد الجبار فينك بس يا حبيبي”..

تقف شاردة بشرفتها التي تطل على البحر مباشرةً ، قادها قلبها وأجبرها إلى المكان الذي يحمل ذكرياتها الغالية برفقة من امتلكها قلبًا و قالبًا و وشم أسمه بأعمق نقطة بقلبها..

و رغم تلك الابتسامة التي تزين ملامحها الحزينة إلا أن عينيها تذرف العبرات بلا توقف،عبرات حسرة، إزعاج، وحده ربما تكون كُتبت عليها بعدما ذاقت معني دفء العائلة و الأهل و الزوج الذي كان يغمرها دومًا بفيض من العشق و المحبة حتى لعب القدر لعبته معاها و خيرها بين خيارين أصعب من بعضهما، و كأن الحظ يُغار من الفتاة الجميلة فيتفق مع الدنيا عليها حتي يرهقها تمامًا،

“سلسبيل!!!!”..
نطقت بها “عفاف” التي دلفت للتو، و اقتربت منها تربت على ظهرها برفق، و ضمتها لصدرها بحنو و هي تقول بصرامة هادئة..
“أمسحي عبراتك و كفايا حزن و بكى لحد كده.. أنتي دلوقتي سلسبيل القوية مش الضعيفة و أنا معاكي يا بنتي اطمني عمري ما هتخلي عنك أبدًا “..

ابعدتها عن احتضانها قليلاً لتتمكن من احتضان وجهها بين كفيها، زالت عبراتها و تابعت بإصرار قائله..
“عايزاكي تفوقي و تركزي في مستقبلك.. أنتي هتكملي تعليمك يا سلسبيل في أحسن الجامعات و هتعملي بزنس و أنتي بتدرسي.. أنا عندي معارف كتير أوي و كلهم من الكبار في البلد و يتمنوا يخدموني.. هساعدك و هبقي في ضهرك لحد ما تقفي على رجلك و تبقي أكبر سيدة أعمال في مصر و برة مصر كمان”..

نظرت لها “سلسبيل” بصمت لدقيقة كاملة، و فجأة انفجرت في نوبة حزن عميق، و بصعوبة بالغة تحدث بصوت منخفضت من بين شهقاتها..
“داده عفاف هو أنا ممكن أقولك يا ماما !! “..

جذبتها” عفاف ” لصدرها و عناقتها بلهفة متمتمة ببكاء هي الأخرى..
” من أول يوم شوفتك فيه وأنا حبيتك من جوه قلبي و الله و يعتبرك بنتي.. بنتي اللي مخلفتهاش يا سلسبيل و من انهارده أنا أمك يا ضنايا و أنتي بنتي و نور عيني و عوض ربنا ليا عن ولادي اللي ماتوا”..

“بس أنتي مش هتبقي ماما و بس”..قالتها “سلسبيل” بفرحة ظهرت بنبرة صوتها الباكي، و بخجل تابعت..
” شكلك كده هتبقي تيته كمان.. بس أنا لسه متأكدش”..

كادت أن تصرخ” عفاف” من شدة فرحتها بهذا الخبر، لكنها تمالكت نفسها بآخر لحظة، و تحدثت بحماس و فرحة حقيقية قائلة..
” خلينا نكلم أقرب صيدلية تبعتلنا إختبار حمل أعمليه و نتأكد يا حبيبتي.. بس تعالي الأول معايا عشان نستيني أقولك إن جابر إبن خالتك مستنياكي تحت و شكله حزين و مش طبيعي أبدًا عكس ما كنت متوقعة الصراحة!! “..

يتبع……..
واستغفروا لعلها ساعة استجابة..
الفصل العاشر..
جبر السلسبيل2..
✍️نسمة مالك✍️..

.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله..

إن الانفعال جمرة توقد في جوف ابن آدم” وحين جاء الأعرابي يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وصية قال له ” لا تانفعال” وكررها ثلاث، تكرار من يشير إلى ضبط هذه الصفة، ضبطها فيما أحله الله،
فالكل شيء حد لا يجب أن يزيد أو يقل عنه حتى لا يتعدى الحد المطلوب ، و هو ألا يحملك انفعالك على أن تكون ظالمًا، فتتبع السيئة بسيئة مثلها، و برغم أن “عبد الجبار” تمالك انفعاله إلا أن حمية الرجل بداخله كانت تثور بانفعال عارم وهو يستمع لإعتراف “خضرا” زوجته خاصةً حين قالت ..
“أني اتفاچأت ب حسان لما وافق ينقلي كل أخبارك مطلعش آمين يا عبد الچبار، و لو عليا أني معذورة الغيرة واعرة قوي ياخوي..و أنت لازم تغور حسان من أهنه.. ده خاين ملوش أمان أبدًا بعد اللي حُصل منه”..

كان سيرد عليها يخبرها أنها السبب فيما فعله، هي من فتحت باب لدخوله منه بينهما، هي من ساعدته على التجاوز بحديثها معه في السر، لكنه جاهد نفسه حتى لا يعميه انفعاله ، و تحلي بالعقل والحكمة ، و الرشادة والفهم فكان مثال حي على العقل الناضج..

صامت لا يبدي أي رد فعل، يدرس ما كان وراء سلوك أنثاه حتى فعلت ما فعلت، عليه أن يستعمل الرحمة، عليه أن يراجع ذاكرته ليرى موازين أفعالها ، وأن لا يطيح بما فعلته تحت ضعف الذات، وضعف النفس، ووسوسة الشياطين، بيتا قائمًا، يُسمع فيه صوت ضحكات ابنتيه بفرحة غامرة فور علمهم بعودته، ركضوا تجاهه مسرعين ارتموا داخل احتضانه !

هذا آكبر إنتصار للنفس بالنسبة له، إن أردت حياة سليمة عليك أن تحذف الانفعال من قاموسك، و لكن العدل أن يأخذ كل إنسان حقه بلا جور …
“اتوحشتك يا فاطمة أنتي وخيتك قوي”..
نطق بها و هو يضمهما لصدره بحنان العالم أجمع، تنعموا الفتاتان باحتضان والدهما الدافيء الذي حاوطهما بحماية و أمان..

فالأنثى يجب أن تكون أميرة في بيت زوجها، ومهرها ليس هذا الذي يعطيه إياها من أموال، مهرها معاملتها !
فرمي و تجاوز ما مضى، واستبدل نبتة الانفعال ، بنبتة تُسقى بالحب والرعاية والاهتمام والعدل !

العدل الذي يمنعه من الذهاب ل “سلسبيل” ليعتذر لها و يخبرها حقيقة شعوره فيما فعله معاها، يود أن يعترف لها بأن الانفعال قد أعمى عينيه، و حمية النفس عن رؤية العدل و الإنصاف فاخطأ حين رأها مجبرة على الزواج منه في باديء الأمر و وافق هو على إتمام هذا الزواج !

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *