حكايات شروق خالد
» دخلنا البيت القديم، وكل خطوة كنت بخطيها كانت بترجعني سنين لورا. نفس الحيطان، نفس الشبابيك الخشب، وحتى ريحة المكان كانت زي ما هي، كأن الزمن وقف عند اليوم اللي خرجت منه آخر مرة. حسن دخلنا أوضة أبويا، وشاور على دولاب خشب قديم في الركن.
» قلبنا في الأدراج، لحد ما لقينا تجويف صغير تحت الدرج الأخير. حسن مد إيده وطلع صندوق حديد قديم. حطيت المفتاح النحاسي في القفل، ولفيته. الصندوق اتفتح. كان جواه شوية مستندات، ورسايل، وشريط كاسيت قديم، ومظروف مكتوب عليه اسمي.
مسكت المظروف وفتحته، ولقيت جواب من أبويا.«بنتي سعاد…لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مت قبل ما أقدر أصلح الغلط اللي عملته في حقك. أنا كنت السبب في وجعك، وأنا اللي سمحت للخوف والطمع يتحكموا في قراراتي.
لما عرفت إنك بتحبي محمود، رفضته مش لأنه وحش، لكن لأني كنت خايف من فقره، وكنت عايز أضمنلك حياة مريحة. ولما فؤاد عرض عليا يسدد ديون العيلة مقابل جوازه منك، وافقت. لكن لما اكتشفت حقيقته، حاولت أتراجع، وكان الوقت فات.
عادل دخل حياتك عشان يحميكي من فؤاد، وبعد ما عرف إنك مش بتحبيه، قرر إنه يستناكي لحد ما قلبك يهدى. ولما اتجوزتوه، عمره ما حاول يجبرك تنسي الماضي. أما السر اللي كنت مخبيه، فهو إن فؤاد كان بيهددني إنه هيفضحني قدام العيلة، ويستولي على الأرض اللي ورثناها عن جدك.
وأنا من خوفي، وافقت على اتفاقات مكنش ينفع أوافق عليها. سامحيني يا بنتي.» خلصت قراية الرسالة وأنا بعيط. أبويا، اللي كنت طول عمري فاكرة إنه كان بيعمل كل حاجة عشان مصلحتي، كان غلطان، لكنه في آخر أيامه اعترف بغلطه. لكن لسه السؤال الأهم موجود. مين أبو منى الحقيقي؟
فتحت باقي المستندات، ولقيت شهادة ميلاد قديمة، وصورة من تحليل طبي، وجواب من المستشفى. حسن قرب مني وقال: «اقري الورقة الأخيرة يا سعاد.» مسكتها، ولقيت إنها رسالة من الدكتور اللي كان متابع حالتي وقت ولادة منى.
كان مكتوب فيها إن منى بنتي من جوزي عادل، وإن الشكوك اللي اتقالت زمان عن نسبها كانت مبنية على معلومات مزورة قدمها فؤاد عشان يضغط على أبويا ويخليه يوافق على الجوازة. حسيت براحة كبيرة، وبصيت لمنى وقلت: «سمعتي يا بنتي؟ إنتِ بنت أبوكي عادل، ومفيش أي حاجة تانية.
» منى انفجرت في العياط، وحضنتني وهي بتقول: «أنا كنت عارفة إن بابا عمره ما يخونك ولا يسيبك.» في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة عند الباب. لفينا، لقينا راجل كبير واقف، لابس بدلة غامقة، ووشه مليان تجاعيد. كان فؤاد الشناوي. بصلي وقال ببرود: «لسه محتفظة بالصندوق يا سعاد؟

