بعد كسر القلوب حكايات شروق خالد
«أنتِ خنتيني!» زعّق المليونير صاحب الشركات—وبعدها انهار لما شافها مع التوأم بتوعها
البنثهاوس كان متطلّل على البلد كلها كأنه ملكه لوحده، بس «محمد بسيوني» كان حاسس إنه بيغرق في غياهب الفراغ والوحدة.
أبوه اتوفى إمبارح. المدافن خلصت من كام ساعة، بس محمد كان لسه شامم ريحة الورد، ولسه حاسس بتقُل الخشبة اللي شالها على كتفه. كأن كلمات أبوه الأخيرة كانت لعنة مش عارف يخلص منها.
«أمك شافت “منة” مع راجل تاني.. وحامل منه. أنا آسف يا ابني.. آسف أوي يا محمد.»
كان واقف قدام الشباك الأزاز الكبير اللي واخد من الأرض للسقف، خياله باين زي الشبح في العتمة. ومن وراه، سمع صوت خطوات «منة» وهي داخلة أوضة النوم. مراته.. الست اللي حبها من أيام الكلية. الست اللي أبوه وهو بيموت حذره منها بأخر نفس فيه.
— «محمد..»
صوتها كان واطي، كله قلق. كانت بتحاول توصل له طول اليوم، بس هو كان بيهرب منها في العزا. مكنش قادر يحط عينه في عينها خالص.
— «يا حبيبي، اتكلم معايا أرجوك.. عارف إنك موجوع، سيبني أقف جنبك.»
لف لها بالراحة. منة كانت واقفة عند الباب بلبس العزا الأسود. شعرها الأسود السايح ملفوف لورا، وبشرتها السمرة الملاكية بتلمع حتى في حزنها. كانت حلوة.. طول عمرها حلوة. وهي هي نفس الست اللي كسرت قلبه ودمّرته.
— «هو الكلام ده صح؟»
صوته طلع مبحوح، مكسور.
وش منة اتملى حيرة واستغراب: «كلام إيه اللي صح؟»
— «إنتي حامل؟»
في حاجة لمحت في عينها.. خوف؟ ذنب؟ قربت منه خطوة.
— «محمد.. أنا كنت هقولك، والله كنت مستنية العزا يخلص وعقبال ما تهدى شوية و—»
— «يعني صح..»
الكلمات كانت طالعة من بؤه زي السم.
— «إنتي حامل.»
— «أيوة.. بس—»
— «ومني أنا؟»
السؤال نزل عليها زي الصاعقة. عينين منة اتوسعت، وبؤها اتفتح من الصدمة، وماعرفتش تتكلم لثواني. ولما لقت صوتها أخيرًا، كان بيترعش.
— «إنت بتسألني إيه؟ إنت بتقول إيه يا محمد؟»
محمد طلع تليفونه من جيبه بإيدين بترعش. أمه كانت باعتاله الصور دي وهو في الترب، واقف على قبر أبوه الطري. شافهم هناك وهو وسط الناس اللي جاية تعزي، وحس إن دنياه اتهدت فوق دماغه.
— «أمي ورّت الصور دي لأبويا قبل ما يموت.. قضى أخر أيام في عمره وهو قلقان عليا، ومقهور من اللي بتعمليه من وراه!»
منة بصت للشاشة. الصور كانت لها وهي طالعة من مبنى عيادات، وإيد راجل حاططها على ظهرها من تحت وهما بيضحكوا. صورة تانية وهما في مدخل المجمع الطبي. وصورة تالتة وهما قاعدين بيشربوا قهوة وقريبين من بعض.
— «محمد.. ده دكتور “شريف”.. ده—»
— «مش عايز أسمع زفت اسمه!»
صوت محمد علي، وكل الهيبة والتحكم اللي كان فيهم طاروا: «أبويا مات وهو شائل همي! أخر كلمة قالها في دنيته كانت تحذير منك.. إنتي فاهمة يعني إيه؟ أخر كلمة!»
— «أبوك اتلعب في عقله بالكدب!»
منة قربت منه ومدت إيدها: «محمد، أرجوك اسمعني بس! دكتور شريف ده دكتور النسا بتاعي. والقهوة والمكان ده.. دي العيادة الطبية، أنا كنت بسأله عن حاجات تخص الحمل، كنت بحضر لك مفاجأة!»
— «بس!»
رفع إيده وبدأت خطواته ترجع لورا: «كفاية كدب بقى! أمي ورّت أبويا فيديوهات مراقبة، ورّته رسائل.. كان معاها دليل يا منة، دليل بجد! وأبويا مات وهو فاكر إن ابنه اتخان في شرفه!»
— «فيديوهات مراقبة؟!»
صوت منة اتقطع من العياط: «محمد، أي حاجة أمك ورّتهاله كانت متفبركة ومتقصوصة! إنت لازم تبقى عارف ده! “حاجة هدى” عمرها ما حبني، ومن أول يوم دخلت فيه بيتك وهي بتحاول تهد جوازنا!»
— «ما ترميش بلاكي على أمي!»
محمد قبض إيده بغل: «أمي كانت بتحب أبويا، وعمرها ما تطلع العيبة ولا تكدب عليه—خصوصًا وهو بيموت! إيه الشيطانة اللي تعمل كده؟»
— «الشيطانة اللي كرهاني عشان اتجوزت ابنها الغني وأنا بنت ناس غلابة ومن منطقة شعبية!»
تماسك منة انهار تمامًا، والدموع بقت نازلة زي المطر على وشها.
— «محمد.. أنا بحبك. عمري في حياتي ما بصلت لراجل غيرك. العيل ده—العيلين دول—بتوعك إنت! ولادنا إنا وأنت!»
— «العيلين؟»
الكلمة نزلت عليه زي القلم.
— «أنا حامل في توأم..»
إيد منة راحت لبطنها بتلقائية، بتحمي ولادها وهي بترتجي: «عرفت الأسبوع اللي فات.. كنت هقولك في عيد ميلادك، كنت مرتبة كل حاجة والدكتور شريف كان بيساعدني أظبط المفاجأة.. محمد أرجوك.. صدقني أرجوك!»
كان نفسه يصدقها.. والله كان هيتجنن ويصدقها. حس إن قفصه الصدري بيتفعص. بس وش أبوه وهو على السرير في المستشفى كان بييجي قدام عينه. وش أبوه الصفر الضعيف وهو ماسك إيد محمد بآخر حيلة فيه.
— «أبويا عمره ما كدب عليا.. ولا مرة في حياته.»
صوت محمد نزل لهوّة واطية زي الفحيح: «وبأخر نفس في حياته، كان بيحاول يحميني منك.. ده معناه إيه؟»
— «معناه إن أمك ست كدابة ومؤذية!»
منة كانت بتبكي بالحرقة وهي بتمد إيدها تمسكه: «محمد أرجوك.. بلاش تعمل كده. تعال معايا نفحص المتقارير الطبية، هثبتلك! كلم دكتور شريف حالا وهو يشرح لك كل حاجة!»
— «مش عايز زفت تفسيرات!»
محمد لف واداني ضهره، مش قادر يبص في وشها أكتر من كده: «عايزك تتفضلي برة.»
السكوت اللي جه بعد الكلمة كان يخرّع.
— «إيه؟»
— «سمعتيني.. برة البيت ده. وبرة حياتي كلها.»
لسه مديها ضهره، عارف إنه لو بص لها هيضعف ويتقسر: «هخلي المحامين يخلصوا أوراق الطلاق. وتافدي حقوقك كاملة.. بس مش عايز أشوف وشك هنا لما الصبح يطلع.»
— «محمد.. أنا حامل! حامل في ولادك!»
— «دول مش ولادي!»
لف لها فجأة والكلمات طالعة من بؤه زي الخناجر: «دول بتوع الراجل التاني.. أيا كان هو مين! ومش عايز أشوفك ولا أشوفهم طول ما أنا حي!»
وش منة اتمسح منه الدم تمامًا، رجعت لورا خطوتين وكانت هتقع لولا إنها مسكت في حرف الباب. لمحة كده ومحمد افتكرها هتيجي على الأرض. ولما اتكلمت، صوتها كان واطي لدرجة إنه بالعافية سمعه:
— «أبوك كان بيحبني.. كان بيقولي يا بنتي. كان بيقولي إنتي أحسن حاجة حصلت لمحمد في حياته.»
الدموع كانت مغرقة وشها، بس عينها كان فيها حاجة محمد عمره ما شافها فيها قبل كده.. مش غضب، حاجة أصعب بكثير.. خيبة أمل.
— «لو كان عايش دلوقتي.. كان حاط راسه في الأرض منك.»
الكلمة نزلت عليه زي القلم على وشه.
— «اخرجي برة!»
— «أنا ماشية..»
منة عدلت وقفتها، ومسحت وشها بإيدين بترعش: «بس افتكر يا محمد.. النهار ده اللي تعرف فيه الحقيقة، وتعرف إنت عملت إيه.. إياك تجيلي أو تدور عليا. عشان عمري.. عمري ما هسامحك على اللي عملته ده.»
مشيت.. ومحمد فضّل واقف مكانه سامع صوت خطواتها في الشقة، سامع صوت الأدراج وهي بتتفتح، وصوت لم حاجتها بالراحة. كان نمسه يجري وراها، يمسكها، يحضنها، ويصدقها.. بس كلام أبوه كان لسه بيرن في ودنه: «أنا آسف يا ابني.. آسف أوي.»
بعد ساعة.. سمع صوت باب الشقة التقيل وهو بيتقفل.