بعد كسر القلوب حكايات شروق خالد

حكايات شروق خالد

عدّت الأيام بعد موقف المول، ومحمد حياته اتحولت لجحيم لا يطاق. مابقاش بيعرف ينام، وصورة ولاده وهو بيناديهم وهما مش عارفين إن ده أبوهوم كانت بتقت..له كل ثانية.
قرر إنه مش هيستسلم. استخدم كل نفوذه ومعارفه لحد ما عرف عنوان الشقة اللي منة عايشة فيها مع ولادها في حلمية الزيتون، شقة بسيطة في بيت هادي، بعيد تمامًا عن عالم الملايين والشركات اللي كان عايش فيه.
في ليلة مطرة، محمد نزل من عربيته ووقف تحت البيت. كان ماسك في إيده علبة ألعاب كبيرة ورسالة كتب فيها كل مشاعره وندمه. طلع السلم بخطوات بترتعش، ووقف قدام الباب.
خبط خبطتين خفاف.. الباب اتفتح، وطلعت منه «حاجة هدى».. أمه!
محمد اتصدم ورجع خطوة لورا: «أمي؟! إنتي بتعملي إيه هنا؟»
أمه بصت له بعيون مليانة دموع وكسرة عمره ما شافها فيها قبل كده. خرجت برة الشقة وقفلت الباب بالراحة، وقالت بصوت واطي ومكسور:
— «أنا هنا عشان أترجى منة تسامحني يا ابني.. أنا اللي عملت فيك وفينس كده. أنا اللي ذنبكم كلكم في رقبتي.»
محمد بص لها بغضب وكسرة: «إنتي ليه عملتي كده؟ ليه دمرتي حياتي وحياة ولادي؟»
— «كنت فاكرة إنها مش مناسبة ليك.. كنت فاكرة إن الفلوس والمستوى هما كل حاجة. ولما أبوك مات، استغليت ضعفك وشككت في شرفها.. بس ربنا حاسبني يا محمد. من يوم ما مشيت وأنا مش بشوف يوم حلو، والذنب بياكل في قلبي. أنا بقالي سنة بيجي هنا كل أسبوع أترجاها تسامحني وأشوف الأحفاد من بعيد، وهي قلبها طيب بس مجروحة جرح مابيروحش.»
في اللحظة دي، البنفسج اتفتح الباب، وطلعت منة. كانت لابسّة إسدال صلاة، وبصت للاثنين ببهتان وهدوء.
محمد نزل على ركبه قدامها في الطرقات، ومسك طرف إسدالها:
— «منة.. أرجوكي، عشان خاطر ربنا وعشان خاطر الولاد. عقابك ليا كان أصعب من الموت، أنا مستعد أعيش خدام تحت رجليكي أنتِ وولادي.. بس بلاش تحرميني من كلمة “بابا”.»
منة بصت له ولأمه اللي كانت واقفة بتبكي بحرقة، عينها دمعت بس صوتها كان حاسم:
— «محمد.. أنا سامحت أمك، مش عشانها، عشان ربنا وعشان الولاد يعرفوا إن عندهم تيتة وما يكبروش على الكره.. بس أنت.. الجرح اللي عملته في قلبي لما شككت في عفتي وطردتني وأنا شايلة ولادك، ده جرح مالوش علاج.»
— «يعني مفيش أمل يا منة؟»
— «الأمل الوحيد إنك تكون أب لولادك.. أنا مش هحرمك منهم، هتشوفهم وهتصرف عليهم وهتكون موجود في حياتهم كأب.. بس أنا وأنت؟ خلاص يا محمد، الشريط قدم ومينفعش يرجع. أنت بقيت للولاد “بابا”، وبس.»
محمد غمّض عينه والدموع نازلة مغرقة وشه. حس بوجع في قلبه، بس في نفس الوقت حس بإنه اتنفس لأول مرة من خمس سنين. الولاد خرجوا من جوه، والبنت الصغيرة قربت منه ودعكت عينها وقالت: «مامي.. هو العمو ده هيجي يلعب معانا؟»
محمد حضن البنت والولد بقوة وهو بيعيط ويهمس: «أنا مش عمو يا حبيبتي.. أنا بابا.. أنا بابا ومش هسيبكم أبداً.»
القصة انتهت، مش بالنهاية الورقية اللي كل حاجة بترجع فيها زي الأول، بس بنهاية واقعية.. محمد استرد ولاده وبقى أب سند ليهم، بس خسر الست الوحيدة اللي حبها في حياته بسبب الشك والكبر، وعاش باقي عمره شايل أثر الغلطة اللي مالهاش مسح.
تمت القصة.
بعد كسر القلوب
حكايات شروق خالد

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *