بعد كسر القلوب حكايات شروق خالد
حكايات شروق خالد
بعد خمس سنين..
الزمن عدّى زي الهوا، بس محمد بسيوني مكنش عايش.. كان مجرد آلة شغال أربعة وعشرين ساعة. الشركة بتاعته كبرت وبقت إمبراطورية، بس بيته الكبير كان زي المقبرة، مفيش فيه أي روح.
في يوم، كان محمد طالع من اجتماع في واحد من أكبر المولات في القاهرة، وبيمشي مع المحامي بتاعه وبيراجعوا أوراق صفقات جديدة. وفجأة.. وقّف مكانه كأنه اتكهرب.
على بعد خطوات منه، كانت واقفة.
«منة».. كانت طالعة من محل لعب أطفال، وماسكة في إيدها طفلين توأم، ولد وبنت عندهم حوالي أربع سنين. الولد كان شبه محمد بشكل يرجع العقل! نفس رسمة العين ونفس الملامح بالظبط، والبنت كانت نسخة مصغرة من منة.
منة كانت بتضحك مع المربّية وهي بتظبط الجاكيت بتاع الولد، وشكلها كان طالع منه راحة وأمان محمد عمره ما شافهم معاها في بيته.
قلبه بدأ يدق بضربات متسارعة زي الطبول، ورجليه كانت بتشيله بالعافية ونزل عليها الذهول. اتتحرك ناحيتها من غير ما يحس بنفسه، وهو بينادي بصوت مكسور وطالع بالعافية:
— «منة؟»
منة اتسمرت مكانها لما سمعت الصوت اللي مكنتش تتمنى تسمعه طول حياتها. لفت بالراحة، وعينيها جت في عينه. ملامحها اتغيرت في ثانية.. الراحة طارت وحل محلها البرود والصلابة.
محمد نزل على ركبه قدام الطفلين من غير ما يفكر، وعينيه دمعت وهو شايف ملامح الولد: «دول.. دول ولادي؟ منة، الولد ده شبهي بالظبط!»
منة شدّت الطفلين ورا ظهرها بسرعة، وبصت له بنظرة حادة زي السك..ين: «ابعد عن ولادي يا محمد. دول مالهمش دعوة بيك، وإنت مالكش وجود في حياتهم ولا حياتي.»
— «منة أرجوكي.. أنا اتدمرت من بعدك! أنا عرفت بعد ما مشيتي بأيام إن أمي كانت متفقة مع دكتور تاني عشان يزوروا الصور والرسائل.. عرفت إنها عملت كل ده عشان تطفشك!»
محمد انهار تمامًا والدموع نازلة على وشه قدام الناس في المول، رجل الأعمال اللي هز السوق بقى جث..ة هامدة تحت رجليها: «أنا أكلت نفسي من الندم.. فتشت عليكي في كل شبر في مصر وما لقيتكيش! سامحيني.. أرجوكي سامحيني، أنا مستعد أرمي كل فلوسي وتحت رجليكي بس ترجعيلي ونربي ولادنا سوا!»
منة بصت له بجمود هز كيانه، وقربت منه وقالت بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت زي الرصاصة:
— «فاكر لما قلتلك إنك لما تعرف الحقيقة إياك تدور عليا؟ فاكر لما قلتلك عمري ما هسامحك؟.. أنت رميتني وأنا حامل في عز وجعي على أبوك، شككت في شرفي وطردتني في الشارع وأنا ماليش غير ربنا. الفلوس اللي بتتكلم عنها دي ما تلزمنيش، وأولادي كبروا وهما عارفين إن باباهوم مات من زمان.»
الولد الصغير مسك في إيد أمه وبص لمحمد باستغراب وقال: «مامي.. مين العمو ده اللي بيعيط؟»
منة مسكت إيد ابنها وبصت لمحمد بقلب من حديد: «ده ولا حد يا حبيبي.. ده واحد غريب.»
لفت ضهرها ومشت بخطوات ثابتة من غير ما تبص وراها ولا بصة واحدة، وسابته متكوم على الأرض في وسط المول، بيصرخ وينتحب والناس بتتفرج عليه.. عرف وقتها إن العذاب الحقيقي مش إنك تخسر حب حياتك، العذاب الحقيقي إنك تعرف إنك إنت اللي دمرت بإيدك الحلم الوحيد اللي كان هيخليك بني آدم.
