حان الوصال بقلم امل نصر ج٢ من الفصول

الفصل السادس

أنهى تمرينه الصباحي، واتجه الى غرفة طفله، حيث الموعد اليومي لإيقاظه، من قبل والدته التي لا تمل من تدليله:

– عموري يا قلب ماما، اصحى يا قلبي، اصحى يا روحي.
– قلبك وروحك، وجوزك الغلبان سيبتيله ايه يا ست رباب؟
تمتم بالكلمات وهو يدلف اليهما لداخل الغرفة، لتعقب هي بابتسامة مشاكسة:
– وانت هتعوز ايه تاني؟ ما انت معاك رباب بحالها
مال برأسه يضيق عينيه بحركة فكاهية اضحكت الصغير الذي كان يفتح عينيه في التو، ليتلقفه هو يرفعه اليه مهللا:

– شايفة يا ست رباب، بقالك ساعه تدلعي وتهنني وفي الاخر مصحيش غير على صوت باباه.
– ايوة يا سيدي، عيشها انت بقى عليا، بعد ما جات فرصتك ، كدة برضو يا عموري!
قالت الأخيرة بعتاب نحو الصغير الذي ارتمى بثقله عليها، كمبادرة صلح معها، تقبلتها بصدر رحب ، لتمطره بالعديد من القبل، تشدد عليه بضمتها.

– يا قلب مامي انت، بحبك اوي اوي .
يبدوا ان فعلها لم يعجب كارم ، فقد تجهم فجأة، ليباغتها بالنداء على المربية:

– دادة نعمات، خدي البيه الصغير وحضريه لحضانته.
اما هي فقد عبرت عن ذهولها فور خروجهما:
– كارم هو انت خطفت الولد مني ليه؟ انا كنت هحميه واجهزه بنفسي.

– عشان شايف ان دلعك بقى أوفر يا قلبي، انتي كدة بتفسدي الولد، ودا اللي انا لا يمكن اسمح بيه.

تمتمت بصدمة من خلفه:
– انا بفسده! معقول يا كارم، بقى انا والدته افسده؟!

زفر يقترب منها ملطفًا:
– يا قلبي افهمي، انا مش بتكلم عن حنانك ولا حتى الدلع العادي، انا بتكلم عن الافورة، مش عايز اتعامل مع ابني عسكري زي ما كان بيحصل معايا من بابا، بس كمان مش عايزه يبقى مريء ولا دلوع، انا ابني لازم يكون عضمه شديد وقوي، يبقى ناجح اكتر مني انا كمان، والفرص اللي معرفتش اوصلها انا يوصلها هو .

أومات ببعض الطاعة، وقد بدا انها فهمت على وجهة نظره، ليعبر لها عن فرحته بإقناعها، بضمة كبيرة منه لها:
– حبيبتي المطيعة، بحبك اوي يا قلب كارم.
التقط ثغرها بقبلة جامحة شغوفة كعادته، استجابت تبادله ، حتى تطور الامر باللمسات الجريئة التي تعرفها، فعبرت عن تأففهها:

– كارم انت كلك عرق، دا مش ميعاد حمامك برضو؟
استفاق من نشوته ليستدرك على حالته بالفعل ، فتبسم يرخي ذراعيه عنها ؛
– انا فعلا مخدتش بالي، بس اعملك ايه بقى؟ ما انا معاكي بنسى نفسي.
قال الاَخيرة يقرص على وجنتها ، ليتابع بعد ذلك بعملية حينما انتبه على ساعة الحائط:
– دا انا كمان متأخر على شغلي وشغل رياض في الشركة اللي كلمني انوب عنه فيه.

هم ان يذهب ولكن زوجته لم تقوى على كبت سؤالها الملح:
– دا صاحبك قريب مصطفى عزام مش كدة، لكن دا ايه ظروفه بالظبط، متجوز ولا خاطب، انا عمري ما شوفته مع واحدة ست.

– ولا انا.
قالها زوجها بابتسامة متسعة يستطرد بدهشة وهو يخرج من الغرفة ويسحبها معه:
– من ساعة ما اتعرفت بيه ، وهو كل حياتة شغل في شغل، ماشي تمام اوي ودا اللي عاجبني فيه، بس بستغرب اوي عنه الموضوع ده، اصله كمان مش مقضيها نسوان في الخفا على حسب ما بعرف، ولا يمكن في وهو حريص زيادة.

– او يمكن بيحب.
خمنت بها ليمط شفتاه بعدم معرفة:
– يمكن بس هو انسان غامض اوي، متعرفيش دماغه بتفكر في ايه؟ عكس ابن خالته عدي ، كان واضح اوي معايا، ولا يمكن حكاية والده واللي حصل مع والدته مأثرين فيه.

– هو ايه اللي حصل معاهم؟
سألته بانتباه شديد حتى توقف بها في وسط الردهة، ليداعب ذقنها :
– بعدين يا شاطرة ابقى احكيلك حكايتهم، وابعدي دلوقتي بقى من سكتي خليني اطلع اخد شاور واشوف اللي ورايا.

همت ان تتشبت بقميصه المتعرق وهي تخاطبه برجاء:
– طب دقيقتين بس احكيلي عنه نبذة مختصرة حتى.
ابتعد بجسده عنها مغمغمًا بتسلية:
-،اوعي كدة عني، مش انتي مكنتيش طايقة ريحة عرقي من شوية، خلي الفضول ياكلك بقى.

قالها وتحرك مهرولا يصعد الدرج بخطوات مسرعة، لتغمغم في اثره بغيظ:
– ماشي يا كارم، والله ما هسيبك.

❈-❈-❈

اعتدلت بجذعها عن جلستها بإجفال لا تصدق ما وصل لإسماعها عبر الهاتف:
– كااارم، كااارم مين اللي يمسك الشغل عنك يا رياض؟ وانت هتروح فين بالظبط؟
وصلها صوته الحاد:
– انا بكلمك في الشغل يا لورا ، يبقى تكلميني بصفة رسمية، بقولك شريكي كارم هو اللي هينوب عني النهاردة ، يبقى افهمي بقى من نفسك دا المطلوب منك ومن غير تعطيل.

انتفضت واقفة لتستطرد في محاولة للاستيعاب:
– حضرتك انا مش عايز اعطلك اكيد، انا بس بستفسر، دي مش عوايدك، وانت اهم حاجة عندك الشغل .

هذه المرة خفف من حدته:
– وحد قالك اني ههمل في شغلي؟ انا هوصل الست الوالدة للدكتور وبعد ما اطمن عليها هروح ان شاء الله ع الشغل وامارس نشاطي.

اومأت ببعض التفهم:
– تمام زي ما تحب ، بس معنى كدة بقى ان الدادة نبوية خفت وهي اللي هتروح معاك تراعيها؟

– لأ مخفتش لسة، واللي رايحة معانا بهجة .
– بهجة! بهجة مين؟ طب ما كنت انا روحت معاكم بدل الزفتة دي، ولا هي فاكراها فسحة دي كمان.
هتفت بها بانفعال لم تقوى على كتمانه، ليوقفها هو بصرامة:
– انتبهي لكلامك يا لورا، انا بلغتك بأمر الشغل، يبقى تنفذي المطلوب منك وانتي ساكتة ، وبس كدة.

ختم بجملته ينهي المكالمة بفظاظة، لتطالع هي الشاشة بصدمة، هذه اول مرة يعنفها غير أبهًا بصلة القرابة بينهم ، دائمًا ما كان يحترمها في العمل وغير العمل، تعلم انها بالغت في رد فعلها حينما أتت سيرة هذه الفتاة، ولكنها ايضا لا تحتمل كلمة عنها….

❈-❈-❈

دلفت تسحبها لداخل غرفة الطبيب المختص بحالتها، وقد تقدمهم هو اليه ، ليتلاقاه الاخر بالترحاب والتهليل :
– رياض باشا بنفسه في عيادتي المتواضعة، لا دي حاجة ولا في الخيال بقى.
– سجل بقى عشان تبقى للتاريخ.
قهقه المذكور يتبادل معه المزاح، قبل ان يدخل في صلب الموضوع؛
– يللا يا سيدي اهي الست الوالدة قدامك، عايزين نطمن ونعرف اخر التطورات في حالتها .

ذهبت عيني الطبيب نحو ما اشار ، ولكنه لم ينتبه للمريضة، وقد انصبت ابصاره على من ترافقها:
– مين الأمورة.
صدرت منه كسؤال عادي وإعجاب لم يخفيه، ليأتيه الرد بحدة غير متوقعة من الاخر:
– امورة مين؟ انا بكلمك عن المريضة، خليك في المريضة يا هشام .

بدا واضحا اجفال الطبيب من طريقته الفظة عكس المزاح والحديث الودي منذ قليل، ليتحمحم ويجلي حلقه ، متحدثًا بجدية:

– خلاص يا رياض، انا بس كنت بهزر مع اني كنت عايز اعرف يعني هي تقربلكو ايه؟
– الجليسة بتاعتها يا دكتور.

خرجت منها سريعًا في رد له:

– اه تمام ، خلاص هاتيها قعديها هنا قصادي نرغي شوية الاول.

تقدمت بها نحو ما اشار على الكرسي المقابل له، تجلسها امامه، ليقابلها الطبيب بابتسامته المشرقة:

– مدام نجوان القمر، عاملة ايه النهاردة ؟

❈-❈-❈

بعد قليل خرج الاثنان بها، من غرفة الفحص، دون معرفة حقيقية لما وصلت اليه حالتها، هذا السكون المبالغ فيه والوداعة، يجعلانه دائما في حالة ترقب لها،
حديث الطبيب معه في ان يزيد من قربه لها كي تعطيه الامان وتتصالح معه بعد سنوات الجفاء بينهم، ربما يؤثر في حالتها النفسية ويجعلها تستجيب للتعافي الكامل، ولكن ماذا بيده اكثر من ذلك؟
هي من تجعله ينفعل عليها بأفعالها، حتى كلما حاول كسب ودها صدمته برد فعلها وكأنها لم تعد ترى فيه الا صورة زوجها الخائن الراحل، ونست انه ابنها .

– طب انت كدة ممكن تطلبلنا عم علي يوصلنا، وانت تروح شغلك يا فندم.
نطقت بها بهجة تنتشله من شروده، ليعود اليها، محدقًا بها بتركيز شديد، جعلها تتوتر في وقفتها مخاطبة له:

– يا فندم انا بكلمك عن رجوعنا للبيت لو يعني……
– خلاص سمعت…..
تفوه بها مقاطعًا لها بفظاظة لا يعرف سببها، ولا يعلم بسر هذا الضيق الذي يشعر به الاَن تجاهها، حديثها منذ قليل وفصاحتها في مناقشة ما تلمسه من حالة نجوان مع الطبيب الذي برغم رزانته التي اشتهر بها، إلا انه معها كان كرجل اخر، يتباسط معها ويمازحها، حتى كاد ان ينسى المريضة نفسها وابنها بكل هيبته، هذه الفتاة تفاجأه كل يوم باكتشاف جديد عن شخصيتها:

عض على نواجزه، يكبت غضب غير مبرر داخله، ليردف بخشونة وبصيغة الامر؛
– هاتيها وتعالي ورايا ع العربية ، انا اللي هرجعكم بنفسي.

❈-❈-❈

في السيارة التي كانت تقلهم في طريق العودة ، لم تنسى له طريقته الفظة في التحدث معها، واحساس بعدم الراحة يكتنفها، مع كل نظرة يوجهها لها عبر المرأة حيث كانت جالسة في المقعد الخلفي مع والدته، والتي صبت اهتمامها بها، لتتجاهله ولا تعطي له بالا .

ليلفت انتباهها تركيز الآخرى بالنظر نحو الخارج نحو جهة ما، وهذا البائع الذي التفت حوله الأطفال:
– ده بياع غزل البنات، تحبي اجيبلك منه.
حينما قالتها لم تقصد الجدية ولكن بلهفة الأخرى وتطلعها اليها كطفل صغير، تهز رأسها برجاء.

اجفلت هي لهذا الاصرار العجيب من المرأة لتنقل بنظرها نحو الأخر بارتباك، تردد بتلعثم:
– انا ان كان عليا والله انزلك، بس بقى…..

– هنزل اجيبلها انا .
تمتم بها بخشونة، قبل ان يصطف السيارة فجأة، ويترجل منها بهيبته، ثم يشير للرجل البائع والذي هرول اليه على الفور تاركًا مجموعة الأطفال الملتفة حوله:
– ايوة يا سعادة البيه.

لم تتبين بهجة بالحديث الدائر بينه وبين البائع في الخارج، بجلستها هي في الداخل برفقة نجوان، حتى فاجئها هو بمجموعة دفعهم بضيق، حتى امتلأ حجرها هي والأخرى والتي هللت بوجه مشرق كطفل صغير، جعل الابتسامة تنير بوجه بهجة فرحًا لها،

– ياااه للدرجادي غزل البنات فرحك، ياريتني كنت اعرف من زمان كنت جيبتلك على طول .

فتحت نجوان احدى الاكياس تقطم منه قطعة كبيرة بتلذذ، ثم تناولها هي ايضا قطعة كي تشاركها، تلقتها منها بهجة بترحيب:
– حلوة اوي ، كأنك انتي اللي عملاه والله تسلم ايدك .
وبغير قصد منها لعقت الجزء المتبقي على طرف ابهامها، غافلة عمن تجمد محله في مشاهدتها، حتى انه نسي القيادة ونسي ما ينتظره من اعمال في متابعتها، حتى التقت خضرواتيها بدون قصد ببندقيته، لتطرق بحرج، تستدرك خطأها في عفوية لم تتعمدها، ولكنها فعلت به الافاعيل.

ليتحمحم مجليًا حلقه، وينتبه لنفسه، ليدير محرك السيارة ثم يتحرك نحو وجهته والعودة بهما الى المنزل.

❈-❈-❈

عقب عودتهم الى المنزل، كانت المفاجأة بانتظارهم، بوجود لورا الذى لم يتوقعه رياض ليباغتها بسؤاله على الفور:

– في حاجة حصلت يا لورا؟ وانتي هنا من امتى اصلا؟.
صدر ردها بوداعة:
– جاية هنا عشان الشغل طبعا،.
وقبل ان يستفسر منها توجهت نحو نجوان تستقبلها بود شديد:
– طنط نجوان حبيبة قلبي.

اجفلت الاخيرة بضمها من تلك الفتاة، ونثر القبلات على جانبي وجهها، تخاطبها بحنان مبالغ فيه:
– وحشتيني، وحشتيني اوي، سامحيني لو الشغل هو اللي واخدني منك.، انما انا لو عليا اجيلك كل يوم، وماما كمان دي نفسها اوي تشوفك.

– انتي مين؟
تمتمت بها نجوان لتدفعها عنها بضيق ، ومن دون كلمة اخرى ارتدت بقدميها للخلف، نحو بهجة التي التزمت محلها، لتعود اليها وتتشبث بها كطفل صغير، بمشهد اوقد النيران برأس الأخرى،

لتبرق عينيها بحمم تطلقها نحوها، تلك التي استولت على قلب هذه المعتوهة، لتنال ثقتها، دونا عن المئات منن تقدمن لهذا العمل، ويبدو انه قد حان الان الدور عليه هو.
التفت اليه بأنفاس لاهثة ، لا تقوى حتى على تخيل الفكرة.

– لورا انتي ما قولتيش جاية ليه؟
كانت تلك صيحته نحوها، لتنتفض باستدراك سريع، وتتناول عدد من الملفات التي وضعتها على ذراع الأريكة ، ثم تعطيه اياها:
– حضرتك انا جيبالك دول، كارم باشا قام بالواجب وزيادة بس دول مطلوب فيهم امضتك الشخصية.

ألقى بنظرة سريعة بمستوى الاوراق، ليتمتم باستغراب:
– كان ممكن يستنوا على ما اجي الشركة بنفسي، بس يلا مش مهم ، هاخدهم ع المكتب اراجعهم وامضيهم،
تحرك خطوتين متمتمًا لها:
– استنيني هنا ولا خلي حد من الشغالين يعملك حاجة تشربيها.
اومأت بطاعة وابتسامة حلوة:
– اتفضل براحتك، انا مش غريبة .

حينما انصرف نحو وجهته، وتوقفت هي بوسط الردهة تجول بأبصارها هنا وهناك، حتى وجدت غايتها ، وذلك خلف الجدار الزجاجي ، حيث الجهة الاخرى، والحديقة الداخلية للمنزل،

وجلسة تجمع نجوان مع تلك الفتاة على طاولة لهم وحدهم.
ابتسامة غامضة لاحت على ملامحها، قبل ان تتحرك من محلها قاصدة وجهتهما.

❈-❈-❈

كانت نجوان مازالت تحتفظ بابتسامتها الحالمة وهي تتناول من قطع الحلوى التي أتت بها، تتناولها بتمهل وتلذذ بذوبانها داخل فمها، ونظرات شاردة جعلت بهجة المتابعة لها تعلق بتخمين:

– سرحانة ووشك مورد، شكلك كدة كنتي خارباها فسح ع النيل، حلبسة بقى ودرة مشوية وبطاطا ع الفحم……

توقفت فجأة بتردد مغمغمة:
– خايفة أسألك عن ذكرياتك دي كانت مع مين لا اخرب عليكي حالة الصفاء وانا مش واخدة بالي، بس اقولك بقى اهم حاجة تكوني مبسوطة، يعني انا هعوز ايه اكتر من كدة؟

– انتي هنا يا طنط وانا بدور عليكي.
جاء الصوت من خلفها، لتلتف بجذعها بهجة، فتحققت من هذه المتعجرفة، وهي تقترب منها، بهيئتها كعارضات الازياء ، كل شيء بها مرسوم بدقة، مع اهتمام مبالغ فيه، يجعلها قبلة للنظر.

– أخبارك ايه يا بهجة؟
كان هذا السؤال اول ما نطقت به فور أن توقفت امامهم بابتسامة لا تخلو من استخفاف ،فجاء رد بهجة تبادلها بواحدة صفراء:

– الحمد لله يا لورا هانم رضا.
– اممم ، وعلى كدة بقى، انتي مبسوطة هنا؟
لم تعجبها نبرة السؤال :
– انبساط! لا يا هانم، تقدري تقولي بقيت اتعود ، لكن انبساط دي حاجة بعيدة اوي، ربنا يكرمنا بيها.

زمت شفتيها بهذه الابتسامة المستفزة، ثم جلست مخاطبة لها بزوق غريب عنها:
– ماشي يا بهجة، طب ممكن بقى تقولي لحد من الشغالين يحضرلي حاجة اشربها، يعني لو مش هتقل عليكي.

حينما نقلت بهجة بابصارها نحو نجوان التي انكمشت بنظرات الخوف وكأنها طفلة تخشى الغرباء، سارعت تطمئنها:

– ما تخافيش على طنط انا هراعيها بنفسي، هي اول مرة يعني؟ ولا انا غريبة عنها؟

اضطرت بهجة ان تزعن لالحاحها، وتنهض تنفذ طلبها ، تاركة نجوان التي صارت تتابعها بأعين راجية الا تتركها، لتطمئنها قبل ان تستدير عنها وتذهب:

– جيالك على طول متخافيش.
تطلعت لورا في أثرها بنظرات حارقة، لترتخي ملامحها بعد ذلك وتلطف بقولها نحو الأخرى:
– ايه يا طنط، معقول تكوني خايفة مني للدرجادي، هو انا غريبة عنك يعني؟ ولا هتنسي صلة الدم اللي ما بينا؟

حينما جذبت انتباهها اخيرا، واصلت لورا بطريقتها الناعمة:
– انا عارفة انك عاقلة وست العاقلين كمان، بدليل انك منتبهة لكلامي دلوقتي، طب اقولك على حاجة…….

توقفت فجأة تدور ابصارها في الانحاء كافة قبل ان تعود اليها هامسة:
– انا جيالك النهاردة مخصوص عشان احذرك، البنت دي اللي اسمها بهجة، عارفة تبقى قريبة مين؟
دارت مقلتيها مرة اخرى قبل ان تخبرها بهمس يقارب الفحيح؛

– تبقى قريبة ناريمان، فاكرة ناريمان؟
لاحت على ثغرها البسمة ، حينما رأت الزعر الذي اعتلى ملامح الاخرى، لتكمل بانتشاء .
– ايوة هي بعينها يا طنط ناريمان، وجاية تخطف حكيم منك…… شوفتي بقى .

توقفت تراقب تأثير الكلمات عليها، بعدما حطت بيداها على الجرح الخامد، تنخر فيه بأظافرها، لتقلب كيان المرأة بذكريات بشعة وصورة غريمتها التي حلت امامها، تغشي عينيها عن الرؤية، فيعلو صدرها ويهبط بانفاس متسارعة وبصورة انبأت الأخرى بقرب الوصول لهدفها ، فتنسحب من امامها بهدوء، وتبتعد مع مراقبتها بحرص، حتى انتبهت لعودة الأخرى من الجهة الاخرى، لتنهض نجوان من محلها، تحركها الذكرى البائسة، وقد توقف عقلها عند هذه النقطة، ولم يعد يعمل ولا يميز أي شيء
لتندفع بغضبها مسرعة بخطواتها نحوها وكأنها ذاهبة الى الحرب ، فتتلاقها بوسط المسافة عند المسبح، ويحدث ما يحدث !

❈-❈-❈

تتأوه بتعب ، شاعرة بثقل ودوار يلف رأسها وهي تجاهد لالتقاط الوعي، حتى فتحت عينيها للضوء القوي، مستغربة النعومة الشديدة بالفراش، لتتضح الرؤية رويدا رويدا امامها، ولكن…..

هذه ليست غرفتها، ولا هذا فراشها، ولا….
– يا نهار اسود
هتفت بها تعدل جذعها بجزع، حينما انتبهت على ما ترتديه:
– هدومي راحت فين؟ وهدوم مين دي اللي انا لابساها؟
لترفع عنها الغطاء وتنهض عن الفراش رغم دوار رأسها الذي كاد ان يسقطها ارضا، لولا أن لحقت بنفسها، لتستند بيدها على قائم التخت، لكن سرعان ما استقامت لتتحامل على هذا الدوار الشديد، وتخرج من الغرفة الفخمة تبحث بأبصارها يمينا ويسارًا حتى وقعت عينيها عليه ، جالسًا بأحد الاركان على الاَريكة الاثيرة ،
امام حاسوبه الذي كان يعمل عليه بانشغال تام ، حتى اخترقت اسماعه صيحتها، ليجفل، ويهتز كوب القهوة بيده، حتى اسقط كمية كبيرة من المشروب الساخن على قميصه ولوح المفاتيح للحاسوب، كما احرق جزء من بشرته، ليتأوه بصمت وهو يسمع لها:

– انا كنت في الاوضة االي جوا بعمل ايه؟ ومين اللي غير لي هدومي؟ انتوا عملتو فيا ايه بالظبط؟

اشار بيده والأخرى صار يمسح بها بالمحرمة على قميصه ولوح المفاتيح، متمتمًا ببعض الهدوء:
– طب اهدي خليني افهمك.

– تفهموني ايه؟ دا انا هوديكم في داهية،
صرخت بها، تهم بالمتابعة بالسباب، ولكنه اوقفها بحزم وصرامة:.
– اسمعي مني الاول بقى وافهمي، ولا اسيبك على عماكي احسن ……

انهارت ساقطة على الارض، وقد غلبها التعب الجسدي، وجزع داخلها يجعل قلبها ينتفض خوفا، ان يكون حدث معها شيء لا تستطيع العيش معه، شيء تفضل الموت على ان يحدث.

– انا مش عايزة ابقى على عمايا، انا عايزة افهم، ارجوك انا مش فاكرة اي حاجة..
زفر يمسح بكفه على وجهه لينهض ذاهبًا نحوها، يمد يده اليها :

– قومي يا بهجة الاول واستريحي ع الكنبة، بلاش قعدة الارض.
رفضت قاطعة:
– لا انا مش عايزة اقوم، انت اتكلم وانا كدة مستريحه.

امام اصرارها لم يجد بدا من مهادنتها، ليجلس هو على اقرب المقاعد اليها، ثم يستعيد برأسه ما حدث ، ولحظات من اصعب ما مر عليه

((قبل ساعات من الاَن
وقد كان بغرفة مكتبه، منكفئًا على عمله على عدد الملفات التي أتت بهم مساعدته لورا، بتركيز تام ، حتى اجفل على صوت صراخ غير مفهوم، لم يميزه في البداية، حتى دوى الاسم المعروف بذهنه:

– حكييييم، حكييييم.
انتفض على الفور وقد علم ان تلك والدته، ليخرج مهرولا يتبع الصوت الذي ذهب به الى الحديقة، وكانت المفاجأة حينما وجدها بالقرب من المسبح، تنتحب وتنتفض محلها، وقبل ان يتخذ طريقه نحوها، صعق بالأفظع،

وذلك برؤية الجسد البشري وهو يصارع الغرق بداخل المياه، وقد تيقن تماما من ضعف مقاومتها، وانها على وشك ان تستسلم للموت،

ليتخذ القرار على الفور، ويلقي بنفسه داخل المياه فيحملها من ظهرها بذراع والأخر يدفع به داخل المياه حتى خرج بها يلقيها على السطح الرخامي فاقدة للوعي.
فحاول بخبرته القليلة إجراء الاسعافات الاولية لها ، بالضغط بكفيه وقلبها ايضا لإخراج الماء الذي دخل مجري التنفس لها.

– فوقي يا بهجة الله يخليكي فوقي.

– ايه اللي حصل انا كنت جوا بعمل مكالمة تليفون.
كان هذا صوت لورا التي أتت للتو من الداخل، لم يلتفت لها ، وقد كان مشغولا في اسعاف الأخرى، والتي اضطر في الأخير ان يجري لها تنفس صناعي، ليصدر صوت شهقة مفاجأة من لورا التي كادت ان تصاب بأزمة قلبيه، مع استجابه الأخرى، وسعالها في إشارة لعودتها للحياة مرة اخرى، ولكن بنصف وعي ، ليحملها هو ذاهبًا بها الى الداخل.

– انتبهي على ماما على ما ارجعلك يا لورا؟
صرخت به ضاربة الارض بقدميها:
– ودي هتروح بيها على فين؟

– لم يكلف نفسه عناء الإجابة، فواصل طريقة حتى ذهب بها الى احدى الغرف، مناديا على احدى الخادمات ، حتى تخلع عنها ملابسها وتراعيها، حتى يأتي بالطبيب اليها ، ويذهب هو للاطمئنان على والدته.))

– ادي كل اللي حصل يا بهجة، لساكي برضو مش فاكرة؟
كان هذا سؤاله فور ان قص عليها كل شيء، وقد اقتص من الجزء الخاص بإسعافها ذكر التنفس الصناعي، ليختص به لنفسه ، فيكفيه ما يكتنفه الاَن من مشاعر كاسحة، بقبلة الحياة التي لم يتعمدها، ولكنها قلبت كيانه رأسا على عقب ، بالكاد يحاول التوازن امامها ، وصرف افكاره بقدر الامكان .
لينتبه على اجابتها، بعدما نفت بهز رأسها، وقد تغضنت ملامحها بالحزن، لترد بصوت بالكاد خرج:

– دلوقتي بس افتكرت، انا كنت راجعة من المطبخ، بعد ما سيبتها مع لورا، كانت هادية وراسية بشكل فرحني، لدرجة اني لما شوفتها جاية عليا بوشها مقلوب، افتكرتها بتهزر، قبل ما تفاجأني والاقيها بترميني على حوض السباحة، ووقفت قدامي تبص عليا كأنها تمثال ، وانا بصرخ عليها واقولها:

– بتزقيني ليه انا مبعرفش اعوم؟ نادي حد يخرجني، نادي حد يخرجني.
ختمت تمسح دمعات خائنة سقطت منها، متابعة:

– طب هي عملت كدة ليه معايا، دا انا اديتها الامان وافتكرتها بتحبني.
ردد خلفها بتأكيد:
– بس هي فعلا بتحبك يا بهجة، بدليل صريخها عليكي وعشان حد ينقذك.

– امتى؟ دا انا مش فاكرة غير فرجتها عليا .
– وانا بقولك اللي حصل يا بهجة، ماما من ساعة اللي حصل قافلة على نفسها في حالة مشوفتهاش عليها بقالي سنين، اكيد يعني انا مش هكدب عليكي.

اومأت بتفهم، لا تستبعد هذا الفعل منها. فهي كالبحر مرة تخدعها بهدوها وصفاءها، ومرة اخرى تصفعها بأمواجها العاتية.

استدركت فجأة تسأله:
– صحيح انا كنت سيباها مع لورا، راحت فين وسابتها؟
مط شفتيه بعدم معرفة:
– بتقول انها كانت بتعمل مكالمة ساعة اللي حصل، المهم دلوقتي انا كنت عايز اعرف قرارك عن الاستمرار هنا او عدم الاستمرار، وانا في كل الحالات هعوضك عن اللي حصل معاكي، دا حقك عليا، قرارك دلوقتي بقى يا بهجة.

صمتت قليلًا بتفكير، قبل ان يصدر ردها النهائي:

– انا عايزة اشوفها الاول ، قبل ما احدد اي قرار.

…يتبع

الفصل السابع

زمجرة بغليل خرجت منها،  تدفع محتويات مكتبها على الارض بعنف اصدر ضجيجًا دوي في أنحاء المنزل،  حتى اجفل والدتها من خارج الغرفة، لتدلف اليها سائلة بجزع تستكشف الأمر:

– يا نهار اسود، ايه اللي حصل يا لورا؟
التفت إليها ، قابضة على شعر رأسها تكاد ان تقتلعه مرددة:
– مفيش حاجة حصلت يا ماما، المصيبة ان مفيش حاجة حصلت؟ ودا اللي هيجنني وبيخليني اسأل نفسي كل دقيقة، انا ايه اللي ناقصني عشان ما يشوفنيش؟ ليه دايما حاططني في خانة القرايب او الموظفة اللي عنده، امتى بقى يحس بيا؟ حتى يرحمني من النار اللي بتاكل فيا وانا كل لحظة يدور عقلي بالهواجس، انه يبص لواحدة غيري  ولا يفكر في الجواز، هتجنن يا ماما هتجنن.

دفعت في الاخيرة احد المقاعد تسقطها بقدمها، قبل ان تخور قوتها وتسقط على الاخر، بمشهد اثار استفزاز والدتها:

– يعني انا افهم من كدة، ان الجنان والتكسير والبهدلة دي كلها، عشان الباشا اللي مش راضي يعبرك ولا يحس بحبك،  ما عنه ما اتنيل، هي خلاص الرجالة صفصفت عليه ؟ الدنيا حواليكي مليانة شباب زي الورد، لكن انتي اللي عميتي نظرك ووقفتي الرؤية عليه هو بس…. فوقي يا حبيبتي قبل الوقت ما يسرقك، ويضيع عمرك بالقعدة جمبه.

طالعتها بحنق متعاظم، تخاطبها بعتب:
– شكرا اوي يا مامي ع المؤازرة، دا بدل ما تقفي جمبي وتدليني على طريقة تقربه ليا.

لطمت والدتها كفيها ببعضهما،  لتتخصر ناظرة اليها بقنوط، قابلته لورا بضحكة ساخرة:
– شوفي انتي بتتكلمي ازاي عن إنى اسيبه واشوف غيره بكل سهولة، ومتعرفيش اني بقيت اغير عليه من الخدامين يا مامي، تصدقيها دي؟ انا حالتي بقت متأخرة في حبه، ودوايا هو.

هذه المرة حلت الابتسامة على ثغر والدتها، ولكن بمرارة على حال ابنتها:
– يبقى انتي كدة هتحصلي والدته يا قلبي، ما هو اللي ضيع نجوان هو الهوس بجوزها، اللي هو صورة من ابنه، بس ع الاقل حكيم رغم كل عيوبه كان بيحب مراته، انما انتي يا حلوة،  حجتك ايه؟ مهووسة بحب راجل مش حاسس بيكي من الأساس.

وعلى عكس ما توقعت بعدما حدثتها بالمنطق، جاءها رد ابنتها بتصميم وتشبث:
– عشان طنت نجوان كانت ضعيفة يا ماما، يبقى تستاهل اللي حصل لها، انما بنتك بقى……

توقفت تضع قدما فوق الاخرى، تردف بثقة:
– قوية، وقوية اوي كمان، وعمرها ما هتتنازل عن حلمها .

❈-❈-❈

دلفت تتبعه حينما دفع الباب ليتوقفا الاثنان بمدخل الغرفة، فيشير لها بيده نحو الأخرى، وتفاجأ برؤيتها؛ متكومة على الفراش، تحتضن ذاتها من ركبتيها الى صدرها،  وكأنها طفل صغير، أضاع والديه، وتاه في عالم غير عالمه الذي يعرفه،

برغم كل ما تحمله من غضب نحوها، إلا ان مشهدها بهذه الصورة مزق قلبها ، كيف انقلبت هكذا من حالة الحالمية والشرود الجميل الى هذه المرأة البائسة التي تبدو كعجوز كسرها الحزن:

– هي ليه عاملة كدة؟
كان هذا هو السؤال الذي صدر منها في رد فعل اولي لما تراه، فتنهد هو بأسى يضع كفيه بجيبي بنطاله قائلا:
– اهي ع الحال ده من ساعة اللي حصل، في البداية كانت بتصرخ بهستيريا واحنا مش فاهمين عايزة ايه؟ فا اضطرينا نديها حقنة مهدئة، نامت بعدها،  لكن من ساعة ما صحيت وهي ع الحال ده، مش عايزة تقوم من ع السرير ولا تاكل ولا تشرب ، انا احترت معاها وبفكر جديا اوديها لأي مصحة…..

قاطعته معارضة على الفور:
– لا حرام ارجوك، الدكتور امبارح نبه على قربك منها ، وانها تحس بحبك واحتياجك ليها ، لو نقلتها للمصحة يستحيل ترجع لطبيعتها تاني ولا تخف .

لحظات من الصمت بينهم، وهو يحدق بها بنظرات لم تفهمها، وهي في انتظار رده.
، يدهشه خوفها على والدته رغم ما فعلته معها وقد كانت على وشك الموت بسببها،  كيف تمتلك قلبًا يتسع للتسامح في امر كهذا؟
نفض رأسه يتصرف بعمليه، مقررا بذكاء منه استغلال الفرصة:

– طب انا من رأيي تقعدي معاها الاول وتحددي قرارك ، وبعدها اشوف انا الحل المناسب.
اومأت رأسها بتوتر ، لتخطو نحو المرأة المتعبة، تلك التي انتبهت عليها، لتتعلق ابصارها بها، تغشي عينيها الدموع التي بدأت تهطل بندم ورجاء، التمسته بهجة،  لتسقط جالسة بجوارها تخطابها بحيرة وعتاب :

– طب بتعيطي ليه دلوقتي؟ انا اللي حقي ازعل منك على فكرة .
اهتز صوتها في الاخير بتأثر واضح،  لتفاجأ برد فعل نجوان،  التي نهضت بجذعها مرددة بكلمات بالكاد تفهم:
– انتي مش هي، انتي مش هي .
– هي مين؟ وضحي اكتر عشان افهم؟
لم تجد اي رد منها، سوى ان فاجأتها تحتضنها بدموع صامتة، تبلل كتفيها ، تزيد من تشتتها، فتردد بإجهاد وتعب:

– طب والله حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده؟ انا دلوقتي اكرهك ولا احبك،  تصعبي عليا ولا ادعي عليكي عشان كنتي هتموتيني؟ انتي ايه حكايتك معايا؟

دوت عبارتها الاخيرة، برأس ذلك المتابع لمشهدهم من اوله، وكأنها تنطبق على حالته معها، تلك الحنون التي تسامحت في غضون دقائق مع واحدة لا تعرفها سوى من فترة لا تتعدى الأسابيع،  بفعل لم يقوى هو عليه مع اقرب الناس اليه،  رغم مرور السنين.

❈-❈-❈

خرجت اليه بعد قليل،
وقد بدلت ملابسها،  لأخرى التي أتت بها، بعدما جففتها لها عاملة المنزل، لتخطو نحوه وملامح التردد تعلو تعابيرها، وهو يراقبها ويتشرب تفاصيلها بشغف هو نفسه لا يصدقه، بعد سنوات لا يذكر عددها، تساوت فيها النساء مع الرجال في نظره،  لا يلتفت ولا يعطي بالا لاحداهن، مهما كانت درجة جمالها،  ومميزاتها، انما مع هذه…… يبدو ان الأمر مختلف تماما.

– تعالي اقعدي يا بهجة.
هتف يدعوها ، يزيح الحاسوب عن قدميه، مؤجلا العمل عليه حتى ينهي النقاش المهم معها، ليردف فور ان استجابت وجلست امامه:

– ما انا مضطر اتابع بقى الشغل من بيتي.
فهمت على مقصده من خلف الكلمات، لتعقب بأسف:
– معلش يا فندم اننا عطلناك على شغلك.

قالتها لتطرق برأسها بحرج منه، فجاء رده بمراوغة:
– والله لو ع اليوم ده وخلاص ، تعدي يا بهجة، انما المشكلة ع الايام اللي جاية بقى، لو انتي رفضتي الاستمرار،  انا بصراحة مش عارف ساعتها هعمل ايه لحد ما تقوم الدادة نبوية من رقدتها الشديدة دي.

افتر فاهاها تهم بالرد ولكنه كان الاسبق :
– انا مش بضغط عليكي يا بهجة، انتي ليكي الحرية انك تحددي قرارك، وحاجة تانية….

توقف يعطيها مبلغا من النقود في ظرف ابيض، قائلًا:
– دول حاجة بسيطة يا بهجة، وملهمش دعوة بأي شيء.

تطلعت في الظرف المغلق بعدما وضع في كفها،  يظهر مبلغا كبيرة من النقود،  لتعبر عن رفضها:
– بس دول كتير اوي وانا معملتش حاجة.

– انتي كنتي هتروحي فيها يا بهحة، يبقى معملتيش ازاي بس؟
تمتم بها متفكهًا على غير طبيعته،  ليجبرها على الابتسام رغم توترها، فترد بخجل:
– العمر والأجل دا بإيد ربنا.
– ونعم بالله .

تمتم بها، ثم صمت في انتظار ردها، والذي جاء بعد فترة سائلة:
– طب ممكن اعرف انت هتعمل ايه معاها؟ بس من بعد اذنك يعني بلاش المصحة.
– معنى كدة انك قررتي عدم الاستمرار يا بهجة؟

جاء ردها بحيرة ظاهرة:
– ما انا بصراحة خايفة منها بعد اللي حصل، وبرضوا صعبانة عليا، ومش فاهمة هي عملت معايا كدة ليه؟

– بس هي بتحبك والتصرف اللي طلع منها دا انا مش عارف هو حصل ازاي ، بس اللي متأكد منه، بعد اللي شوفته جوا معاكي، هو انه لا يمكن يحصل تأني.

اشار في الاخيرة على ما حدث منذ دقائق بداخل غرفة والدته ، حينما تشبثت بها كالاطفال وبأعين دامعة،  وهذا لا يحدث الا نادرًا.

حينما وجدها صامتة، تابع يضغط على هذا الجزء الضعيف بها:
– ع العموم لورا لساها بتدور على واحدة ، دا غير انها عرضت عليا تتكفل بيها في بيتها لحد ما الدادة نبوية تسترد صحتها .

– بلاش لورا عشان بتخاف منها.
خرجت منها سريعا بتعبير واضح عن رفضها، ليعقب هو  بقلة حيلة لا تخلو من مكر:
– طب اعمل ايه بس يا بهجة،  ما هو يا الحل ده، يا اوديها المصحة.

– تاتي المصحة برضو؟
تمتمت بها، ثم اغمضت عينيها تستغفر ربها، وتناجيه العون ، وهو يطالعها بترقب في انتظار الرد،  والذي لم يأتي إلا اخيرا:

– طب انا هاخد الكام يوم دول لحد ما ترجع دادة نبوية ويشفي عنها يارب ، بعدها بقى،  ابقى اقرر استمراري من عدمه من عشرتي معاها.

زفر بارتياح مغمغمًا:
– وانا مش هنسالك المعروف دا ابدا يا بهجة ، وبرضوا مش هتأخر عنك في عائد مادي تستحقيه.

تمتمت بتوتر :
– مش مهم العائد المادي، قصاد انها متأذنيش،  ربنا يهديها عليا .
❈-❈-❈

لا يوجد اجمل من ان يأتيك الفرج بعد طول عذاب، ومن حيث لا تحتسب،
فرحة تغمرها بشكل لا يوصف، رغم الالم ولحظات الأسى التي مرت بها، والوجع الجسدي الذي لم يذهب حتى الاَن.
الا انها لا تنكر فرحتها الاَن، وهذه المبلغ المحترم من المال ، سيمكنها من دفع عدد كبير من الديون والاقساط التي رغم صغرها، إلا ان كثرة عددها،  يجعلها طوق في الرقبة يخنقها،  سوف تتمكن من شراء شيء ما لها يصلح للخروج،  ولشقيقاتها ايضا.

لن تبقي على قرش واحد منهم، فما تصرفه الاَن،  تعلم ان الله سوف يخلفه.

– احنا وصلنا الحارة يا بهجة، تحبي تنزلي هنا مطرح ما بتنزلي كل يوم ، ولا ادخل بيكي داخل منطقتكم؟

قالها العم علي بمشاكسة، استجابت لها بابتسامة قائلة:
– كتر خيرك يا عم علي، كل مرة تسألني السؤال وانت عارف اجابته.

تفكه بطرافة منه،  يُسمعها قبل ان تترجل من السيارة:
– الحق عليا ، اني مستغليتش وانتي سرحانة، ودخلت بيكي في قلب الحارة وقدام باب بيتكم ، واقولك انزلي.

– ساعتها مكنتش هتعرف تخرج بيها يا عجوز يا لئيم .
صدحت ضحكات الرجل العجوز في قلب السيارة، في رد فعل على كلماتها، لتغادر هي بابتسامة متسعة ، خبئت بعدها بقليل، فور ان وقعت عينيها على ابن عمها الأصغر، والذي وكأنه اتفق مع شقيقه الاخر في تضييق الخناق عليها، الا يكفيها عمها وزوجته المتسلطة وابنتهم الحمقاء التي لا تجد راحتها الا بتعكير صفوها في كل مرة تقابلها، فلينجدها الله منهم.

– راجعة ع الساعة اتناشر وفي عربية اخر موديل يا بهجة.
زفرت تقابله بحنق مرددة:
– وانت مالك؟
اشار بسبابته على صدره بصدمة:
– انا مالي يا بهجة؟
– اه انت مالك؟ ومستعدة اكررها للصبح يمكن تفهمها.

قالتها بتصميم اوغر صدره، حتى كاد ان يتفوه برد قوي،  ولكنه توقف على قدوم شقيقها والذي تجهم سائلا:
– واقفة ليه عندك يا بهجة؟

وقبل ان ينطق هو وجدها تجيبه:
– ابن عمك بيحقق معايا على رجوعي الساعة اتناشر، ورجوعي في عربية يا ايهاب،  ولما بقوله انت مالك زعل.

– دا بجد؟
غمغم بها شقيقها موجهًا نظراته نحو ابن عمه، ثم اجفله بقوله:
– طب انت مالك صحيح؟
ختم ضاحكا يسحب شقيقته ويذهب بها من أمامه بكل هدوء واريحيه، تاركا الاخر بفاه منفرج في متابعتهم،   ثم يغمغم بالسباب والشتائم.

❈-❈-❈

توقف موكب السيارات امام القصر القديم الطراز والمتجدد بأحدث الوسائل، ليترجل من احداهم بهيبته،  ثم التف نحو الجهة الاخرى، يتناول كف امرأته التي كانت تجد صعوبة في النزول لولا مساعدته،  وذلك نتيجة لحملها في الشهور الاخيرة بالجنين الذي يتشوقا اليه منذ سنين، منذ زواجه بها،

– براحة يا روح قلبي، على اقل من مهلك.
ردت زوجته بامتنان ، تريح برأسها على ذراعه الذي تستند عليه:
– ربنا يخليك ليا يا مصطفي،  متحملني رغم التعب المستمر،  ولا شكلي اللي بقى بشع.

تنهيدة مثقلة صدرت منه، يقبل كف يدها بلوعة:
– شكلك ايه بس ولا بتاع، هو انا شوفت ولا عمري هشوف غيرك، يا نجمة الجماهير انتي، ياللي هتخلفيلي اجمل طفل على سطح الكوكب،  يااااه دا انا متشوق اوي.

ربتت نور برقة على يده التي تحاوطها، ثم قامت بطبع قبلة خاطفة على كتف ذراعه بحب متمتمة:
– هانت يا روح قلبي، فات الكتير مبقاش الا القليل، كلها ايام ويهل ولي العهد ، ربنا يعديهم بقى على خير زي اللي فاتوا .
– يارب يارب .

تضرع بها الى الخالق بشوق جارف، يعد على اصابعه، بقرب الوصول لأجمل الأهداف التي ينتظرها، فصبره الذي طال يستحق المكأفاة، بعشمه في كرم الخالق.

– مصطفي.
دوى الصوت القوي ينتشله من عالمه الوردي، ليتفاجأ بها جالسة في انتظاره في بهو القصر،  تستند بذقنها على رأس عصاها، وكأنها كانت في انتظاره، لتهمس زوجته بخوف منها:

– مامتك قاعدة مستنياك يا مصطفى، باينها زعلانة كالعادة، انا بصراحة مش هتحمل القعدة، هموت وانام.

رد بهمس هو الاخر:.
– خلاص اطلعي وانا هحصلك.
سحب ذراعه منها، لتعتمد على ذاتها في الباقي، ثم ألقت بالتحية على المرأة ذات الوجه العابس:

– مساء الخير يا طنط،
– مساء النور يا روح طنط.
رددت بها بهيرة بسخرية لم تخفى على ابنها ، الذي تعمد التجاهل كعادته، تجنبا لغضبها:
– نعم يا ست الكل،  مش عوايدك يعني تسهري.

مطت شفتيها بابتسامة ليس لها معني،  قائلة:
– خلينا نتعلم يا سيدي منكم،… ع العموم دا مش موضوعنا
– امال ايه هو موضوعنا؟
سألها مستفسرًا، لتجيبه بعد برهة من الوقت :
– انا كنت بفكر اشتري قصر جدك شوكت باشا، عايزة اجدده، وارجعه لاصله.

قطب قليلًا بتفكير ، ليعقب بعد ذلك:
– بس دا ورثك مع خالتو نجوان،  هتبيع ازاي نصيبها بحالتها دي؟

– من ابنها
– يا ماما وافرضي رياض قبل ومضى،  وخالتو رجع لها عقلها بعد كدة وخفت،  هتتقبل ازاي الأمر لما تلاقي نصيبها بقى ملكك انتي .

زمت شفتيها تضرب بعصاها على الارض بحنق:
– وانا بقى هفضل تحت امرها؟ حد قالها تروح تتجوز برا العيلة من واحد العوبان زي حكيم، خسرها فلوسها، وبموته اخد عقلها كمان، ما هي لو سمعت الكلام،  مكنش دا كله حصل لها.

يعلم ان جادلها ستواصل ولن تتوقف ، وهو بالكاد تحمله قدميه،  لذلك فضل مجاراتها:

– حاضر يا ماما ، هشوف الموضوع ده مع رياض،  وهو يتصرف، عن اذنك بقى عشان هموت وانام .

لم يتلقى منها رد، فنهض متابعًا انسحابه:
– تصبحي على خير بقى يا ست الكل، عن اذنك.
تابعت انصرافه وهروبه منها بضيق :
– ماشي يا مصطفى،انا برضو مش هسكت غير لما اخد القصر.

❈-❈-❈

مرت عدة أيام في مجالستها للمرأة بهدوء وبعض الارتياح بما لمسته منها من تغير، وقد اصبحت تستجيب لها وتطيعها دوما ، أدمنت القصص والروايات، وقراءتها من قبل بهجة،  وكأنها تكفر عن ذنبها وخطأها.
حتى أتى ذلك اليوم حينما وصلها اتصال من شقيقتها، تخبرها عن حمى مفاجئة أصابت شقيقها، عقب عودته من إحدى دروسه.

فحاولت الاتصال بصاحب العمل حتى تستأذنه وتترك نجوان في حوزته،  فمسؤولية الخروج الاَن مع عدم توقع أفعالها الغير مضمونة على الإطلاق يقيد عقلها عن التفكير بأي شيء ، ولكنها لا تقدر على المكوث هنا وشقيقها لا تعلم بما اصابه ومع محاولات الاتصال المتكررة وفشل الوصول اليه، اضطرت في الأخير ان تبعث رئيستها في عمل المصنع لتُعلم هذه المتعجرفة مساعدته في المصنع كي تخبره،  وحينما لم تجد منها نتيجة هي ايضا، حسمت امرها لتتخذ القرار.

❈-❈-❈

– قلب اختك يا حبيبي،  ايه اللي حصله يا جنات؟
هتفت بكلماتها، فور ان دلفت اليه عائدة من الخارج،  تسحب بيدها نجوان التي وقفت محلها بانشداه،
وهي تراها تسقط بجوار شقيقها على الفراش.

لياتيها الرد من جنات:
– رجع من برا ع الحال دي يا بهجة،  جسمه مولع وبيجر رجليه بالعافية، حاولت معاه بالكمادات، الحرارة نزلت يدوب شوية صغيرين، وبعدها رجعت تاني رغم البرشام اللي خده، انا مش عارفة والله اعمل معاه ايه تاني؟

– متعمليش حاجة، انا اساسا اتصلت بالدكتور، وانا جاية وبتابع معاكي في السكة.
اومأت جنات برأسها لتشير اليها بعد ذلك بذقنها، نحو الأخرى باستفهام ، لتنتبه بهجة على وقفتها مازالت محلها؛

– اه دي نجوان هانم اللي انا شغالة عندها، اقعدي يا هانم، واقفة ليه على رجلك، تعالى اقعدي ع الكنبة اللي هناك دي.

بحالة من الارتباك ، لم تتحرك نجوان من محلها ، لتنهض جنات بسرعة بديهة، فتقترب منها وتسحبها برقة ولطف:

– تعالي اقعدي وريحي رجلك، اينعم هي الكنبة على قد الحال،  بس والله مريحة.
اومأت رأسها باضطراب، تسجيب لسحبها ، حتى جلست على هذا الشيء الجديد عليها ببعض الهدوء، الذي طمأن بهجة بعض الشي لتهتم بشقيقها، بعدما اعطت تعليماتها لجنات بقفل باب المنزل الخارجي والحرص الشديد منها، فهي حتى الاَن لا تعطيها الامان .

❈-❈-❈

وفي الاسفل
هللت سامية نحو اسرتها تخبرهم:
– شوفتي ياما،  شوفت يابا، الحارة كلها مقلوبة تحت ع العربية الزيرو اللي سادة الشارع.

سبقهم بالرد شقيقها الأوسط سامر:
– اه يا ختي شوفناها، وشوفنا كمان مين نزل منها ، عارف يابا العربية دي تبع مين؟

رد خميس بلهفة:
– مين يا واد؟
– بهجة بت اخوك يابا، ودي مش اول مرة على فكرة، انا شوفتها نازلة قريب منها برا الحارة، ودلوقتي جايبة معاها واحدة ست شكلها هانم بشعر اصفر، ولا اللي بيطلعو في المسلسلات التركي بحلاوتهم رغم سنها الكبير.

برقت عيني والده بشغف استفز درية لتتدخل وتنهره:
– تركي ولا مصري، هي جاية بيها هنا ليه؟ وتعرفها منين اصلا؟

– الله اعلم.
تمتم بها سامر،  ليجلس محله ويتكيء مضجعًا على الاريكة، فعلقت شقيقته بحقد:
– ودي هتغلب برضو، اكيد لقت لها سكة مع الست اللي بتقول عليها، انا ملاحظاها هي وواخواتها بقالي فترة، كلهم طقموا بالجديد، والنعمة بانت عليهم، دا البلوزة اللي خرجت بيها البنت جنات امبارح، انا كنت هموت عليها واجيبها، بس معرفتش تتجاب من اي محل.

بضحكة ساخرة عقب شقيقها باندهاش:
– يا نهار ابيض عليكي يا سامية، بقى كل الهدوم اللي انتي جايباها دي، ومعجبكيش غير البلوزة اللي لابساها جنات وهي رايحة الكلية؟

عبست سامية بضيق لم تخفيه، ليتهكم والدها بضجر منها:
– ودي بتشبع ابدا دي؟ دي لو جابت كل اللي في السوق، برضو مش هتستكفى .
تجاهلت درية كل ما يقال ، لتتسائل بفضول :
– هو الواد سمير راح فين؟ مطلعش ليه هو كمان يرغي ويحكي، زي ما بيعمل في اي حاجة تخص المحروسة،  دا بقُه ما بيتبلش فيه فولة.

❈-❈-❈

– اتفضل يا دكتور اتفضل.
بحنق يسري داخلها،  وقفت تستقبل الطبيب الخارج من غرفة شقيقها، برفقة هذا البغيض ابن عمها، والذي تفاجأت به، حينما أتى به، فور ان رأه يدلف الى داخل البناية يبحث عن عنوان المنزل الذي وصفته له عبر الهاتف، ليأخذها حجة، لفرض خدماته عليهم. لولا الخوف من الفضائح ، ووضع صحة شقيقها في الاولوية،
لكانت رفضت واعطته درس لن ينساه، هذا الوغد المتخاذل، يحاول الاَن تحسين صورته امامها، بعدما خيب ظنها في اشد اوقاتها احتياجًا له، كسند تتحامي به وقت أن كانت زوجته على الورق .

– الدكتور بيطمنك عليه متقلقيش يا بهجة.
بضيق لم تخفيه رمقته بنظرة عابرة،  تتجاهل الرد عليه،  لتتوجه مخاطبة الطبيب :

– طمني يا دكتور على حالته.
اوما لها الطبيب بعمليه، يشير لها نحو الأخر:
– انا كتبت كل التعليمات والارشادات اللي لازم تلتزمو بيها،  مع روشتة العلاج،  واديتهم للاخ قريبكم….

سارع بالتصحيح له.
– ابن عمها يا دكتور واكتر كمان.
كتمت زفرتها بصعوبة، تبتغي التوضيح:
– افهم من كدة انه مش دور برد عادي مع حمى، تتعالج بالأدوية اللي احنا عارفينها ؟

وافقها بأسف:
– في الحقيقية هو فعلا كدة، المريض عايز رعاية كاملة،  خلو بالكم من الاغذية كمان، دي حاجة مهمة اوي عشان تقوي مناعته، وبإذن الله خير متقلقلوش.

ختم بالاَخيرة ، ليسحب نفسه كي يغادر ولكن بهجة اوقفته من اجل ان تنقده:
– استنى يا دكتور حق الكشف .
اشار بكفه:
– لا ما قريبكم قام بالواجب.

صدمة احتلت ملامحها ، لتعد العشرة بداخلها، حتى اذا خرج الطبيب ، وتحرك هو يعطيها ظهره، باغتته بجذبه من قماش قميصه، ثم وبحركة سريعة تخطف ورقتي التعليمات وتلك التي مدون بها اسماء الادوية، وقبل ان يستوعب، وجدها تضع ورقة النقود ذات الفئة العالية داخل كفه قائلة:

– كدة بقى يبقى في ايدك حق الكشف ، وكتر خيرك اوي بقى على كدة.
اعترض غير مستوعبًا لسرعتها في التنفيذ:
– انتي ازاي تعملي كدة؟ شايفاني كرودية يا بهجة،  ولا مش مالي عينك عشان تديني حق الكشف وتمنعيني من ان اجيب العلاج لابن عمي؟

بابتسامة ساخرة خالية من أي مرح:

– بلاش اقولك انا شايفاك ازاي؟ اما بقى عن ابن عمك ، ف انت يا سيدي كتر خيرك اوي ، عملت الواجب اللي عليك وزيادة لما دخلت مع الدكتور اللي كشف عليه، اما بقى تدفعله مليم واحد في كشف او دوا ف دا لايمكن اسمح بيه.

امتقع وجهه بغضب شديد:
– على فكرة دي قلة زوق منك يا بهجة،  عشان انتي كدة بتهينيني وتقلي مني، طب قدري حتى صلة الدم اللي ما بينا .

– يا سيدي والله مقدرة،  بدليل اني ما طردتكش وانت داخل مع الدكتور وفارض نفسك في مرافقته.

– فااارض نفسي.
– ايوة فارض نفسك ، وياللا بقى معلش لو سمحت عشان انا عايزة ادخل لاخويا اطمن عليه، وزي ما انت عارف البيت كله حريم.

تجمد محله، يطالعها بأنفاس هادرة، وصدر يصعد ويهبط  بانفعال مكبوت، يمنع نفسه بصعوبة عن التصرف  بحماقة قد يندم عليها بعد ذلك، وهذه الرفض القاسي لأي محاولة للقرب او التصليح، يصيب عقله بالعجز والغضب، وهي الاَن تطالعه بتحدي وكأنها تقرأ افكاره.

ليقطع لحظة الصمت بينهم ، ولوج عائشة عائدة من المدرسة، ثم تعليقها بدهشة لا تخلو من تهكم:
– ايه ده ايه ده؟ هو انا لغبطت ودخلت بيت غير بيتنا ولا ايه؟…… ولا يكونش عقلي اللي بيكوبس دايما  بالعفاريت بالليل، اتطورت حالته وبقى يشتغل في النهار كمان؟

– عفريت لما ياخدك يا بعيدة.
كان هذا رده، قبل ان ينسحب ويخرج ذاهبًا من حيث أتى .

لتطالع شقيقتها بتساؤل فور خروجه، ولكن هذه المرة بجدية، جعلت بهجة تجيبها على الفور :
– تعالي ورايا على اوضة ايهاب وانتي تعرفي بنفسك.

❈-❈-❈

بداخل الغرفة، كانت المفاجأة، حينما اكتشفت وجود نجوان بجوار شقيقها على الفراش جالسة ، وبأناملها تمر على شعر رأسه بحنو جلي ، جعلته يغمض عينيه براحة، لتطالعها بهجة بدهشة وعدم استيعاب،

اما عائشة والتي كانت اول مرة تراها، فعبرت سائلة باستغراب:
– مين الحلوة ام شعر اصفر ؟ دي تبع الدكتور ولا خارجة من مسلسل في التليفزيون.

انتبهت لها نجوان لتقرب رأسها منها، وتنظر الى عينيها مباشرةً، ثم خرجت كلمتها باقتضاب كما عودت بهجة:

– زتوني.
ضحكت لفعلها بهجة، وقد تيقنت من تقدم حالتها، بتذكرها لهذه الشيء الصغير، لترد محفزة لها:

– ايوة هي بعينها ، دي يا ستي عائشة ام عيون زتوني،  والقردة بتاعتنا ام لسان طويل، برافو عليكي بقى انك افتكرتيها،  ودي بقى جنات طالبة الجامعة،  وايهاب اكيد عرفتيه، هي دي عيلتي المتواضعة يا ستي، ربنا يباركلي فيهم.

ابتسامة خلابة لاحت بثغرها، لتوزع بأبصارها عليهم والثلاثة يبادلنها بمودة، ما عدا ايهاب والذي غرق في النوم تأثرا بفعل نجوان وحقنة الطبيب التي حقنه بها قبل مغادرته،

لتعلق عائشة بفراسة:
– كدة بقى انا عرفت لوحدي، هي دي الست اللي انتي شغالة عندها يا بيبة صح؟
– صح .
– ومشرفانا النهاردة فى البيت.
– ايوة .

تدخلت جنات باقتراحها:
– طب كدة مدام ايهاب نام، يبقى احنا بقى نعمل بأصلنا مع الضيفة اللي مشرفانا النهاردة ونأكلها، ولا ايه رأيك يا بهجة.

سمعت الاخيرة تجيبها بعمليه:
– خلاص يبقى خلو بالكم منها، سايروها واتكلموا معاها،  وانا هحضر اللي يناسبها،  اصلها مش بتاكل اي حاجة.

❈-❈-❈

سقط بجسده على كرسي مكتبه ، يحرك رأسه يمينا ويسارا، ثم يدلك على رقبته بتعب واجهاد متعاظم،  وقد أنهى اخيرا جولاته مع احد العملاء الجدد، ليعرفهم على  جودة بضائعه ومميزاته التي تصلح للمنافسة العالمية، ثم نقاش وغداء عمل وتوقيع صفقات،

يوم مرهق مر به من اجل تحقيق احد أهدافه التي يسير على خطاها بجد واجتهاد،  يساعده على ذلك شريكه الجديد بنشاط وحنكة اكتسبها في سنوات عمره بالعمل ليست بالقصيرة.

– رياض باشا، يحقلك دلوقتي ترتاح وتنام بعد الإنجاز العظيم اللي قومت بيه النهاردة.

خاطبه بامتنان حقيقي:
– كله بفضل ربنا وبعده انت يا كارم،  بجد انا مبسوط من عدي اللي عرفني بيك.

تبسم بثقة وتواضع يعدل في ياقة قميصه:
-ياااعم بقى اخجلتم تواضعنا.

صدحت ضحكة الاخر، مرددا بمرح:
– والله انت مشكلة يا كارم.

قالها وارتفعت رأسه فجأة نحو باب الغرفة، ليأمر الطارق بالدخول، لتلج اليهم لورا بملابسها الرسمية بأناقة ظاهرة، يطرقع حذائها ذا الكعب العالي على الارض، وهي تتبختر بخطواتها للفت النظر نحوها، حتى اقتربت تميل نحوه بعدد الملفات التي طلبها منها، امام ابصار كارم الذي لا تفوته فائتة بطبيعته:

– اهم يا فندم، عقود الصفقات اللي امرت بيهم .
اومأ لها:
– تمام يا لورا، اتفضلي انتي وانا هبعتلك لما اخلصهم.

–  تحت امرك.

تمتمت بها ثم خرجت بنفس الصخب الذي دلفت به، ليعلق كارم في اثرها:

– مش دي برضوا قريبتك وقريبة عدي على حسب ما بعرف.

رد بجدية دون ان يرفع رأسه عن مراجعة الاوراق التي امامه:

– اه، هي تعتبر بمثابة بنت خالي، وعدي نفس الأمر.
– اااه.
اومأ محركا رأسه، قبل ان يميل عليه مغمغمًا بهمس:
– طب ايه بقى يا عم؟ قريبتك ونشيطة وواجهة مشرفة زي ما انا شايف،إيه اللي ناقصها بقى؟

قطب حاجبيه في البداية، لكن سرعان ما وصل الى مقصده، ليردف حاسمًا:
– مش ناقصها حاجة وتكاد تكون مكتملة زي ما بتقول، بس انا مش شايفها غير في موقعها ده او قريبتي اللي اعرفها من وهي طفلة، لكن زوجة ولا اي حاجة تانية انسى.

– امممم.
زام بفمه كارم ، ليعقب بتفهم ، رغم دهشته:
– حقك طبعا،  انا متجوز قبلك وعارف قيمة الحب في الارتباط،  لذلك عمري ما هلوم عليك.

– حب!
دوت الكلمة بداخله، حتى صرفته عن كل ما كان يعمل عليه، ليظل بنصف ذهن حتى انصرف شريكه، لينفض رأسه من افكارها، قاصدا الاهتمام بعمله، ليضغط على زر الجرس، يطلب مساعدته، حتى اذا أتت اليه:

–  كنت عايز اطمن على سير العمل النهاردة بالمصنع، بما اني طول اليوم كنت برا، ياريت لو تعمليلي تقرير مفصل قبل ما امشي.
اومأت برأسها، ثم تحركت خطوتين بتردد انتبه له، ليسألها بتوجس:

– ايه مالك؟ في حاجة يا لورا ؟

ابتلعت ريقها تظهر اضطرابها امامه:
– بصراحة حضرتك انا مش فاهمة في ايه بالظبط؟ بس صباح رئيسة العمال جات عندي اثناء غيابك،  تبلغني ان اللي اسمها بهجة، خدت نجوان هانم وخرجت بيها.

انتفض من محله بجزع:
– بتقولي ايه؟ يعني خدتها وراحت فين من غير ما تبلغني؟

اهتزت كتفيها بعدم معرفه تردف:
– الله اعلم يا فندم، بس انا اخاف تأذيها البنت دي شكلها اتجرأ اوي بعد ما خدت الثقة و….

لم ينتظر منها تفسيرات اكثر من ذلك، وقد دنى على الفور يتناول اشياءه بعجالة من فوق سطح المكتب،  ثم يتحرك سريعًا مغمغمًا بتوعد:
– انا هعرف احاسبها كويس لو جرتلها اي حاجة، هي اتجننت عشان تتصرف من دماغها ولا ايه؟

ابتسامة ماكرة لاحت على جانب ثغرها مرددة:
– ياريته يحصل بجد عشان اخلص من الاتنين.

❈-❈-❈

وقف يستقبلها متخصرا،  وعيناه الصقرية ضاقت بريبة جعلت الخوف يسري بداخلها،  بعدما طلبها عبر الهاتف، لتأتي بوالدته فورا من مكان ما ذهبت بها، فتزعن هي في اقل من نصف ساعة تحضر بها، بواسطة العم علي سائق السيارة الخاصة بها.

– حمد الله ع السلامة.
ظهر جليًا التهكم في نبرته، مما اثر على نجوان لتتوقف  محلها عن التقدم بخوف جعله يهدر بدون سيطرة:

– ما انا مش وحش وهياكلك يا ماما، ولا انتي خلاص استحليتي تدي الامان للغريب وابنك لا؟

زادت ملامحها رعبًا، ليزفر بضجر يشبح بوجهه عنها ، لتضطر بهجة للتدخل:
– اسمحلي اوصلها لاوضتها يا رياض باشا.
– اتفضلي
هتف بها، فاردًا ذراعه نحو الدرج ، ليباشر بغضبه:
– توصليها وترجعيلي حالا ، عشان عايز اتكلم معاكي.

اومأت بهزة من رأسها، لتسحب المرأة نحو غرفتها، وفور ان اطمئنت بتهدئتها،  هبطت اليه، بأقدام بالكاد تحملها، هيئته ليست مبشرة على الإطلاق للتفاهم او الاخذ والرد في الحديث، ولكن ما باليد حيلة،  فلتخوض المواجهة بخيرها وشرها وليحدث ما يحدث.

وصلت لتقف امامه في بهو المنزل الذي اتخذ جلسته به، يبدو كبركان خامد على وشك على الانفجار:
– ايوة يا رياض باشا، انا تحت امرك اهو.
زفر بأنفاس خشنة، ليعتدل بجلسته واضعًا قدما فوق الاخرى، يبذل مجهود مضنيا في السيطرة على انفعاله:

– اتفضلي انتي يا بهجة،  فهميني بالظبط ايه بيحصل، وازاي خرجتي من الفيلا بالست الوالدة…..

خرجت الاخيرة بصيحة اجفلتها،  قبل ان يتابع بنبرة اهدى لكن اقوى:
– من غير ما تبلغيني.

برغم الزعر الذي سرى بكل خلية من جسدها، الا انها سرعان ما تمالكت لتقابل انفعاله بشجاعة تخبره:

– حضرتك انا مخرجتش بيها من نفسي ولا هي كانت فسحة، اختي اتصلت تبلغني بالتعب الشديد اللي حل باخويا،  وانا حاولت اتصل بيك مية مرة عشان استأذنك اروح اشوفه، لكن محاولاتي باءت بالفشل وتليفونك بيرن ع الفاضي من غير ما تفتح عليا ولو مرة واحدة،  لما غلبت كلمت الريسة تبلغ لورا، لكنها هي كمان مدتش اهتمام وقالتلها انك مشغول ومش فاضي لأي رغي ، انا كنت ساعتها هعمل ايه واخويا بيفرفر من السخونية مع اختي اللي مش عارفة تتصرف.

– تقومي تاخديها بيتكم؟
– امال كنت هسيبها في مسؤولية الخدم اللي عندهم شغلهم اساسا، ممكن يكون تصرفي معجبكش،  بس انا اضطريت لكدة، وهي الله يباركلها، قضت اليوم كله من غير ما تعمل معايا اي مشاكل.

سمع منها فصاح بها بعدم استيعاب:
– قضت اليوم عندكم! امي انا قضت يوم بحاله عندكم في الحارة يا بهجة؟
ابتعلت ريقها باضطراب تبرر:
– يا فندم ما انا بقولك اني اضطريت لكدة، للظرف المهم اللي حصل عندي، انت مكنتش بترد على تليفوناتك، وانا مقدرش اسيبها لوحدها هنا في البيت، ولا قدرت اتخلى عن اخويا اللي تعب اوي وكان لازم اروح اشوفه.

– تقومي تاخديها عندكم الحارة، مخوفتيش بقى لاتهرب ولا تعمل مصيبة بردود أفعالها الغير متوقعة.

– بالعكس، دي انبسطت اوي بتغيير الجو، حتى الدكتور هشام قالي دي خطوة هايلة…..

– وهشام دا شوفتيه فين؟
قاطعها بأعين برقت بترقب وهدوء ما قبل العاصفة، فصدر ردها بعفوية:
– عادي ما هو كان بيتصل عليا يطمن عليها .

سمع منها ليجفلها على الفور بصرخته:
– انا .واشرب من دمه عشان يحرم ما يعملها تاني،… ثم تعالي هنا وقوليلي،  دا من امتى بيحصل ان شاء؟
الزفت ده من امتى بيتصل بيكي يا بهجة؟…..

هذه المرة كان كالمجنون، ليضاعف من فزعرها، ناهضُا من محله بملامح غريبة عن هدوئه المعروف، مما جعلها ترتد بأقدامها للخلف تجيبه بصوت مهتز:

– من وقت ما روحنا كشفنا للهانم عنده،  هو كان عنده نمرة دادة نبوية اصلا، وكلمها ياخد نمرتي منها عشان يسألني عن الهانم الكبيرة واحوالها .

– وانتي بقى بتجاوبيه عادي، وتحكيلوا عن تصرفاتها بالتفصيل، واكيد طبعا بيعلق بهزاره السخيف اللي انا عارفه.

– عادي مش شغله.
قالتها ببساطة جعلته يصرخ بعدم سيطرة:
– شغل مين يا بهجة متحرقيش دمي، الزفت دا تمسحي نمرتك من عنده، وانا من النهاردة هغيره واروح بوالدتي للي احسن منه، فاهماني ولا لأ، تمسحي نمرته نهائي.

– تحت امرك طبعا، دي الست والدتك وانت ادرى بمصلحتها.

تمتمت بها بصوت يحمل في طياته اعتراضًا ظهر في استرسالها بعد ذلك:
– مع اني شايفة انه انسان محترم ومعملش حاجة……

– اسكتي يا بهجة.
صاح بها بحدة، مقاطعًا لها، ليمسح بكفيه على وجهه يحاول السيطرة على انفاسه الهادرة، وحالة الهياج التي قلما ما تصدر منه، نظرا لطبيعته الصارمة، والمتحكمة دائما في ردود أفعاله، ولكن مع هذه الفتاة يصبح الأمر مختلف، انها الوحيدة التي تستطيع اخراجه عن طوره الهاديء، ببرائتها المستفزة.

– طب انا كدة عايزة اروح بقى يا فندم
– نعم.
انتشلته من حالة الشرود والتشتت، لتواصل بقولها:
– يا فندم بقولك اخويا تعبان، والحمى اللي عنده لسة مخفش منها، يعني عايز رعاية كبيرة اليومين دول..

اومأ بتفهم، مخففا من حدته في مخاطبتها:
– خلاص يبقى المستشفى اولى برعايته، هناك هيبقى تحت عين الدكاترة وهياخدو بالهم منه اكتر .

صدر ردها بمعارضة:
– مستشفى ايه بس يا فندم؟ ما احنا جيبناله الدكتور البيت، اشحططه في مستشفيات وقرف ليه بس.
رمقها بغيظ مرددًا:
– مفيش شحططة ولا زفت يا بهجة، انا هكلمهم دلوقتي عشان يحضرولوا سرير ويستقبلوه.

– يستقبلوه فين؟
لم يلتفت لها، وقد انشغل بالاتصال الذي صار يجريه مع احدهم، يأمره بالفعل بما نوه عنه منذ قليل، حتى اذا انهى المكالمة، ثم التف اليها موضحًا:

– دي مستشفى احنا من ضمن المساهمين فيها، هتخرجي دلوقتي مع عم علي، هيروح بيكي هناك، الدكاترة هيشوفوه ويحددو حالته بالظبط ان كانت تحتاج رعاية وحجز، ولا يرجع ع البيت، وفي كل الحالات متشليش هم اي مصاريف.

… يتبع

الفصل الثامن

عدة أيام مرت، وشقيقها محتجز في المشفى المتخصص الفاخر، بعدما انزاح عنها هم علاجه المُكلف، بفضل كرم رئيسها في العمل، وقد ثبت بالفعل خطورة الحمى التي تعرض لها، ولولا العلاج المكثف لكان الأمر تطور اكثر من ذلك

ولكن في المقابل كانت مشتتة ما بين متابعة شقيقها، ومراحل تقدمه، في هذا الوضع ، وما بين رعاية نجوان التي تعلقت بها كالأطفال ، وهي لن تخذل رئيسها والذي اغدق عليها بكرمه في اشد الأزمات التى تعرضت لها هذه الفترة .

ولكن الاخرى لا تكف عن الطلب منها معظم الاوقات للذهاب بها الى منزل عائلتها مرة اخرى، كما يحدث الاَن، وهي ترفض تجنبًا لغضب رئيسها:

– مينفعش يا نجوان هانم، والله ما ينفع، مش ناقصة مسؤولية انا .

رغم صمتها الدائم الا انها تستطيع بأفعالها التأثير عليها ، بعبوس الملامح وكلمة واحدة تصر تكررها عند الحاجة.

– عائشة
– يقطع……
هتخليني ادعي على اختى يا مدام نجوان، بس هي السبب بعمايلها ولعبها معاكي، خليتك تتعلقي بيها .

زفرت بتعب لتسقط ، ممسكة رأسها الذي كان على وشك الانفجار، حتى أتى هو بهيبته يتدخل في الحديث معهم:

– ايه في ايه؟ ليه النرفزة والعصبية ما ببنكم؟
انكمشت نجوان كعادتها، ليحدجها بضجر قبل ان يتجه نحو بهجة التي ردت بحالة من الاجهاد:

– مفيش حاجة حضرتك، انا بس تعبت من اصرارها على انها عايزة تروح معايا البيت، وانا بقولها مينفعش.

قطب بعدم استيعاب، يستعيد بذهنه الجملة مرة اخرى:
– بتصر ازاي يعني؟ هي بتتكلم اساسًا؟
– كلمة واحدة بس؟
– كلمة ايه؟
– عائشة.
– عائشة مين؟

تنهدت تخبره:
– دي تبقى اختي يا فندم،  بس هي صغيرة اوي، يدوب حداشر سنة، بس المرة اللي فاتت اندمجت معاها في اللعب والهزار.

مط بشفتيه، وابتسامة مليحة اعتلت ملامحه:
– يا سلام، يعني حتة عيلة صغيرة،  عملت اللي محدش فينا عرف يعمله، وعلقتها بيها.

نقل بأبصاره نحو والدته ، يخاطبها بعتاب ممازحًا:
– اجيبها تعيش معاكي هنا…..
– لأ، الله يخليك بلاش تقول كدة لتمسك فيها بجد.

صدرت منها بمقاطعة يشوبها الرجاء ، ليتوقف هو محدقًا بها، لا يمل ابدًا من حفظ تفاصيلها، وهي رغم الخجل الذي يصيبها،  لكن سرعان ما تتمالك، فهي لا تقتنع ابدا بإعجابه بها وتعتبرها نظرات عادية بالنسبة لطبيعته الباردة:

– مكنتش اعرف ان ماما تأثيرها جامد كدة عندك، ع العموم تمام .
ختم بتنهيدة، ليفاجئها بقوله:
– خلاص يا بهجة خديها معاكي مدام بتفرح، وخلي واحد من الحراس يروح معاكم للأمان .

ظهرت بوادر الفرح على وجه والدته، مما جعله يرتد بأثره على بهجة، التي وبرغم المسؤولية التي سوف تلقى على عاتقها، إلا انها فرحت بفرحها:

– شكلها انبسطت بالفعل، بس انا رايحة المستشفى دلوقتي،  خليها وقت تاني يا نجوان يا هانم.

اصدرت جملتها الاخيرة بوضوح تام نحو نجوان التي حركت رأسها بتشنج دليل على رفضها، ليأتي الحل منه هو:

– خلااص يا بهجة، انا هاخدكم ع المستشفى،  تخلصوا مشواركم وبعدها تروح معاكي بيتكم ، ساعة ولا ساعتين كدة وتيجو مع عم علي، واهي تغير جو،
جهزوا نفسكم.

قالها وتحرك ذاهبًا من امامها بهدوءه المعتاد،  لتتصلب هي محلها تطالع اثره حتى اختفى بصعوده الدرج، هذا الرجل يذهلها بأفعاله الغير متوقعة، ولكن لما الاستغراب ؟ فهو يفعل مع نبوية اكثر من ذلك بحكم العشرة التي تجمع بينهم،  والتضحيات التي تبذلها في رعاية والدته، اذن فلا يجب ان تشطح بأفكار غبية.

❈-❈-❈

خرجت من المصعد، عائدة من الخارج بصحبة والدتها ، تحمل عددا من المشتريات النسائية وذلك لقرب ميعاد زفافها ، لتقع عينيها عليه، يغلق باب منزله، وحالة من غضب قلص تعابير وجهه، مع الترديد دون توقف بالاستغفار:
– استغفر الله العظيم يارب، استغفر الله العظيم، استغفر الله العظيم.

القت بالتحية والدتها، رغم استغرابها هي الأخرى من هيئته،:
– مساء الخير يا شادي يا ولدي.
رد موجهًا التحية نحوها ونحو خطيبته المندهشة لحاله المتغير بعجالة متوجها نحو المصعد:
– مساء الخير يا خالتي، مساء الخير يا صبا.

سمعت الاخيرة لتترك ما بيدها لوالدتها ، لتعود عن طريقها وتوقفه:

– رايح فين يا شادي؟ وايه اللي معصبك بالشكل ده؟
زفر طاردًا دفعة من الهواء المشبع بقلة حيلته:
– والله قرفان يا صبا، ومخنوق، حاسس اني قليل اصل واستاهل الضرب على نفوخي، بعدين اما ارجع بقى من مشواري هبقى احكيلك.

– وانا لسة هستنى على ما تيجى؟
امام تشبثها قرر تغيير طريقه من المصعد،  ليهبط الدرج على اقدامه برفقتها، كي يعبر لها عما يعتريه من ضيق:

– ولاد خالي اليتامى يا صبا، النهاردة بس عرفت بمرض الولد الوحيد فيهم، وحجزه في مستشفى،  بقالوا اكتر من أسبوع، أسبوع وانا نايم على وداني ومعرفش،  بتقصيري في السؤال عنهم، بعد ما ولاد درية قطعوا رجلي من عندهم بالكلام الزفت بتاعهم.

ذوت ما بين حاجبيها بضيق وعصبية:
– ليه يعني؟ مش عيال خالك دول يتامى،  هيضرهم ايه ولاد الست المفترية دي لما تسأل عنيهم.

تنهد يحرك رأسه بانفاس يجتاحها الغيظ:
– انتي قولتي بنفسك مفترية،  وعيالها ورثو التناحة والاستعباط،  واحد كان كاتب كتابه علي بنت خالى الكبيرة واتفسخت خطوبته بيها قبل الفرح، واتجوز وشاف حاله ولسة برضو فارض نفسه وعنده امل والتاني عايز دور اخوه.

توقف يتابع لها بانفعال، حتى غفل عن تبعاته:
– يا مؤمنة، دول منعوني ما اروح عندهم ولا اسأل عليهم ، بحجة انهم بنات وميصحش ادخل بيت مفيهوش راجل كبير، انا دمي بيغلي يا صبا، ما هو لولا عمايلهم دي مكنتش ابدا سيبت بهجة ولا اخواتها من غير ما اقف جمبهم.

استرسل تأخذه الجالالة، متوقعًا انفعالا منها هي الأخرى،  لتفاجأه بردها:

– هي بهجة دي حلوة جوي للدرجادي؟
بحالة من عدم الاستيعاب،  صار يتطلع لها، وقد توقف عقله عن التفكير، عاجز عن فهم عقل الانثى، والذي ترك جميع ما سبق ليركز على معلومة تافهة مثل هذه، ليقرر منهيًا الجدال من اوله:

–  صبا يا حبيبتي،  اطلعي لامك اللي سبتيها فوق،  وانا لما ارجع من مشواري، نبقى نشوف الموضوع المهم ده، سلام.

ما كاد ان يتمها حتى وجدته يسرع بالهبوط من أمامها، لتتمتم هي من خلفه بتصميم، عازمة على الذهاب معه:

– وانا بعد اللي جولته ده هسيبك تروحلها لوحدك، والله ما هسيبك ، استني يا شادي.

❈-❈-❈

خارج الغرفة المحتجز داخلها شقيقها، وقد اطمأنت عليه بعد زوال الخطر، ولم يعد يتبقى على خروجه الا القليل ، وقفت تلتقط انفاسها بحضوره،  متمتمة بالإمتنان:

– الف حمد وشكر ليك يا رب، اني اطمنت عليه، ياريت كمان الدكاترة تستعجل بخروجه، عشان يحصل اللي فات من دروسه.

تبسم برزانة واضعًا كفيه بجيبي بنطال حلته، بهيبة تليق به، يخاطبها:

– مش وقت دروس ومذاكرة يا بهجة، المهم التعافي بالكامل عشان يبقى المخ مستعد لحشو المعلومات وفهمها.

– ايوة والله عارفة، بس دا حلمه الطب، والتقصير اكتر من كدة هيأثر عليه.

– لو ممتاز هيلحق اللي ناقصه يا بهجة، ولو محصلش، الدنيا موقفتش يعني ع الطب وبس ، الناجح ناجح في اي مجال.

– لا ان شاء الله يحصل ويدخل طب، يارب يارب، تحقق له امنيته يارب.
صدرت منها بلهفة وعفوية، جعلته يضحك ممسكًا جبهته بيأس منها:

– لا انتي مفيش منك فايدة ابدا، انا هروح اشوف مدير المستشفى،  وبعدها اعدي عليكم قبل ما امشي، خلي بالك بقى منها.

قال الاخيرة بإشارة نحو والدته؛ والتي كانت واقفة خلف مدخل باب الغرفة ، تلوح كفها ببرائة نحو ايهاب الراقد في سريره، وهو يبادلها بابتسامة متسعة وكأنه على معرفة بها منذ زمن،
لتعقب بهجة بدهشة:

– سبحان من يوفق القلوب مع بعضها، وانتي يا نجوان ولا اكنك على معرفة بإيهاب من سنين، ربنا يهديكي بقى ومتعمليش حركة غدر ، انا مش قدها ابدا والله.

التفت عنها لتفاجأ بابن عمتها يقترب بهلع نحوها:
– ازيك يا بهجة، وازاي اخوكي ايهاب، اخبار صحته ايه؟

اومات تطمئنه برقتها المعتادة:
– كويس والله يا شادي،  متقلقش، ازمة وعدت على خير الحمد لله.
– مقلقش ازاي بس؟
تمتم بها بأسف من حاله، ليتدارك بعد ذلك وجود صبا، فيعرفها به:
– دي صبا خطيبتي يا بهجة، انا كان نفسى من زمان والله اعرفك بيها بس النصيب.

تبسمت بسماحة ترحب بها:
– زي القمر، ربنا يخليهالك، ازيك يا صبا.
ابتلعت الاَخيرة ريقها ، تصافحها بيد باردة ترد تحيتها ، ومن داخلها تردد بصدمة:

– يا لهوي عليكي يا صبا، دي طلعت حلوة جوي.

❈-❈-❈

وفي مدخل المشفى،
تقدم سمير نحو موظف الاستقبال، يسأله عن غرفة ابن عمه ايهاب، تاركًا شقيقته تجول بأبصارها في الأجواء بأعين يملأؤها الانبهار، والحقد ايضًا، لتأخذه التساؤلات عن مصدر الاموال والتكلفة ومن اين؟

– انت هتفضلي واقفة في مكانك يا سامية؟ ما تيلا يا بنتي .
كان هذا صوت شقيقها والذى توقف عن تقدمه من اجلها،  لتتحرك بخطواتها السريعة نحوه متسائلة:
– سمير،  عيال عمك جابو منين حق المستشفى الاَلاجة دي؟ اسبوع بحاله بأيامه ولياليه، وابن عمك محجوز فيها، دا اكيد كلفتهم بالالافات.

خلط رده بضحكة ساخرة،  انتي بتقولي فيها، دي الليلة هنا اقل حاجة تكلف عشر تلاف، هموت واعرف قدروا عليها ازاي؟ دا ابوكي اللي معاه الفلوس بجد، عنده استعداد يموت على أبواب المستشفى الحكومي ، ولا انه يزيد بجنيه واحد لمستشفى زي دي.

– عشان حظنا فقر ، وقعنا في راجل بخيل زيه،  انما برضوا انا هتجنن لو معرفتش،  دفعو تمن القعاد في المستشفي دي ازاي.

عاد بصحكته الساخرة قائلا :
– يبقى اتجنني احسن، عيال عمك ايد واحدة مع بعض،  مفيش حد هيغلط ويريحك ابدا، دي المزغودة عيشة ممكن تقيم عليكي الحد لو بس فتحتي معاها كلام .

اكمل بضحكة زادت من سخطها، ليدلفا داخل المصعد، كي يصل بهم الى الطابق الثاني، ومنه الى غرفة ايهاب، والتي ما ان حطت اقدامهم بداخل الطرقة المؤدية اليها،  حتى جحظت ابصارهم، بوجود شادي برفقة بهجة يتحادث معها في جانب قريب من الغرفة، لتصدر زمجرة غاضبة من سمير:

– شوفي الزفت بيستغل الموقف،  وقاعد يتمحلسلها، وياخد ويدي معاها ، دا مش بعيد يكون هو اللي دافع حق المستشفى، ما انا عارفه، مقتدر بحكم وظيفته، والنعمة ما انا ساكتله.

قالها وتحرك بأقدامه مسرعًا، مبيت النية على الصدام .
لتمصمص هي في اثره بغيظ، وتسرع باللحاق به:

– يعملها ما انا عارفاه، فالح بس يكشر في وشي ع الفاضية وع المليانة، لا وجايب خطيبته الهبلة معاه صورة، استنى يا سمير.

وصل اليهم المذكور، يلقي التحية بتهكم واضح:
–  عاملة ايه يا بهجة يا بنت عمي، شكل شادي ابن خالك قايم بالواجب وزيادة .

امتقع وجه الاخير بغضب يحاول السيطرة عليه، ليأتي الرد من بهجة:
–  وما يعمل الواجب ولا ميعملش حتى، انت مالك ؟ متعصب ليه يا سمير؟

– بصورة تفضح ما بداخله خرج صوته الغاضب:
– طبعا يا ست بهجة وانا هتعصب ليه؟ خلي الراجل يقوم بواجبه ويزود اكتر ، ما احنا عارفين اللي فيها.

قال الاخيرة بنظرة مقصودة نحو صبا التي كانت جالسة على مقاعد الانتظار بجوار نجوان الملتزمة بجسلتها الهادئة، لتضيف سامية مباشرة نحوها:

– قصده يعني على شهامته، اصله بيقوم بالواجب وزيادة،  بالذات مع بهجة……… مش بنت خاله بقى.

مطت شفتيها بالاخيرة قاصدة اشعال الغيرة بقلب هذه العاشقة،  حتى تقلصت ملامحها بغضب، ولكنها التزمت الصمت تكتم داخلها، مع احتداد النقاش بينه وبين هذا الأخرق ابن خاله:

– احترم نفسك يا سمير،  انت في مستشفى محترمة، الحركات العبيطة دي لا مكانها ولا وقتها،  انت جاي ليه اصلا ؟

سمع منه الاخير،  يصيح مهللا بصفاقة:
– لا اطردني احسن يا شادي، اصل انا قاعد في بيتك ، في مستشفى وليها وضعها، ما تتكلمي يا بنت عمي،  ياللى عاجبك الوضع.

صدر ردها بقوة كي تلجمه:
– وضع في عينك،  احترم نفسك يا سمير ، ولا لمها احسن وروح، وكتر الف خيرك يا سيدي.

– لا يا شيخة، دا انتي كمان عايزة تمنعيني من ابن عمي وزيارته، اخص عليكي يا بهجة ، دا احنا لو عدوينك مش هتعملي معانا كدة.

تدخلت سامية هي الأخرى بأسلوبها الملتوي:
– هدي اعصابك يا اخويا،  شادي ابن خالي اكيد ميقصدش حاجة وحشة،  ما هي برضو بنت خاله، وحقه يطمن عليها .

ضغطت بالاخيرة، ليهدر شقيقها بغضب وبدون تقدير :
– ايوة بقى قولي كدة، يعني واخد اخوها حجة، طب ما تقولها صراحة يا شادي.

عند الاخيرة لم يتمالك شادي قبضته، والتي ارتفعت بدون تفكير لتسقط بثقلها على جانب فكه الايمن، حتى كادت ان تطير صف اسنانه، يرافقها سبته:

– دي عشان تتعلم الادب.
شهقت الفتيات بهلع، لتصدح صرخة سمير الذي ارتمى على الارض كالخرقة، بإهانة لم يتقبلها، لتصدر صرخاته التي ضجت في قلب المشفى،  وهو ينهض في محاولة للهجوم عليه ، وقد تلقفه شادي ليلف ذراعه خلف ظهره، يحاول السيطرة على هياجه، ويأمره بالتوقف امام صدمة الفتيات:

– اهدى بقى وبطل فضايح، الناس بتبص علينا.

وكأنه طلب العكس، زاد صراخ الاخر مع تجمع البشر من حوله حتى أتت صيحة قوية:

– ايه التهريج ده؟ ايه اللي بيحصل هنا.؟
ليطل بجسده الضخم،  يوزع بنظراته القوية على المتشاجرين، ثم تتوقف عليها بتساؤل ، فيحاصرها بأعين تلونت بالإحمرار، وتتسمر هي محلها بحرج يكتسحها، ولسان يعجز عن ايجاد التعبير المناسب لما يحدث الاَن، اتخبره ان المشاجرة التي واقعة امامه الاَن بسببها !

❈-❈-❈

– اتنين، اتنين رجالة يا بهجة بيتخانقو عليكي.
هي نص ساعة بس اللي غيبتها ، امال لو اتأخرت شوية كمان ، كان هيحصل ايه؟

قابلت صيحته بغصة مؤلمة مررت حلقها، فجعلت كلماتها تخرج بنبرة يكسوها الحرج:

– مكانتش خناقة بالمعنى المعروف، هو بس الزفت ابن عمي اللي زودها وكان داخل بشراره وناره، مش ناوي على خير ، انما شادي ابن خالي فدا راجل محترم …..

– شادي مين يا بهجة؟ متحرقيش دمي ولا تجيبي سيرة أي زفت منهم.

للمرة الثانية تخرجه عن طوره الهاديء، كلما حاول التماسك والعودة لطبيعته، يحدث العكس مرة اخرى، لقد كان على وشك ارتكاب جريمة منذ دقائق بسببها.

اما عنها فقد كانت تتمنى ان تنشق الارض وتبتلعها من امامه، لذلك لم تجد بدا من الاسف والانسحاب:

– ع العموم يا فندم انا اسفة لو سببتلك أي حرج، انا مستعدة حتى مجيش هنا تاني غير بعد ما اخويا ينكتبله على خروج.

قالتها والتفت تتحرك ذاهبة من امامه، ولكنها لم تكد تكمل خطوتين، حتى مالت بسيرها فكادت ان تقع ، لولا ذراعيه التي تلقفتها، لترتطم بصدره وقد لاح عليها الضعف بقوة، ايه مالك يا بهجة؟ حاسة بحاجة تعباكي؟

رفرفرت بأهدابها لبرهة من الوقت، تتمالك ذاتها من الدوار الذي لفها منذ لحظات قليلة، لتعي على نفسها بحضنه وهذا القرب منه ، فقد كان وجهه لا يفصله عنها سوى انشات قليلة، يخاطبها بقلق واضح، ولكن الوضع لم يكن مريحًا بالمرة، لتستحضر على الفور ارادتها ، فتنتصب، ثم تدفعه عنها بخفة ، ولكنها، وما كادت ان تقف جيدا حتى سقطت مرة اخرى بين رحاب ذراعيه، ولكن هذه المرة فاقدة للوعي تماما، مما اضطره ان يدنو ثم يرفعها من اسفل ركبتيها، فيحملها اليه،

وجهها الملائكي بصورة تختلف تمامًا عما تدعيه من قوة ، عظامها اللينة برقة ألهبت مشاعر قد كبتها منذ زمن ، لتعود الاَن وبشدة، هو بالكاد حاول تخطي قبلة الحياة التي فعلها مجبرًا من أجل افاقتها من الغرق،

ماذا بها هذه الفتاة لتجعل هذا الخافق بين ضلوعه، ينتفض كعصفور بللته امطار الشتاء القارص، بمشاعر امتزجت بالقلق واشياء اخرى لا يعرف تفسيرًا لها.

زفر بنفض رأسه من كل ما يعتريها من افكار ، ليتحرك بها نحو افاقتها.

❈-❈-❈

بداخل السيارة التي كانت تقلهم للعودة، وهو يقودها ينقل بنظراته كل لحظة نحوها،  متابعًا صمتها المستمر منذ خروجهم من المشفى،  وردودها المقتضبة، على عكس طبيعتها المشاكسة معه، ليخرج عن صمته فجأة موجها حديثه اليها بانفعال:

– لا بقى، كتر السكوت دا بقى يقلق، لتكوني صدقتي يا صبا كلام العيل الأهبل ده؟ انتي تعرفي عني الاخلاق دي؟

خرج ردها بحدة بعدما اجبرها على الألتفاف اليه:
– ما هو مش بكلام العيل الأهبل يا شادي، افعاله متدلش غير على حاجة واحدة،  وهي ان عنده اسباب، حتى برغم تفاهته ورغم كل عمايله، لكن الحرقة اللي بيتكلم بيها ناحيتك مش هتيجي من فراغ…..

يعلم انها شديدة الذكاء، ومدامت قد وصلت به لهذه النقطة،  هو ابدا لن يبخل عليها بالحقيقة، وليحدث ما يحدث:

– ماشي يا صبا، انا هجيبلك من الآخر عشان تبقي على بينة، وارجو تحترمي شجاعتي وما تحمليش الامور اكبر مما تحتمل.

يبدو ان القادم ليس جيدًا ولكنها لن ترضى الا بالمعرفة،  لتوميء له بتوجس:
– اتفضل يا شادي اتكلم.

صمت قليلًا يستحضر الذكريات ، ليأتي بالاهم مباشرةً:
– سمير بيغل مني عشان انا اللي وقفتله في موضوع طلاقه من بهجة،  هو مكانش عايز يطلق ولا يحلها من جوازه منها ، وهي بعد ما نزل من نظرها في موضوع ورث ابوها من الوكالة، كانت بتفضل الموت على انها ترتبط بيه؟ وانا مقدرتش اقف متكتف، ساعدتها بالمحامي اللي يخلص، وجمعت كبار المنطقة حكموا حكمهم بعدم جبر اليتيمة على شيء هي مش عايزاه، ومن يومها وهو مش شايلني من دماغه، حتى بعد ما خطبتك، برضو المتخلف اللي في دماغه في دماغه.

– حاولت تتقدملها عشان تتجوزها انت يا شادي؟
سؤالها المباشر اصابه بالتشتت،  ليحيد ببصره عن الطريق والتف اليها بفاه منفرج، ونظرة فهمتها على الفور، ليصحح موضحًا لها:

– مش عشان اللي في دماغك والله يا صبا، انا كنت عايز اضلل عليهم هي واخواتها،  واحميهم من جبروت خالي خميس ومراته وعياله، بس هي فاجأتني برفضها،  والاعتماد على نفسها ، وسبحان الله بعد ما كانت ضعيفة وتاكل عشاها القطة، ربت لها ضوافر وقدرت بعزة نفسها تفرض شخصيتها على الكل، انا مقدرش امنع نفسي من احترامها، ولا اقدر امنع نفسي عن حبك، اقسم بالله انا ما دق قلبي ولا عرف العشق إلا ليكي يا صبا.

استطاع بصدقه ان يصل بها الى بر الامان الذي تتنعم فيه بعشقه، حتى ارتخت ملامحها في إشارة لبدء اقتناغها، لكن سرعان ما انقلبت فجأة بتذكرها:

– بس بصراحة هي طلعت حلوة جوي يا شادي،  ازاي يعني عجلي ما يشتش ولا برج من نفوخي يطير.

ضحك يرفع كفها اليه ، ثم يقبل ظهرها تعبيرا عن حبه، مرددًا بغزل واقرار:
– وانتي والله قمر واحلي من القمر نفسه، دا اللي عجبني فيكي ثقتك بنفسك يا صبا، يعني مهما كان جمال بهجة، هيجي ايه جمب جمالك وانتي متربعة في قلب حبيبك، ربنا ما يحرمني منك يا قلب شادي انتي.

❈-❈-❈

استعادت وعيها اخيرًا لتفتح اجفانها للنور والحياة،  فوقعت ابصارها اولا على السقف الابيض والانارة الخفيفة،  ثم نزلت نحو المحلول المعلق بيدها،  لتنتبه على دفء بكفها الاخر، وتفاجأ بنجوان تحاوطها بكفيها الاثنين ، مشهد بقدر ما اثار ذهولها، بقدر ما اثر ليلمس نياط قلبها، ونظرة الحنان التي تطل من عينيها، لتسخر متسائلة:

– ليكون دخلت الجنة من غير ما اعرف ولا انا بحلم ولا ايه بالظبط.

جاءها الصوت الرخيم من جهة النافذ الكبيرة والستائر البيضاء، معلقًا:
– عشان تعرفي بس خوفها عليكي، اهي ع الحال ده من ساعة ما انتي تعبتي، حتى والدكاترة بيسعفوكي برضو ماسابتش ايدك ابدا.

استدركت لحالها الاَن، وما اردف به، لتتسائل بقلق:
– هو ايه اللي حصل؟ انا اغمي عليا مش كدة؟ طب ليه المحاليل والحاجات دي؟

اقترب قائلا بمطة صغيرة من شفتيه :
– انتي فقدتى الوعي خالص يا بهجة، والدكتور فحص حالتك واقر انك ضعيفة ومحتاجة تغذية، دا غير طبعا الاجهاد والإرهاق،  كلهم اتجمعوا عليكي.

– يعني حاجة عادية الحمد لله، دا انا افتكرت حاجة خطيرة، اقوم بقى اشوف اللي ورايا.
تمتمت بها بتقليل، ليتفاجأ بنزع ابرة المحلول من يدها، بصورة جعلته يتسائل بجذع:

– بتعملي ايه يا مجنونة انتي؟ مش تستنى الاول رأى الدكتور.
نقلت بنظرة سريعة نحو نجوان ، لتلف حول رأسها الحجاب قائلة:
– واستنى ليه تاني؟ مدام المحلول جاب فايدته والحمد لله ورفع عني شوية، اروح بقى اطمن على اخويا، قبل ما اروح، زمان اخواتي البنات رجعوا من دراستهم.

وقبل ان يصدر اعتراضه، وجد والدته تقوم باللازم، في التشبث بها،  لتصدح ضحكته:
– انتي اللي بتجيبيه لنفسك، اهي مش هتسيبك حتى وانتي تعبانة،  ارجعي لسريرك احسن يا بهجة، خليكي عاقلة.

وعلى عكس ما توقع من اعتراض منها لحالة الوهن بها، رحبت بسماحة تذهله:
– وماله خليها تيجي، ع الاقل يراعوها معايا شوية، مدام بتفرح بلقاهم، انا عمرى ما هقولها لا.

❈-❈-❈

انتهت جولة اخرى من المحاكمة المستمرة طوال اشهر في الشد والجذب من اجل تحديد مصيره، ليعلن القاضي تأجيلها كالسابق،  ولكن هذه المرة هناك بارقة امل، بعد مرافعة المحامي الجديد، وقد اثبت انه داهية ويستحق رزمة النقود الكبيرة والتي تحصل عليها من والدته، بعدما شكك في شهادة الشقيقتان واتهمهم بتلفيق تهمة .ابيهم من اجل الاتتقام منه، فكرة شيطانية فاجأه بها، مع مجموعة من الحجج والقصص المؤلفة عن صحة خطف شهد من الأساس ، وانه مجرد خلاف عادي تطور لتشابك بالأيدي،  ومنه اتجهت الفتيات لتلفيق التهم اليه.

– بشرة خير يا ابراهيم،  شكل المحامي عقر وهيجيب البراءة المرة دي.
كان هذا صوت والدته، والتي هرولت اليه خارج قضبان القفص المحبوس به، عقب قول القضاة ليفتر فاهه بالابتسام بتردد:

– اما اشوف ياما ، هتكمل على كدة ولا هتتقلب من تاني.
أتت الإجابة من المحامي المحنك، يحدثه منتفش الريش بزهو:
– متقلقش يا ابراهيم،  انا ياما عدى عليا قضايا من النوع ده وانيل مية مرة، تجار مخدرات .ل وجميع الجرايم، كلهم طلعوا بفضل مهارتي، واظن والدتك حكتلك عن سمعتي .

– حكتلي يا متر، بس انا برضو مليش غير النتايج، غير كدة متقوليش.
– ان شاء الله هتظهر النتايج قريب ، بس انت متفولش.
قالها الرجل ليسحب حقيبته ويذهب من جوارهم، فتعلق سميرة من خلفه:

– حار ونار في جتته، خد مني فلوس بالهبل،  بس معلش اهم حاجة يطلعك براءة ، والنعمة لو ما نفذ بوعده،  لاكون فضحاه ومجرساه في كل الدنيا.
– قلبك ابيض ياما.

تمتم بها بضحكات متقطعة، ليصدر السؤال منه بعدها:
– الا خالتي مجاتش ليه معاكي؟ ولا اي واحدة من مضاريب الدم بناتها:
عوجت شفتيها يمينا ويسارًا،  مرددة بغيظ:
– يتفلقوا،  عنهم ما جم خالص، بيجهزو لفرح الزفتة امنية، انهاردة حنتها بقى ، وبكرة تتزفت على النيلة الظابط خطيبها.

سمع منها وتحولت ملامحه من الابتسام الى التجهم بشده، انفاس حارقة كالدخان ، يخرج من أذنيه وفتحتي انفه، ليقبض على قضبان المحبس الحديدية بقوة ابيضت لها مفاصله، حتى انتفضت والدته بالزعر تخفف عنه:

– متزعلش نفسك انت يا حبيبي،  بكرة تتجوز ست ستها، واللي احلى منها كمان.

ظل على وضعه، فصار صوت انفاسه الخشنة فقط مع هزهزة اسلاك القضبان بغضب وعنف وهي تهون عليه، حتى سحبه رجل الأمن من امامها، يدخل به داخل الممر المؤدي الى الردهة الداخلية، ويجمعه مع مجموعة السجناء من زملائه، قبل العودة بهم الى محبسهم الاساسي، فلم يخرج عن صمته سوى بعدما وقعت عينيه على غريمه، يخرج من إحدى الغرف بصحبة عدد من زملائه الضباط:

– يا عصام باشا، انت يا عصام باشا.
صوته العالي جعل الاخير يلتف اليه، مع انتباه الجميع له، ليهدر بالرد عليه غاضبًا:

– عايز ايه يا ابني انت، وبتنده عليا ليه بصوتك العالي؟ انت اتجننت.
جاء قوله بلهفة:
– لا يا باشا متجننتش، انا بس عايز اكلمك في موضوع ضروري،  انا ابراهيم لو مش عارفني، ابن خالة خطيبتك،  واللي كنت خطيبها قبلك.

برقت عيني الاخير على الفور بإجفال وغضب، وقد توقفت جميع الاصوات، والجميع مصوبا ابصاره نحوهما ، بعد هذا التصريح الغبي منه،

فاتجه نحوه يقبض على ياقتي قميصه معنفًا له، وقبل ان يتمكن من ضربه او سبه، اردف ابراهيم مصححًا:

– اسف يا باشا، والله ما قصدي حاجة، انا بس عايزك في كلمتين.
على صوته يزجره:
– وانت تكلمني بصفة ايه؟ ولا يكونش فاكر نفسك قريبي صح.

صدر رد ابراهيم بصوت يتخلله المسكنة:
– مش بأي صفة والله، هما بس كلمتين محشورين في زوري ونفسي اقولهم.

❈-❈-❈

بإحدى الصيدليات، وبعد أن تم الانتهاء من تضميد الجروح، بالمعقمات، وتناول المسكن لهذا الالم الرهيب بفكه، ليتمكن من توجيه شقيقته بحدة:
– انتي يا بت ، اياكي تبلغي حد باللي حصل النهاردة،  لاشرب من دمك .

شهقة غاضبة صدرت منها لتعقب بتهكم:
– تشرب من دمي كمان، لهو انت مقدرتش ع الحمار هتتشطر ع البردعة.

هدر بها يحذرها بعنف:
– لمي نفسك يا سامية انا على اخري،  مش ناقصك انتي كمان .

اشفقت تتراجع عن سخريتها بعد شعورها بنبرة الحزن التي تغلف صوته، لتلطف قائلة:
– انا مش قصدي اشمت فيك ولا اتريق ، انا بس اضايقت من كلامك الناشف وتهديدك ليا.

– عشان عارف بقك اللي ميتبلش فيه فوله يا سامبة، وانا بقى على اخري ومش قابل نص كلمة من حد .

اومأت بتفهم ، فهي الاعلم برد فعل والدتها لو علمت ولا غضب اسراء او شماتة سامر،  ثم سخرية والدها ومعايرته.

– خلاص يا سمير انا مش هتكلم وان حد سألتي عن اللي في وشك،  هقول  دي خناقة في الشارع.

– جدعة .
تمتم بها ليغمغم بحسرة من داخله:
– مهما عدت السنين ولا شوفت في حياتي نسوان، ما في واحدة هتحل مكانك يا بهجة، وبرضوا مش هسيبك.

❈-❈-❈

خرج من وكالته،  يرفع عيناه للأعلى نحو شرفة منزل شقيقه، يمني نفسه برؤية القمر كما حدث منذ ايام، وقد توقف عقله عند هذه اللحظة حينما رأى المرأة الجميلة،  ذات الشعر الاصفر كسلاسل الذهب والبشرة البيضاء البهية،  بصحبة ابنة شقيقه، تتطلع في الحارة وابتسامة تذهب بالعقل مرتسمة على ملامحها الفاتنة.

لقد رأى شبيهات لها على التلفاز وفي مسلسلات الدراما التركية كما وصفها ابنه، لكن على الحقيقة ، لم يصادف ابدا كهذه الفتنة المتحركة،  يجزم بأن الاعجاب متبادل،  فقد التقت عيناها بخاصتيه وتبسمت باتساع، لقد طار عقله وقتها حتى كاد ان يتخلى عن رزانته، ويصعد اليها بشقة شقيقه الراحل، ولكن منعه الحرج من بهجة واشقائها،  فقد انقطعت الصلة بينهم منذ وقت طويل، بعد مشاكل الميراث،  من أين يجد الحجة اذن ليفعل؟

ليتعلق قلبه بالأمل في عودتها، لربما وجد الفرصة وقتها في لقاءها وحدها بعيدا عن الحوش من أبناءه وابناء شقيقه ، والملعونة درية .

– ااااه
تأوه داخله بلوعة،  يتمنى ان يبتسم الحظ له ،ويعوض ما فاته بالزواج من امرأة مثلها، تضيء بالظلام،  ليست كدرية التي لا يقدر عليها سوى الله.

فهو رجل مقتدر،  يملك اموالا لا حصر لها ، جزء في التجارة على العلن، واضعاف في الخفاء، لا يعلم عددها الا هو ، وان كان ينقصه بعض النحافة بذلك البطن الممتد امامه ( كرش) رغم رشاقة معظم الجسد، ثم زرع كمية من الشعر بوسط الرأس التي تلمع من نعومتها بتلك الصلعة الكبيرة بوسطها، اما عن الطول فمنذ متى كان فارقًا له.
لابد من الاهتمام بنفسه، ويدللها بعد الشقاء،  فما فائدة ما حصده طوال هذه السنوات ، ان يتركه من خلفه، كي يرثه أبناءه الحمقى وزوجته المتسلطة .

شهقة صدحت بداخله، فور ان تفاجأ بدخول السيارة المذكورة تلج الى المنطقة وكأنها لبت نداء قلبه الضعيف،
ابنة شقيقه الراحل، جالسة في الخلف، بجوار تلك الحورية، ما أجملها من امرأة.

– اااه.
خرجت هذه المرة بتنهيدة مسهدة، لتتحرك قدميه ويتبعهم ، حتى اذا توقفت السيارة امام البناية خاصتهم، اقترب يستقبلهما:

– يا أهلا بالضيوف اللي معاكي يا بنت اخويا
قطبت الاخيرة بدهشة وهي تترجل من السيارة، وتسحب خلفها نجوان التي توقفت هي الأخرى بإجفال، تطالع الرجل المتوسط الطول، بجسده الصغير، ذلك الذي يميزه البطن الكبير، عكس باقي أعضاء الجسد، وكأنه ياكل ويخزن داخل احشاءه فقط ، ثم هذه الابتسامة المتوسعة، والشارب الرفيع بشدة ، يحدق بها بصورة فجة جعلتها تعود برأسها للخلف بجزع منه، لتتصدر بهجة امامها، قائلة:

– نعم يا عمي في حاجة؟
صار يشب برأسه موجها الحديث نحو الأخرى:
– حاجة ايه بس يا بنتي؟ انا بتكلم على ضيوفك، الناس الالافرنكة دي، مش واجب برضو نتعرف بيهم وياخدو الواجب، انا عمها يا هانم.

في الاخيرة امتدت كفه نحوها يريد المصافحة، ليزداد رعب الأخرى،  بظن منها انه سوف يؤذيها، لتهب بهجة بنجدتها ، بأن ابتعدت بها عنه قائلة:

– معلش يا عمي، بس الهانم مبتقبلش تسلم ولا حتى تتعرف بحد غريب، عن اذنك.
قالتها وتحركت بها سريعًا تتخطاه، ليقف هو متطلعًا باثرهما، وبكفه التي مازالت ممتدة ليعلق بصدمة:

– الله، طب وهو السلام في ايه يعني؟ هو انا جربة مثلا؟

❈-❈-❈

كان منغمسًا بشروده ، يهزهز بمقعده للخلف كالأرجوحة، معطيا ظهره بعكس الجلسة خلف مكتبه.
حتى لم ينتبه على دخول رئيسه اليه، ولا  حينما توقف خلفه،  ليجفله فجأة بالصوت المزعج للملفات التي القى بها على سطح المكتب دفعة واحدة:

– ايه يا غالي، قاعد سرحان وسايب شغلك متكوم فوق بعضه، ما تعمل بقى بلقمتك في الكام الساعة دي، قبل ما تاخد الاجازة وتغرق في العسل .

ابتسامة ضعيفة صدرت منه كاستجابة لمزحته، ليرد بمرح مصطنع:
– معلش بقى لازم تعذرني، اي حد في مكاني هيبقى مش بعقله.

انتبه امين على تغيره ، وهذه النبرة لم تريحه، ليميل نحوه قاطبًا بقلق:
– ايه مالك يا عصام؟ انت في حاجة مضايقاك؟

زاد بتصنع الابتسام وادعاء عدم الفهم:
– بتقول كدة ليه بس يا باشا، هو انا حد قدي النهاردة مثلا عشان اضايق.

زم شفتيه الاخر، مضيقًا عينيه بريبة يعقب:
– مش عارف،  حاسس حاجة فيك متغيرة،  مش مطمني شكلك كدة، اصل انت بالذات مفضوح قدامي، وانا عارف كنت هتموت ع الجواز ازاي والفرح.
– طب وايه اللي حصل يعني؟ ما انا لسة برضو هموت ع الجواز والفرح.

يرافق كلماته الاخيرة ضحكة مكشوفة اكدت لأمين صدق ظنه، ليخاطبه بنصح:

– ماشي يا عصام انا مش هضيق عليك، بس عايزك تعرف كويس اوي، ان انا تحت امرك في اي وقت، سواء في الفرح او في الشدة ، انت اخويا الصغير ياض، وفرحتي بيك ولا فرحتي بابني اللي لسة مشوفتوش.

جذبه في الاَخيرة اليه ، ليعانقه عناقًا رجولي،  يربت بكفيه على ظهره، متمتمًا بالتهنئة:
– ربنا يتمم فرحتك على خير  يا حبيبي.

تقبل عناقه بامتنان حقيقي معبرا عنه:
– والله وانت كمان يا امين باشا، ربنا العالم باللي شايله في قلبي ناحيتك، انت اخويا الكبير فعلا حتى لو مش بالدم .

عاد يربت على ظهره، ثم بدأ يمازحه بجرأة كعادته وهو يحاول ان يجاريه، حتى اذا تركه وخرج.
سقط بثقله على كرسيه بإرهاق، عائدًا لجموده، وهذه الكلمات التي تدوي برأسه من وقت لقاءه بهذا الفاسد ابراهيم.

في وقت سابق،
وبعد أن استجاب لمطلبه، ليدخل به احدى غرف الامن ، وينفرد باللقاء معه:
(( – اتفضل يا زفت، قول عايزني في ايه؟ خلصني.
تمتم بكلماته ليجلس واضغًا قدما فوق الاخرى،  بصورة ازعجت ابراهيم الواقف امامه، والاصفاد بيده، ليزيد الحقد بقلبه، على من لفظته كخرقة بالية، والاَن تكافأ بهذا المتعجرف، الذي يبدو امامه كالوضيع :

لتبزغ ابتسامة قميئة على محياه قائلًا:
– وليه العصبية دي بس يا باشا؟ دا احنا حتى في صفة مشتركة بتربط ما بينا…… امنية.

انتفض عصام بجلسته بعد سماع اسمها ليعتدل هادرًا به:
– احترم نفسك يا زفت انت، واياك تنطق اسمها تاني على لسانك، واوعى تفتكر ان اللي عملته برا هعديهولك ، انا بس مسكت نفسي عشان اجيب اخرك، اخلص قول انت عايز ايه؟

ردد بفحيح الافاعي وابتسامة الحرباء :
– خلاص يا باشا، بلاش اقول اسمها…….. بس اشيل الذكريات الحلوة بقى من دماغي ازاي بقى؟ طعم الشفايف اللي تعبت من كتر ااا…….

توقف ينتشي برد فعل الاخر، والذي فاجأته الصدمة لتبرق عينيه بذهول فتابع يضع كفه على موضع القلب يردف بوقاحة ودناءة:

– ولا الشامة اللي هنا في الحتة دي، اكيد انت عرفتها ولا يمكن لسة موصلتلهاش، دي حتى جامدة اوي،  ساعة ما تمسك فيها ، تبقى ولا العيل الصغير بتشبط ومش عايز تسيبها……..

قطع في الاخيرة،  وقد انقض عليه كالأسد الجريح يكيل له بالضربات في كل ما تقع عليه يده:
– يا حيوان يا سافل يا منحط، انا هخلص عليك النهاردة.

ورغم قوة الضربات لم يكتفي ابراهيم،  فظل يواصل رغم الالم المبرح:
– يا باشا بقولك ذكريات،  انت زعلان ليه بس؟ اه ..
…… بكرة تعرف كلامي من نفسك…..  ولا اقولك اسألها وهي تجاوبك عن مغامرات المخزن…. بس بصراحة….. اااه،….. كنا بنعمل كل حاجة الا الاخيرة اللي انت عارفها دي….. عشان البقف اللي هيشيل بعدي…..

ختم بضحكاته الماجنة ترافق صرخاته التي دوت بقوة للخارج، حتى ارغمت رجال الامن لاقتحام الغرفة عليهم، ثم سحبه من بين يديه، مستندا على الاكتاف لا يستطيع الوفوف على قدميه، بعدما ابعدوه عنه بصعوبة وقد كان على وشك قتله،

يلهث كدب مفترس، بعد ان قيده الرجال بصعوبة،  للخروج بالاخر، يتجاهل الرد على التساؤلات والتفسيرات التي توجه له منهم ، عيناه لا تفارق هذا الفاسق، والذي لم يكف عن الابتسام له، بوجهه الذي اصبح خريطة تزينها البقع الزرقاء والحمراء والتورمات المنتشرة بها.

يصارع بكل قوته للإفلات منهم والفتك به، والرجال لا يكفون:
– بس لو تفهمنا يا باشا الواد ده عمل ايه واحنا نأدبهولك. ))

عاد من شروده بعروق منتفضة، وقبضة ابيضت مفاصلها، تناديه للعودة للاكتفاء بقتله، ولكن ان نفذ وفعل، اين موضعها هي من الاعراب،
هي من سلمت وتساهلت معه، هي من جعلت وضيع كهذا يحتفظ في سجل رأسه بذكريات سافرة عنها وعن جسدها…

كز على اسنانه يخرج زفيرا كغليل الحمم، يعدد الفرق الشاسع بخطبتها به، حتى وبرغم عقد القران، ابدا لم يحاول ان يفعل مثل باقي الرجال وينال منها ولو قبلة صغيرة،  كل ملامساته لم تتعدى مسك الايدي، وبعض الكلام الجريء في الاونة الاخيرة انما بحرص، وذلك لتهيء نفسها للقادم في عالمهم الجديد الذي يجمعهما.

لماذا يحدث هكذا معه؟ وهو الملتزم دوما، والذي لم يفعل ابدا مثل باقي الشباب الذين يتلاعبون بعقول الفتيات؟

دوي صوت الهاتف من جواره على سطح المكتب ، يتطلع لهذا اللقب الجديد الذي سجل به رقمها (( زوجتي ❤))
ليزفر انفاسًا مهتاجة، متجاهلا الرد عليها، ليعود لأفكاره القاتمة. يدمي شفته السفلى بالعض عليها من الغيظ.

❈-❈-❈

كانت مضجعة على اريكتها ، تتابع الحديث الشيق بين شقيقتها ونجوان التي كانت تضحك بملء فمها، على اقل مزحة تردف بها الصغيرة والتي لا تكف عن سرد ما يحدث معها في المدرسة ومغامراتها في صد الفتيات طويلات اللسان معها ، وكيف تفحمهم بردودها الحادة،  لتفرض شخصيتها القوية عليهم .

– سبحان من بيجمع القلوب صحيح.
عقبت بها بهجة ، يسعدها هذا الاندماج بين الغريبتين، وقد توافقت شخصياتهم رغم كل الفروق الشاسعة بينهم .

ليصدح هاتفها بنمرته، فردت برسميه كعادتها معه
– الوو….. افندم يا رياض باشا .
وصلها الرد بنبرته الرخيمة الهادئة:
– الوو يا بهجة عاملة ايه؟

ابتلعت ريقها ترد بكلمات منتقاة؛
– الحمد لله كويسة حضرتك، لو بتتصل عشان الست الوالدة،  فهي مبسوطة دلوقتي مع عائشة شوية كدة و…

قاطعها بقوله:
– انا مطمن عليها وهي معاكي يا بهجة.
صمتت لا تجد من الكلمات بما يسعفها بالرد عليه، ليردف هو :
– اتا كنت بسأل على صحتك، لسة برضو حاسة بالضعف ولا دايخة ؟
اومأت بارتباك تهز رأسها وكأنه واقف امامها، لتجيبه برقة لم تتصنعها:
– ما انا قولتلك كويسة يا فندم ، انا احسن بكتير دلوقتي،  دا غير ان اختي جنات قايمة بالواجب من ساعة ما رجعت من الكلية وعرفت، عصاير بقى واكل بتعمله بنفسها.

– كويس اوي يا بهجة… خلي بالك من نفسك.
كانت تلك كلماته الاخيرة قبل ان ينهي معها المكالمة يتركها بحالة من التشتت والارتباك تلفها، وتفسيرات تدحضها بعقلها برفض تام لها.

حتى شعرت بالدوار بالفعل، لتتمتم بحديث نفسها:
– انا مالي دوخت بجد ليه بقى؟ ما كنت قايلاله اني خفيت من شوية!

…يتبع

الفصل التاسع

بخطوات مسرعة رغم حرصها المعتاد، عبرت المساحة الفاصلة بين غرفتها والغرفة الأخرى ، لتطرق على بابها متجاهلة الحرج، او الخجل في ازعاج البشر وايقاظهم في هذا الوقت المبكر.

حتى اذا فتح باب الغرفة قوبلت بالسخرية والاندهاش على الفور :
– يا نهار ابيض، معقول ! انتي جاية من اوضتك لحد هنا برجليكي ومن غير توصيلة كمان؟ هو فين حسن؟ ازاي يسمح بالتسيب ده.

وقبل ان يفتر فاهها بالرد ظهرت من خلفه زوجته هي الأخرى تتضامن معه عليها ضاحكة:
– اه صحيح دي شهد، وعلى باب اوضتنا صح يا امين، اكيد حسن نايم وهي بتغفله كعادتها.

صاحت تسكتهم هما الاثنان بنزقها:
– دا مش وقت هزار الله يخليكم، انا جاياك في سؤال يا امين،  ارجوك تجاوب عليه لو تعرف.

لفتت بجديتها انتباههم، ليتخلى امين عن عبثه سائلا لها بتوجس:
– ايه الحكاية يا شهد  قلقتيني؟ تعالى ادخلي الاول مش هتفضلي واقفة ع الباب.
في الاخيرة هم ان يجذبها من قماش عبائتها للداخل ولكنها تشبثت بالأرض معبرة عن رفضها:

– دا مش وقت كلام ولا راحة، انا عايزاك بس تشوف صاحبك دا اللي غايب عن عروسته من امبارح،  وعماله تتصل بيه ما بيرودش، هي بس رسالة يتيمة،  رد بها على اخر العشية وقال انه مشغول جدا، بعدها قفل تليفونه وكأنه فص ملح وداب، لدرجة اهله نفسهم واخته اللي حضرت الحنة معانا امبارح كمان قلقت وبقت مش عارفة تبرر تصرف اخوها.

– اختفى! وليلة حنة العروسة كمان! ازاي يعني؟
تمتم بها عاقد الحاجبين بشدة، ليدلف على الفور داخل غرفته، متوجهًا نحو الهاتف:
– انا هشوف الواد دا راح فين يا شهد متقلقيش، اتصلي على أختك وطمنيها، عصام من اول ما اتعرفت عليه وهو راجل،  يعني لو في أي حاجة هيتكلم على طول،  مش هيقل بنفسه ولا يستندل في شيء مهم زي ده.

تبعته زوجته الى الداخل وقد اصابها القلق هي الأخرى،  وتوقفت شهد تلتقط انفاسها بتوتر يعصف بها، تتابع اتصاله في محاولات باءت بالفشل لعدم استجابة الاخر بالرد عليه، لينتقل شعور القلق داخله هو الاخر، فجاء رده الحاسم:
– انا نازل دلوقتي، ولو في سابع ارض هعرف اجيبه.
ردت باستجداء تخاطب نخوته:
– ياريت يا امين، دا البت ما قادرة تنام من امبارح، هتموت من القلق والخوف، دا عمره ما عملها ولا ردش على مكالمتها الا لو في الشديد القوي، اللي يمنعه.

اومأ يوافقها الرأي، فهو الاعلم بلهفة الاخر في الارتباط والزواج من شقيقتها، وعقله الاَن على وشك التوقف بحيرة اصابته، عن ماهية هذا التحول العجيب،  في ظرف هام كهذا.
– شهد واقفة مكانك بتعملي ايه؟
كانت هذه صيحة زوجها، بنبرة الجزع التي تعلمها، لتدافع مبررة على الفور :

انا كنت جاية في طلب مهم يا حسن وماشية اهو .
قالتها وكادت ان تميل بسيرها،  لولا ذراعيه التي لحقت عليها كي تسندها، فغمغم بتوبيخ:
– وتجيلو انتي بنفسك ليه؟ ما كنتي كلميني انا وانا اجره من قفاه لحد عندك، عايزة تتعبيني في اللف وراكي وبس يا شهد.

تجاهل امين الرد على مزحته، وتركه في الأخذ والرد مع زوجته، طوال طريق وصولهم لغرفتهم، اما هو فقد اغلق الباب سريعًا ليخلع عنه التيشرت البيتي الذي يرتديه،  باحثًا عن شيء يصلح للخروج في خزانة الملابس بعجالة اجبرت زوجته للتساؤل:

– طب انت هتخرج كدة من غير ما تحدد وجهتك، مدام بتقولك ان اهله مش عارفين مكانه،  يبقى كدة هتروح على فين تسأل عليه بقى؟

التف نحوها باستدراك متذكرًا تغيره بالأمس،  ليلتف عائدًا لهاتفه على الفور، يتصل بأحد ما :

– الوو يا صبري انا الظابط امين………… يا أهلا وسهلا بيك يا حبيبي، معلش انا كنت بتصل في استفسار سريع كدة…… تسلم يا حبيبي الله يخليك؟ شوف يا سيدي انا عارف طبعا ان انت كنت مرافق عصام في مشوار المحكمة امبارح ونقل المساجين و………. بتقول ايه؟……..

اعتدلت لينا من جسلتها تتابع رد فعل زوجها في تقلص ملامحه وهو يستمع الى الطرف الأخر عبر الهاتف، وسرده عما حدث دون انتظار السؤال:

– ازاي يعني اتخانق في المحكمة؟ ومع مين؟…….. السجين ابراهيم بتاع قضية الخطف .القديم…….

تمتم الاخيرة بملامح انقبضت تعابيرها بشدة،  وهذه المفاجأة بذكر اسم هذا البغيض،  تشعل برأسه ملايين التساؤلات،  عما قام بفعله، ليحدث هذا التغير بشخص هاديء كعصام.

❈-❈-❈

خرج من غرفة مكتبه ، بعد فترة طويلة من مراقبتهم من خلف الحائط الزجاجي، وحالة السكون تلك التي تميز بها والدته هذه الايام، رغم قلقه في بعض الاحيان ، فهي ليست مضمونة على الإطلاق،  ولكنه لا ينكر ارتياحه باندماجها مع هذه الجميلة، كزهور الحديقة من حولها، تشيع بهجة بالمكان رغم حزنها، مشرقة مثلهم، وصافية بصفاء السماء فوقها، وخضار العيون الساحرة يمتزج مع لون الخضرة بجوارها، بامتزاج يثير الدهشة.

– صباح الخير.
القى التحية بصوته الرخيم مفاجئًا لهم، ف انتفضت والدته برد فعل اعتاد عليه، ولكن اثار غيظه:

– في ايه بقى يا ماما، مش عفريت انا واقف قصادك يعني عشان تتخضي كل مرة كدة .

لطفت بهجة على الفور بعد ترديدها التحية وكأنها تولت مهمة الدفاع عنها:
– معلش يا رياض باشا،  بس هي كدة مع الكل، شكل نجمها خفيف زي ما بنقول عندنا في الحارات الشعبية.

حدق بيدها التي كانت تضعها على ذراع والدته كدعم لها، وكأنها تبثها الاطمئنان بلفتة بسيطة جعلته يعلق بابتسامة:
– ماشي يا بهجة نديها عذرها، طب ممكن تسمحولي اشاركم الجلسة على الترابيزة ولا اشرب من العصير اللي بتشربوه؟
– يا نهار ابيض يا فندم، اتفضل حضرتك.

تفوهت تنهض عن مقعدها بفعل اثار استيائه:
–  انا بقول اشاركم يا بهجة، مش تقومي واقعد مكانك.

اكتنفها الحرج لتعود لجلستها تتمتم بالاسف بكلمات غير مترابطة من فرط ارتباكها، وجلس هو مقابلا لها، بقرب اثار الخجل بها،  رغم المسافة الفاصلة بينهم بالطاولة، لديه هالة وهيبة تثير بقلبها الرهبة فتفقدها التوازن، على الاقل داخلها :

– ما قولتليش بقى، عن سر تعلق ماما بعائشة الصغيرة.

على اثر سماع الاسم انتفضت نجوان بانتباه، جعله يعلق بمرح:
– يااه للدرجادي عائشة معلقة معاكي؟

تبسمت تجيبه بسجيتها:
– يمكن عشان بترغي معاها، اصل انا اختي ما تتوصاش ابدا في الحتة دي، تجيب الشرق ع الغرب وما بتملش، انا وجنات وايهاب بنتعب منها ونسيبها، أما بقى نجوان هانم بحسها تنبسط من رغيها مش عارفة ازاي؟

ختمت باتساع ابتسامتها التي زادتها جمالا ليحدق بها برهة من الوقت جعلتها تعود لخجلها ، حتى استدرك هو ليتحمحم من حالته تلك ، ليقول بجدية:

– على فكرة انا كلمت دادة نبوية من شوية طمنتني المرة دي عليها وبشرتني انها هتعود قريب لمزاولة شغلها .

– بجد ، يعني انا هرجع لشغل المصنع من تاني؟
قالتها بلهفة بقدر ما ادهشته، بقدر ما اثارت استياءه من الداخل ليشاكسها بلؤم:
– زهقناكي وتعبناكي اوي معانا يا بهجة صح؟

افتر فاهها واغلقته عدة مرات وقد غمرها الحرج كطفلة صغيرة تعجز عن الرد للحظات حتى تمكنت بتلعثم:

– لا والله يا فندم….. ااا مش حكاية اني زهقت ولا تعبت، انا بس اشتقت لشغلي ولصحبة البنات الغلابة اللي زيي والريسة صباح.

لطف يخفف عنها رغم استمتاعه بهذا الوهج الذي طغى على بشرتها الشفافه حتى اصبحت كتلة ملتهبة امامه، ثم برائتها التي تكاد ان تطيح بعقله.

– انا فاهم يا بهجة مفيش داعي تبرري، مهمها كان المميزات هنا لكن انتي برضو محتاجة تخففي عنك المسؤولية.

قال الاخيرة بنظرة جانبية نحو والدته التي تتابع وكأنها تفهم ما يدور بعقله، رغم ان الظاهر غير ذلك .

تحمحم يستفيق من حالته، لينهض فجأة عن الجلسة الممتعة متذكرًا ما ينتظره من اعمال:
– انا هقوم اشوف الشغل اللي ورايا، رغم ان القعدة هنا ما يتشبعش منها، محتاجة حاجة يا بهجة قبل ما اخرج؟

– انا يا فندم؟ لا طبعآ.
نفت بها وعلى الفور حتى تسبب في ضحكة عابثة على شفتيه ليعود موضحًا:
– انا بسأل يعني عن الست الوالدة يا بهجة ، ولا دي كمان مش محتاجة؟

تبسمت باضطراب لتتذكر ما ينقصها من دواء:
– اه صحيح حضرتك انا كنت عايزة اقولك عن العلاج المستورد ، هو قرب يخلص والاحسن يعني نجيب غيره قبل ما ينقص مننا، بس انا دلوقتي مش فاكرة اسمه، اصله تقيل اوي،  اروح بسرعة اجيبهولك.

اشار لها بالجلوس:
– مفيش داعي، خليكي مكانك،  لما تدخلي جوا ابعتي الاسم، او صوريه في رسالة.

– ابعتلك رسالة فين يا فندم؟
اجاب عن سؤالها بابتسامة مستترة:
– عم طريق الواتس يا بهجة، ولا عايزة تقولي ان معندكيش واتس؟

ردت بعفويتها المعتادة:
– لا طبعا عندي يا فندم.
ابتسامة مشاغبة سيطر عليها بصعوبة قائلاً قبل ان يغادر:
– كويس اوي، متنسيش بقى.
حينما غادر ظلت لبرهة من الوقت تتطلع في ظهره، حتى اذا انتهت تنفض رأسها من العبث الذي اصبح ينخر بها، عادت لنجوان ، وجدتها تحدق بها بنظرات لم تفهمها على الإطلاق،  ولا تجد لها تفسيرا.

❈-❈-❈

بفاه منفرج،  ظلت لمدة من الوقت تستوعب ما قد وصلها من اخبار عبر الهاتف، من إحدى الطبيبات التي تعمل بالمشفى التخصصي المشهور، وتملك العائلة جزء كبير من اسهمها،

عن زيارات رياض الشبه اليومية لها منذ قرابة الاسبوع،  ورعاية شاملة لهذا الفتى شقيق الملعونة التي اصبحت كطيف شبح لها هذه الايام يطاردها في الصحو والمنام،
لا تصدق تلك المبالغ الكبيرة في علاج هذا الفتى ، سوف يتم اختصامها من نصيبه السنوي.

كيف يفعل شيء كهذا لمجرد عاملة بمنزله، تعلم عنه الكرم خصوصا مع العاملين على خدمة والدته، كمثال نبوية التي تحظى بكل الاهتمام لاجل مكانتها عبر السنين.

انما هذه ، اي مكانة قد صنعتها في هذا الوقت القصير، يبدو أنها قد استهونت بأمر هذه الفتاة:

– يا ترى قدمتي ايه تخليه،  يتكفل بالمبلغ الضخم دا عنك،  يا بهجة الزفت.

كان هذا هو السؤال الذي دوى داخلها، حتى تفوه بها لسانها :
– مبقاش انا لورا ان ما لقيتلك صرفة.

❈-❈-❈

وصل الى منزل عائلته، ليضغط على الجرس بحرج، لا يعلم من اين سيدخل اليهم بتساؤله؟ بعدما سأل معظم الاصدقاء والمعارف التي يعرفها، في السؤال عنه، وعما ان كان قد قضى السهرة معهم، وحين مل من عدم الوصول إلى نتيجة،  قادته قدماه الى هنا، ربما وجد ما يدله عليه منهم.

فتحت شقيقته لتتلقاه بابتسامتها العذبة؛
– اهلا حضرة الظابط امين، مشرفنا ومنورنا.

لحق يبرر عن سبب مجيئه في الوقت الباكر من اليوم:
– صباح الخير ، معلش لو جيت في وقت غير مناسب،  بس انا كنت جاي اسأل على عصام.

– الله، وهو حضرتك غريب يعني؟ دا انت تيجي في اي وقت، ع العموم هو نايم في اوضته حاليًا، اتفضل ادخل وصحيه الكسلان ده، يشوف اللي وراه، دا اليوم طويل اوي النهاردة.

قالتها تنزاح بجسدها من امامه، ليعبر خلفها الى داخل المنزل، تغمره الدهشة، فإن كان الامر طبيعيا الى هذا الحد، فما سبب الغياب عن عروسه وعدم السؤال.

بعد لحظات قليلة،
كان عنده بداخل الغرفة، يتطلع الى نومه الهاديء بسكينة، مناقضة تماما لحالة القلق البالغ والتوتر التي اصابت اهل العروس.

– انت يا باشا، انت يا زفت انت ياللي نايم وسايب الدنيا تتطربق برا.
استيقظ عصام يفتح اجفانه للضوء، فيقابل وجه رئيسه فوق رأسه متابعًا بإصرار:

– اصحى ياض انت واتعدل، خليني اتكلم معاك انا مش فاضيلك .
قطب عصام يستجيب له، ليعتدل بجسده متمتمًا، بابتسامة متكاسلة:
– سيادة الباشا امين بذات نفسه، في اوضة نومي وبيصحيني كمان، دا ايه النهار النادي ده؟

عبس موبخًا له:
– يا برودك يا اخي، مأنتخ وصاحي ناموسيتك كحلي ، والبت واهلها مفكرين انك هربت وطفشت يوم فرحكم.

قطب يدعي عدم الفهم :
– بنت مين؟ قصدك امنية؟ وايه اللي هيخليني اطفش واسيب فرحي عليها المجنونة دي؟ هو انا غاوي مصاريف تترمي ع الارض ولا ناس تشنع علينا بكلام مش لطيف.

انفعل امين مرددًا بغيظ:
– ولما هو كدة يا ظريف، طفشان من امبارح ليه ، واختك يسألوها تقول معرفش مكانه، انتو متفقين مع بعض توقعوا قلب البت واهلها.

– لا لا لا حرام عليك متظلمش عبير اختي، هي فعلا قالت الحقيقة، لان انا بالفعل كنت غايب عن البيت ومرجعتش الا وش الفجر، يعني اكيد ملحقتش تطمنهم، ع العموم احنا لسة فيها ، اطمنهم انا بنفسي.

قالها ثم توقف يتناول هاتفه من فوق الكمود المجاور له ، ليهاتف الأخرى امامه:

– الوو يا امنية صباح الفل يا قلبي……..  يا بنتي وليه القلق بس وتكبري الموضوع؟ انا قايلك من امبارح اني مشغول…

التقت عينيه بخاصتي رفيقه، والذي كان يرمقه مضيقًا عينيه بريبة وهو يواصل التبرير مع خطيبته:

– لا يا قلبي متقلقيش، النهاردة ليلة عمرنا، روحي ارتاحي واشبعي نوم قبل ما تدخلي في دوشة التجهيزات والعك اللي مستنيكي في اللبس والمكياج……. انا هقفل معاكي كمان عشان انتبه للي ورايا، دا حتى امين باشا مشرف منزلي المتواضع….. يلا سلام بقى.

انهى المكالمة،  ليلتف اليه بتنهيدة مقللاً:
– اهو يا باشا زي ما شوفت بنفسك، الوضع عادي جدا،  ومفيش اي حاجة وحشة لا سمح الله.

– يا شيخ.
تمتم بها امين، بشك اصبح يرواده بقوة، ليتناول المقعد الوحيد يقربه من التخت،  ثم جلس مقابلا له، يبدأ حديثه الجاد:

– عصام، انا عرفت بخناقتك امبارح في المحكمة، لما ضربت الزفت اللي اسمه ابراهيم وكان هيموت في ايدك ، لولا رجالتنا اللي حاشوه عنك، دي مش طبيعتك ولا شخصيتك ابدا، كون انك تضربه بالشكل ده، وانت عارف بالصلة اللي كانت بتجمعه بخطيبتك، وبعدها تغطس وتختفى عن فرحك، دا ملهوش غير معنى واحد عندي، هو ان الولد ده قالك او استفزك بشيء انت مقدرتش تتحمله، واكيد الكلام…. كان عنها.

كان صريحًا في مواجهته ، غير آبهًا بشيء سوى ان يفتح قلبه اليه، ولكن الاخر لم يكن بطاقة لتحمل حتى ذكر اسمها في موضوع خاص كهذا،  تأبى رجولته ان يناقشه مع احد ما ، مهما كانت صفة قربه له.
فجاء الرد وكأنه كان مستعدا له:

– اي كلام ده اللي هيقدر يهلفط بيه الولد ده؟ وانا اصلا هسمحله يجيب سيرتها على لسانه من الأساس، كبر دماغك يا باشا، هو اخره كان محروق مني عشان خطيبته سابته وهتتجوزني انا بداله، زود في الهرتلة، انا مستحملتش،  قومت مديله الطريحة ، عشان يحترم الفرق اللي ما بينه وما بينى ، وميكررهاش.

اما عن امين ، فلم يكن غبيا على الاطلاق، ليبتلع القصة رغم حبكتها، ولكنه فضل السكوت ومجاراته ليقينه الاكيد باستحالة افصاح الاخير عن الحقيقة،  ولكن لا بأس .

لينهض زافرا بقنوط:
– ماشي يا سيدي براحتك، ع العموم انا في اي وقت تحت امرك وقت ما تحب تتكلم، قلبي مفتوحلك، وبرضو مش هسألك اختفيت فين الوقت دا كله؟ دلوقتي بقى خلينا في ليلة النهاردة، فاضلك اي حاجة لسة مخلصتهاش؟

نهض عن تخته بحيوية،  ليسترسل عن اخبار القاعة والمدعوين، وما تم تجهزيه وتحضيره لهذه الليلة.

❈-❈-❈
وفي هذه الاثناء،
هرولت هي من غرفتها، نحو الجالسين بوسط الصالة بحالة من البؤس تكتنفهم نتيجة ما يحدث:

– اتصل يا ماما اتصل، اتصل يا رؤى، حتى عبير اخته كمان اتصلت وراه على طول تتأسفلي عشان لما رجع متأخر راحت نامت وملحقتش تتصل وتطمني عليه.

تهلل وجه رؤى على عكس والدتها التي استنكرت بضيق :
– ومالك يا اختي فرحانة اوي كدة ليه؟ بقى بعد ما اتغمينا ليلة بحالها بسبب تناحة المحروس وتناحة اهله،  لسة ليكي نفس تفرحي وتنسي عملته!

تجلت الصدمة على وجه امنيه بوضوح والتي توقعت مؤازرة او تخفيف عنها، في وقت عصيب كهذا من اقرب الناس اليها، والدتها، فجاء الدعم من شقيقتها الصغرى العاقلة:
– ولا يهمك يا امنية، اعتبريها ليله وعدت، بصراحة احنا كان لازم يصيبنا النكد،  بعد اللي عملتوه في ليلة الحنا امبارح ورقصك الاوفر ع الفاضي وع المليان مع البنات،  ودول معظهم كانو مبيننها اوي بطريقة كلامهم وقرهم عليكي انك هتتجوزي ظابط.، إن كل ذي نعمة محسود يا اختي .

عبرت امنية عن اقتناعها ببعض الندم:

– صدقتي، بس انا كنت فرحانة اوي يا رؤى، ولحد دلوقتي مش قادرة اصدق جماله ولا رقته معايا، دا بيعاملني كأني ملكة، مش المصدي اللي كان شايف نفسه ياما هنا ياما هناك،  ودائما محسسني اني اقل منه.

قالت الأخيرة بقصد واضح نحو والدتها،  ودفاعها المستمر عن هذا الاخرق ابراهيم،  والتي مصمصت بشفتيها تصدر صوتا يجتاحه الغيظ :

– ايوة يا ختي شوفي نفسك علينا من دلوقتي،  طبعا ، هو انت  حد هيملى عينك بعد كدة.

– يا ساتر يارب.
غمغمت بها رؤى، وقد استهجنت جهل والدتها وغبائها في التعبير حتى يخونها الرد مع ابنتها،  لتنهض ملطفة:

-طب مدام اطمنتي ، يبقى روحي نامي بقى الساعتين الفاضلين دول،  عشان تريحي بشرتك وتروقي للجاي .

رحبت امنية بابتسامة ملء فمها:
– هو كمان قالي كدة، عشان ابقى مصحصحة واروق له، عن اذنكم .

– ايوة بقى .
عقبت بها رؤى بابتسامة شقية، تغازل شقيقتها التي غادرت بعد ذلك بارتياح ، لتنام قريرة العين بعد ليلة طويلة من السهد والسهر،
وتتناول هي هاتفها تتصل على شقيقتها الكبرى شهد كي تطمئنها، بعدما شغلتها معهن رغم تعبها .

❈-❈-❈

جاء المساء
واجتمع الاحباب والأهل والاقارب في القاعة التي امتلأت عن اخرها بالمدعوين، العروسين في منصة العرس يستقبلان التهاني والمباركات والتقاط الصور بكل ترحاب،

العروس كانت جميلة وفاجئت الجميع بطلتها، وعريسها المغوار يتبادل المزاح مع اصدقائه وضحكاته خير دليل عن مدى سعادته،
لقد أجاد دوره بالفعل،  اما هي ففرحتها كانت بسعة الكون، ترقص بين صديقاتها وشقيقاتها وصيفات لها، رؤى وفريال المتغربة دائما، حضرت اليوم من سفرها من اجل هذا الحدث الهام، تجبر والدتها على الاندماج معهم، رغم أدعائها الرزانة طوال الوقت.

اما شهد فقد كانت مقيدة بجوار زوجها الذي لم يكف عن تحذيراته.
– خفي هز بوسطك يا شهد وانتي قاعدة، الحركة غلط عليكي، كفاية بقى .
خرجت زفرتها برد له قبل ان تتجه باعتراضها نحو مجيدة :
– شايفة يا طنط، طب بذمتك انا بهز،  انا بهز ، حتى السقفة كمان بقى اسمها هز وانا قاعدة!

تضامنت مجيدة معها كالعادة رغم تحفظها:
– طبعا يا حبيبتي معاكي حق هو مزودها، بس انتي بردو خدي بالك، لانك من فرحتك بتهزي من غير ما تحسي.

تطلعت لها بصدمة لتنقل بتساؤل نحو صديقتها لينا والتي ضحكت توافق حماتها الرأي:
– بصراحة اه يا شهد، ودنك ماشية مع الأغنية وبتعبري بانسجام يجنن يا قلبي، انا بجد مش عارفة بتعمليها ازاي؟

أتى قول زوجها بتحكم كالعادة:
–  اول مرة يقولو كلمة حق، اسمعي الكلام بقى وانتي ساكتة.

بالطبع لم تصمت له، وصارت تجادله في الأخذ والرد ، امام متابعة جيدة من مجيدة التي كانت تتدخل بتسلية حين يلزم الامر ، وتعليقات ساخرة من لينا، والتي انتبهت في الاخير على شرود زوجها وعدم مشاركتهم هذه اللحظات الجميلة:

– ايه مالك يا عمنا انت كمان؟ معقول يا امين قاعد جنبنا سرحان، وصاحبك العريس خاربها في الرقص مع اصحابه هناك؟

زفر صامتًا دون ان يجيبها، فكيف يخبرها، ان ما يقلقه بالفعل، هي حالة صديقه تلك؟ الفرح المبالغ فيه يجعله يزداد شكا به بالفعل، هذا احساسه.

❈-❈-❈

وفي محبسه،
تأؤه بألم مبرح اثناء تقلبه للجهة الاخرى في نومته ، ليصدر اصواتًا:
– اااه، اااه ياني اااه.
عقب زميله والذي كان جالسًا بجواره يلوك الطعام بفمه:
– ايه بس مالك يا غضنفر؟ لسة برضو عضمك مدشدش بعد العلقة بتاعة امبارح؟ دا شكل الظابط الغشيم ده ايده تقيلة اوي.

ضحك بتقطع وحشرجة يجيبه:
– اااه والله يا ابو الزمل هو فعلا ايده تقيلة،  تقيلة اوي، بس انا عاذره، حكم اللي سمعه محدش يستحمله.

ختم بضحكة قميئة اثارت فضول الاخر :
– عاذره في ايه بقى؟ وليه يعني محدش يستحمله؟

اعتدل بضحكاته يتحامل على الالم، ثم تناول علبة السجائر يتناول منها واحدة ، يشعلها بالقداحة لينفث في الهواء الدخان الكثيف حوله ، قبل ان يلتف لزميله قائلا بانتشاء:

– ضربتله كرسي في الكلوب، يعني جيت كدة يا معلم وقطعت عليه في اجمل حتة هو مستنيها .

عقد الرجل حاجبيه معبرا عن استيائه:
– انت هتكلمني بالالغاز يا عمنا ، ما تجيب من الاَخر، وقول انت نكشته بإيه خليته يديك الطريحة الجامدة دي .

– ما يخصكش.
قالها ثم نفث كتلة من الدخان بوجه الرجل جعله يتأفف ويسعل،  متمتمًا بالسباب الذي لم يأبه به ابراهيم، ليحدث نفسه:

– ياما نفسي اشوف وشك دلوقتي يا امنيه  اكيد الباشا بتاعك هيفسخ خطوبتك ولا هيرضى يكمل الجوازة، عشان اخرج الاقيكي مكسورة يا كلبة وغصب عنك ترجعي تحت رجلي من تاني، ما انا مش هحلك من دماغي خلاص،  هتبقي انتي شغلانتي……

افتر فاهه بابتسامة شاردًا،  حتى جعل الجالس من جواره، يغمغم بلطم كفيه ببعضهما:
– لا حول ولا قوة الا بالله، دا باينه مجنون دا ولا ايه؟

❈-❈-❈

بداخل الشرفة التي وقف ينتظر بها منذ لحظات ، ينفث دخان سيجارته سريعًا في الهواء الطلق، قبل ان يصله رائحة عطر اللافندر عن قرب ، ليلتف برأسه الى الداخل فوجدها خرجت من المرحاض،  تطلق شعرها وتعيد ترتيبه امام المراَة بعدما ارتدت منامة العروس الكاشفة اكثر مما غطت ، وفوقها المئزر الشفاف بصورة جعلت عيناه تجحظ من محجريها، ليستدرك على الفور ، فيلج الى الداخل يغلق الستائر سريعًا،  ثم يقف محله يتأملها جيدًا،  بنظرات تمشطها من منبت الشعر المتموج بقصة اظهرت جمالها المخبأ خلف مظهر المقاول الذي تتخذه في عملها،
لتنزل عيناه نحو الخف الصغير في القدم التي رسمت بالحناء، تلك التي اتبع خطوطها ليعلو رويدا رويدا، حتى انتفض يقترب منها على الفور ويضمها اليه بصورة اجفلتها، فتبسمت بخجل واضطراب:

– ايييه يا عم خضتني، على طول كدة من غير كلام ولا سلام .
– يا ستي سلامتك من الخضة.
تمتم بها وعيناه تلتهم تفاصيلها بشغف، بداية من  بشرتها الناعمة كالحرير، ثم جيدها حتى ما تكشفه المنامة لتتوقف على هذه النقطة التي عرفها جيدًا، لتتركز عينيه عليها بصورة اخجلتها حتى همت ان تعترض بدلال الانثى، ولكنه فاجئها حينما ارتفعت رأسه  يقابل خاصتيها قائلًا بوجه خالي من التعابير:

– دي هي فعلا الشامة، وفي نفس المكان اللي شاور عليه، حتة مغرية اوي .
تعقد حاجبيها متمتمة بتساؤل وعدم فهم :
– هو مين اللي شاور عليها؟

ابتسامة جانبية غير مفهومة حلت بزاوية فمه، يخبرها بما اوقف شعر رأسها من الرعب:
– ابراهيم، اصله هو اللي اداني فكرة عنها، وجعلني اشتاق اوي عشان اشوفها……

ابراهيم! هل ما سمعته صحيحًا؟
برقت عيناها بفزع جمد الدماء بعروقها، حتى ارتخت قدميها من وقع الصدمة، فاهتزت بوقفتها، ولكنه كان الاسبق ليزيد من ضمها بذراعيه اللاتي تطوقها ككلابتين، مرددًا بسخرية وهدوء يثير الدهشة:

– لا اجمدي كدة امال، دا احنا ليلتنا طويلة وانا عايزك مفوقة، شكل السهرة هتبقى صباحي.

ابتلعت بصعوبة ريقها الذي جف من الخوف،  كي تجسر نفسها على السؤال:
– هو قالك ايه الزفت ده؟ وانت شوفته فين؟ اكيد افترى عليا والف من دماغه.

– بجد !
صدرت منه، ثم تجهمت ملامحه بشر، وكأنه انسان اخر غير الذي تعرفه، يصعقها بكلماته:
– ولما هو بيألف من دماغه، عرف مكان الشامة دي ازاي؟ رعشة جسمك بين ايديا دي اسميها ايه؟ وشك اللي اصفر حالا دا معناه ايه؟

صدرت الاخيرة بصيحة، يرجها بعنف، وكأنه فقد القدرة على التماسك، لتهطل دمعاتها، وصوت بح من فرط ما تشعر به:

– كان خطيبي وابن خالتي يا عصام، اكيد عايز يخرب ما بينا بعد اللي حصله.

عاد برجها يحاصرها بتحقيقه:
– انا اللي عايز اعرفه تم ولا ما تمش الكلام اللي قال عليه، مغامراتكم في المخزن القديم كانت بتوصل لإيه؟

ارتفعت كفه ليطبق على وجنتيها يعصرهم بقبضته:
– الشفايف دي اللي حقي انا دلوقتي، سبقني هو ليهم صح ولا بيألف؟ ولا الشامة…

شاور بعيناه عليها في الأسفل:
– مش دي برضو من المحرمات ويستحيل حد يوصلها غير جوزك؟ وصل لإيه تاني يا أمنية؟

– اكتر من كدة مفيش والله.
سقطت من بين يديه وقد خارت قواها، لتردد بانهيار، متشبثة بكف يده، وكأنها غير قادرة على مواجهته:

– انا كنت صغيرة يا عصام، ومش شايفة حد غيره، عقلي كان ملغي من زنه على دماغي، وكنت فاكرة ان هو نصيبي، عارفة اني غلطت،  بس والله والله والله عمره ماوصل لأكتر من كدة،

حينما ظل على جموده، رفعت رأسها اليه:
– انا مفهمتش ولا عرفت يعني ايه كرامة الست ، غير وانا معاك، كفرت عن خطأي كتيرر وربنا العالم ، لو انا وحشة مكانش رزقني بيك يا عصام، انت العوض.

بأنفاس متهدجة تطلع لها من علو، يردد معقبًا لها:
– وعوض ربنا ليا انا فين؟ طول عمري حايش نفسي عن اي خطيئة، حرمت عليا اي لمسة من اي ست، حايش كل حاجة لحلالي، واحدة تصون نفسها زي ما انا عملت.

قسوة الكلمات كانت أكبر من تحملها، وقد علمت بحجم تقزمها امامها،  لتتحامل على قدميها وتنهض بقوة واهية،  تبتلع غصتها وقد يأست من ان يصفح عنها ، قائلة بشجاعة زائفة:

– على العموم انا طلعت كل اللي في قلبي، وانت حر في اي قرار تاخده، عن اذنك .

قالتها وتحركت خطوتين، قبل ان تقف مجبرة على صيحته من خلفها:
– رايحة فين؟
– هنام في اي اوضة في الشقة
كان هذا ردها، قبل ان يباغتها برده:
– لا والله، كدة بسهولة.

لم تستوعب معنى جملته، الا حينما وجدته يجذبها اليه فجأة بطاقة الغضب التي تحركه:

– طب يرضيكي يتحرم عليا اللي كان حلال لغيري من غير كتب كتاب حتى.
وما كاد ان ينهيها، حتى فاجأها برفعها عن الارض ثم سقط بها على التخت،  مردفًا بالقاسمة:

– وبالمرة عشان اتأكد من صحة كلامك، واعرف هو فضلي ايه من حقي.
اغمضت عينيها بألم، تستسلم لقبلاته القاسية، وعنفه في تجريدها من كل ما يكن حاجزا بينها وبينه، مرت اللحظات بينهم كالمد والجزر، بعنفه المبالغ فيه مرة ، وحنانه المستتر مرات، حينما تغلبه عاطفته،

هو كالأسد الجريح وهي لابد لها من التغاضي والصبر حتى يصفح عنها، ترى هل يأتي ذلك اليوم؟

❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي

خرجت من المشفى في زيارة مبكرة الى شقيقها ، قبل الذهاب الى عملها ومجالسة نجوان، براحة تكتنفها وقد طمأنها الأطباء بقرب خروجه،  بعد تحسن حالته بصورة جيدة عن السابق .

عبرت الى الجهة الاخرى من الطريق بقصد البحث عن وسيلة عامة تقلها، لتقع عينيها على تلك السيارة التي تعرفها جيدا تقترب منها حتى بطئت السير بجوراها، لتخرج رأس قائدتها من النافذة مخاطبة لها:

– اقفي يا بهجة وتعالي اوصلك معايا .

اشارت بسبابتها نحوها بدهشة جعلتها تعتقد أن الدعوة ليست موجهة اليها :
– انتي بتكلميني انا يا أنسة لورا؟

– امال بكلم خيالي يعني؟ ولا انتي في حد غيرك في الشارع اعرفه أصلا.
صاحت بها بحزم توقف سيارتها، لتعيد عليها الامر بحزم:
– اخلصي ياللا يا بهجة خليني اوصلك عند طنط نجوان، تلاقيها بتسأل عنك دلوقتي.

ارتابت بهجة من اصرارها، حتى ذهب بها الظن ان الأمر تكليف من رئيسها بنفسه،  وقد تكون والدته مريضة او شيء ما، لذلك لم تجد بدا من الانضمام مع هذه المتعجرفة بداخل سيارتها، لتقود بها نحو وجهتها ، وبعد لحظات من الصمت ، خرج قول لورا لها:

– انتي كنتي خارجة من عند اخوكي اللي مازال محجوز في المستشفي صح .
اومأت لها بموافقة:
– صح ، قولت اطمن عليه قبل ما اروح شغلي.
– امممم الف سلامة عليه، طيب هو عامل ايه دلوقتي؟

قطبت بهجة قليلًا لصيغة السؤال المختلفة، لكن سرعان ما اجابتها بطيبة:
–  الله يسلمك يارب،  هو الحمد لله دلوقتي اتحسن كتير عن الاول وربنا سترها، اصل دوره كان  صعب اوي.

– طب كويس، بس المستشفى دي استثماري وغالية اوي، تعرفي انتي كدة؟
تمتمت بلؤم لم تنتبه عليه بهجة، فخرجت اجابتها بسجيتها كالعاده:
– اه فعلا غالية حسب ما سمعت،  بس رياض باشا، الله يباركله هو اللي اتكفل بيها، عشان تبع عيلته زي ما قال،  بصراحة جميله فوق راسي .
تبسمت بسخرية تلتف اليها مرددة:
– جميل ايه ده اللي راسك هتتحمله يا بهجة؟ انتي عارفة الفاتورة لحد دلوقتي كام؟ دي معدية المية الالف جنيه، تخيلي؟
– اييييه؟

صدرت من بهجة بخضة، برقت لها عينيها وانسحبت لها  الدماء من وجهها، لتردف بعدم استيعاب:
– ازاي يعني؟ مش معقول طبعا.، اكيد المبلغ مش بالصورة دي .

– لأ يا حبيبتي هو بالصورة دي بس انتي مش عايزة تصدقي.
ذهول اصاب بهجة مع انتباهها لهذه النبرة الغريبة منها، لتزيد عليها بإيقاف السيارة بغته حتى اهتز جسديهما بعنف ، قبل ان تلتف اليها ، كاشفة وجهها الحقيقي.

– انا النهاردة  اطلعت على الفاتورة بنفسي،  وبصراحة استغربت اوي ان واحد زي رياض يدفع المبلغ الضخم ده في علاج حيالله اخو واحدة بتشتغل عنده. وكمان من فترة قريبة اوي،  مش مكملة شهرين حتى.

رغم قساوة الظن والسؤال الموجه لها بنية غير سوية ، الا ان بهجة لم يكن لديها خيارا سوا الدفاع والتبرير:

– وفيها ايه حضرتك؟ انا اعرف ان رياض باشا كريم مع الكل ، خصوصا اللي بيراعوا والدته،  بدليل اللي بيعمله مع دادة نبوية.

– وانتي تيجي ايه في نبوية؟
صاحت بها لورا بقوة اجفلت بهجة، لتستطرد:
–  نبوية دي تقريبا هي اللي ربت رياض، دي نشأت هي واختها في نفس البيت اللي اتولدت فيه نجوان وطنط بهيرة، يعني معروفة عندهم من زمان، زيدي عليها بقى رعاية والدته الخاصة لها من تمن سنين، انتي بقى، تاريخك ايه عنده؟

ما اصعبه من سؤال، حينما يأتي من امرأة بسواد قلبها،  التوجيه به نحوها بحد ذاته اتهام:

– حضرتك عايزة توصلي لإيه يا لورا هانم؟  وانتي مركرباني من الاول معاكي في العربية ليه من اساسه؟

تبسمت بشر وقد وصلت بها الى المرحلة التي تريدها؛

– متزعليش مني يا بهجة، بس انا عايزة اسألك رياض بيعمل معاكي كدة ليه؟ ايه المقابل؟

لقد وضحت الرؤية وقد اخبرتها صراحة بما يدور برأسها من عفن، لتهدر بها بأنفاس لاهثة:
– مقابل ايه؟ انا مسمحلكيش تشككي فيا وفي اخلاقي .

سمعت منها تمط شفتيها بعدم  اكتراث:
– اي حد مكاني يا بهجة هيسأل السؤال ده، ودماغه تلف……

بأعين احتبست فيها دمعة على وشك الهطول:
– بس رياض باشا انسان محترم، وانا كمان مقبلش حد يجيب في سيرتي بكلمة واحدة، الراجل عمل معايا كدة بدافع انساني، هو دا مش مبرر كافي.

– لا مش كافي يا بهجة، ولازم تعرفي ان كل حاجة ليها مقابل، دي معروفة في كل حتة، ولو معشمة نفسك في حاجة اكتر من العطف عليكي،  تبقي بتضري نفسك بالحلم .

تبًا لها من ملعونة، متحجرة القلب، تحرم عليها حتى الحلم ، هي تعلم بقدر نفسها، ولا تطمع ولن يحدث ان تفكر بشيء كهذا ، ولكن ان تجد من يقلل منك بوجهك لهذه الصورة والتلويح بالظن السوء هذا اكبر من قدرتها على التحمل.

– والله انا عارفة نفسي كويس، مش محتاجة انك تفكريني، ولا هقبل انك تتهميني بشيء مهين زي ده،  عن اذنك.

قالتها وشرعت بأن تدفع باب السيارة وتخرج، ولكن اوقفها تحذير هذه المتعجرفة:
– الكلام دا لو وصل لرياض يا بهجة،  ساعتها هتأكد ان انتي……

برقت لها بخضرواتيها، تمنع نفسها بصعوبة عن الفتك بها، فتترجل سريعًا قبل ان تسمع لشيطان رأسها وتغرز انيابها الحادة ببشرتها التي تتفاخر بها، او نتف شعرها حتى تستكفي وتهدأ نيرانها منها.

وفي رد أخير منها، صفقت الباب بقوة، فور ان حطت قدميها في الخارج، لتجر اقدامها سريعًا تبحث عن وسيلة تقلها الى محل عملها، ولكن قهر قلبها جعلها تتوقف في اقرب مكان منزوي خلف احدى البنايات لتذرف دمعات ابت الاحتجاز والكبت.

❈-❈-❈

حينما وصلت الى منزله، لم تطيق الانتظار على رؤيته بالصدفة او حينما يريد هو كمان عودها، بل تحركت تعرف وجهتها ، متجاهلة طريقها الاساسي نحو غرفة نجوان،

لتطرق عليه باب غرفة المكتب،  والتي يعمل بها في ذلك الوقت قبل الذهاب الى مصنعه، لتدفع الباب بعجالة فور ان سمعت بإذنه بالدخول تباغته بقولها:

– رياض باشا، ممكن تسمحلي بكلمتين .
كانت مفاجأة له رؤيتها من الأساس، فما باله من هيئتها تلك واندفاعها:

– اتفضلي يا بهجة، بس مش تقولي  صباح الخير الأول!
دلفت اليه مرددة بتوتر اصبح يلمسه منها:
– صباح الخير يا فندم انا كنت عايزة……
قطعت مجبرة حينما اوقفها مشيرا لها بالجلوس امامه، لتعترض على الفور وقد استفزها هدوئه:

– يا فندم انا مش عايزة اقعد، انا عايزة اعرف، انت دفعت كام في علاج اخويا عشان لازم اسدد الدين اللي عليا، اينعم هيطلع كبير ، بس انا برضو لازم اشوف صرفة، انتي دخلته المستشفى الاستثماري بتاعتكو ليه؟
ما انا كنت روحت بيه على اقرب مستشفي حكومي، اكيد كانو هيسعفوه، ما هو دا شغلهم اصلا.

اسهابها بتلك الحالة التي تشبه الانهيار،  جعله يترك محله،  ليلتف حول المكتب فيصبح مقابلا لها، يتأملها عن قرب، وقد وضح جليا من هيئتها الباكية،  وذبول عينيها ان الأمر جلل:

– انتي مالك النهاردة؟ في حد زعلك بأي كلمة؟
يسألها ببساطة ، ولا يعلم بحجم الجرح داخلها الاَن، حينما اكتشفت انها مديونة لهذا الرجل، لتتجاهل الرد عن سؤاله، مفضله التمسك بحديثها:

– حضرتك هو انت ممكن تقسطلي المبلغ، بس حتى لو حصل ، دا هياخد كام سنة؟…. يا نهار اسود، ودا هيكفيه كام سنة، دا حتى لو وصلت للمعاش مش هيقضي.

حسنا لقد فاض به من هذيانها ولابد من الحزم لإيقافها:
– بهجة ممكن تبطلي تكلمي نفسك وتجيبي من الاخر، انا عايز اعرف دلوقتي ، ايه اللي خلاها تطق في دماغك حكاية دفع حق العلاج دي؟ ما انا قولتلك اني شريك في المستشفى يعني مش هدفع حاجة من جيبي .

– بس هيتخصم من ارباحك،  ودا مبلغ كبير اوي حسب ما عرفت، السؤال بقى ، انا هدفع قباله ايه؟

ضاقت عينيه بريبة، يستوعب لبعض اللحظات ، قبل ان يباغتها بقوله:

– وانتي اش عرفك بخصم ارباحي ولا بالمبلغ اصلا؟ ثم تعالي هنا، مين اللي اقنعك اني عايز منك مقابل؟

حينما ظلت صامتة، عاجزة عن الرد صاح بها هادرًا:
– اتكلمي يا بهجة،  مين اللي حط في دماغك الكلام ده؟

…. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *