هوى الزيات بقلم سارة الحلفاوي

الفصل الأول
جالسٌ في سيارتِه، عيناه لا تكاد تنـ,ـزاح عن تلك التي تسير أمامُه تعبر الطريق بمُفردها بـ قِدها الأنثـ,ـوي وخُـ,ـصلاتها بـ لون حبات القهـ,ـوة تتمايل يمينًا و يسارًا بعد أن عُقِـ,ـصت بعُنـ,ـفٍ على هيئة ذيل حصان، الأدرينالين بجسدُه يرتفع بعُنـ,ـفٍ مُتأهبًا لمساعدتها .. فـ عيناه راكضة بينها و بين تلك السيارات التي تأتي مهرولةٌ غافلين عن أن محـ,ـبوبتُه تمُر الطريق قلبُه مُتـ,ـعلق بـ فِتنة عيناها، أطلـ,ـق زفـ,ـيرًا مُرتاحًا عندما مرت و دلفت إلى شركة تعمل بها، غندما إخـ,ـتفت عن أنظاره، أطلق نفسًا عمـ,ـيقاً ثُم عاد برأسه لمقعدُه و أناملة تطرق برتابة فوق مقود سيارته الفخمة، يتخيل إن كان مُديرها يزعـ,ـجها بـ شيء .. هل يحاول التقرب منها؟ هل عيناه تلتهم جـ,ـسـ,ـدها بشهوةٍ بغيـ,ـضة؟ تُرى على لامست يداها يدُه في سلامٍ من وجهة نظرها بريءٍ؟ هل أُعجـ,ـب بعيناها البـ,ـنية و ملامح وجهها التي يذوب بها و إن كان لم يراها من على مقرُبةٍ؟ إبيضت مفاصل كفُه على المقود من شدة قبضته عليه، و سرت قشعريرة في جسدُه من مُجرد التفكير بالأمر، ماذا ينتظر؟ سيذهب و يتقدم لخطبتها لينتهي هذا الأمر و تكُن زوجـ,ـته و يراها يوميًا يستـ,ـفيق على وجهها و ينام و هي بين أحضانُه!
صدح رنين هاتفُه فـ إلتقطُه بمللٍ من فوق تابلوه سيارته ثم ردّ بجمودٍ ظهر في نبرة صوته الرجولية:
– قول اللي عندك!

هتف الطرف الآخر بحماسةٍ تختلف كليًا عن فتور الآخر:
– عرفت كُل حاجه عنها يا فريد باشا، هي بنت بسيطة من بيت بسيط عايشة مع أمها و جوز أمها و بتشـ,ـتغل في شركة تحت السلم كدا، بس اللي بيتقال عليها إنها شخصيتها قوية شويتين و محدش يقدر عليها!

إنزوى ثغرُه بإبتسامة لا تظهر إلا على سيرة إسمها، أتلك الملامح البريئة خلفها شجاعة مُهرة تحتاج إلى ترويضُه، هتف بعد لحظات صمتٍ يقول بهدوء:
– إسمها إيه؟ و عندـ,ـها كام سنة؟

– إسمها نور الراوي، و عندها ستة و عشرين سنة!

– نور!
أعاد إسمها مجددًا على لسانه، متلذذًا بثلاثة أحرُف كان وَقعهم وِقع سمفونية موسيقية حالمة على أذنيه، أغلق مع الطرف الآخر الخط و وضع هاتفه جانبًا، ليضغط على زر السيارة ثم تحرك بها متجهًا إلى شركتُه التي تُعد من أضخم الشركات بفروعها المتعدده في أغلب فروع مِصر، إبتسم ساخرًا لا يصدق كون رجل أعمال مثلُه في منتصف الثلاثينات ينتظر فتاة لم تتخطى ربيعُها الثاني بقلبٍ مُتلهف يحسب بالدقيقة و الثانية ميعاد مغادرتها عملها ذلك!

عاد إلى نفس النُقطة التي يقف بها دائمًا ينتظر خروجها، تهتز قدمُه اليمين بتوترٍ ينظر في ساعته الثمينة المُحتضنه رسغُه، تأخر دقيقة و خمـ,ـسة و أربعون ثانية .. ماذا تفعل!
تتفس الصُعـ,ـداء عندما وجدها تخرُج من العمل و علامات الإرهـ,ـاق بادية على وجهها الفـ,ـاتن، إقتـ,ـضبت مٍحياه بضـ,ـيقٍ من ذلك الوهن الذي بدى عليها يتمنى لو بإستطاعته جرّها من يداه عنوةً ليريها كيف تكون الراحة، يُريح بدنها من عملٍ شاق لا يليق بـ عذوبتها
نظر إلى الشارع حولها و الذي كان في حارة لا يمر بها أحد، و يكاد يجزم أنه الوحيد الواقف في ذلك الشارع، عيناه تسير عليها و هي تسير بتعبٍ تتجه إلى الشارع الرئيسي، لـ تلمح عيناه شاب في يبدو في مِثل سنها يخرج من ذات البناية التي ولجت منها، يسير خلفها مسرعًا بملامح متوترة، ليزمجر فريد عندما وجده يقبض فوق ذراعها الغض يُديرها له يتمتم بكلمات لم يسمعها، إندلعت النيران من حدقتّ فريد و لأول مرة يشعر بـ حرائقٍ تشتغل في قلبُه بتلك الطريقة، همّ بالنزول و لأول مرة يجعلها تراه بعد أسبوع كامل من مراقبتها، لكن لم يترجل من سبارته عندما وجد وكأن وحشًا قد تلبّسها ليُمحى بوادر الإرهاق من على وجهها و يتبدل بـ شراسةٍ جعلتُه يبتسم و تلك من النوادر، وصل إليه صوتها و هي تنهر ذلك الشاب تبعد ذراعها عنه:
– ورحمة أبويا لو ما مشيت دلوقتي من وشي لـ أخلي اللي ميشتري يتفرج عليك!!

ظهر بعض الخوف على ملامح الشاب فإبتسم فريد و أسند مرفق ذراعه فوق مكان فتح الباب الداخلي و سبابته أمام شفتيه ينظر لذلك المشهد بإستمتاعٍ، فـ ها هي الشراسة يراها لأول مرة بعيناها، لكن ما هزّ قلبُه غـ,ـضبًا إصـ,ـرار ذلك الشاب على مُضايقتها و تعالي صوته يردف بـ نبرة لم يراها فريد سوى وضيعة:
– إنتِ فاكرة نفسك مين يا روح أمك! ده أنا هطلع عين أهلك دلوقتي!!

لم يتحمل فريد و لم ينتظر دة فعلها، ترجل من سيارتِه على وجه السرعة بـ بنيتُه الضخمة التي لم تكُن سوى عبارة عن عضلاتٍ عنيفة، و لأنه لم يكن يرتدي چاكت بذلته و إكتفى فقط بقميصٍ أسود إلتصق بجسدُه فجعلُه يتحكم أكتر بذراعيه، و في ثوانٍ كان يقبض بكفُه على تلابيب قميص الآخير يسدد له لكمة أوقـ,ـعتهُ أرضًا و هو يهتف به بصوتٍ عالٍ:
– ده أنا اللي هـطـلـع مـيـتـيـن أهـلـك دلوقتي يا خـ**

شهقت الأخيرة بصدمةٍ وتراجعت و هي تراه قد أبرحهُ أرضًا حتى ترجاه الأخير أن يتركُه فهتفت فريد بلهجةٍ قاسية:
– لو شوفتك قربتلها تاني .. قول على نفسك يا رحمن يا رحيم!!

– حـ .. حاضر!!

دفعهُ فريد فـ زحف الأخير ليبتعد عن مرمى يداه حتى ذهب من أمامُه و هو يركض و كإنه يركض من جان يود أن يتلبسُه، إلتفت إلى تلك الواقفة على مقربة منه، لفظ بداخلُه “يا الله”! إن كانت ملامحها من بعدٍ فاتنةٍ، فهي من كثب باهية! وقف صامتًا يحاول السيطرة على نظرات عيناه التي سارت بدايةً من منبت خصلاتها البنية نزولًا لأعين حائرة من نفس لون خصلاتها، و تلك الشلاه المكتنزة الذي ودّ لو أن يتذوق حلاوة مذاقهمها، و عنقها المرمريّ الذي تمنّى لو بإستطاعته وصمُه بعلاماتٍ كـ صك ملكيته لها، و قبل أن يتنـ,ـحدر عيـ,ـناه لما هو أكثر من ذلك عبر صوتها العالٍ على أذنه يخرجه من شرودٍ كادت أن تجعلُه يجن، تردف بنبرةٍ حادة عنيفة:
– إنت مين!! و مين سمحلك تدّخل و تعمل اللي عملتُه ده أصلًا!

و لأول مرة تتلبسُه دهشةً من ردة فعل إحداهن، ألن تشكرُه و تخبره أن لولاه لكانت الآن بيد أيادي عديم الشرف ذاك؟ ألن تُخبره بأنها بالغة الإمتنان له؟ ألن تعطيه إبتسامة ودودة شاكرة؟
عادت تقول بحدة:
– إنت يا بني آدم! أنا بكلمك .. ولا الكلام مش واصل عندك فوق!

هتفت ساخرة من طوله مقابل قامتها التي كانت طويل بين أقرانها لتشعر الآن بأنها أمامه باتت قزمًا، حاول الإحتفاظ بهدوء أعصابه فـ قال بهدوء لم يكن سوى هدوء ظاهري:
– ده بدل ما تشكُريني؟ كان زمانك دلوقتي مهروسة منُه!!

شهقت بصدمة ليتعالى صوتها قائلة بحدة:
– نــعــم!!! مين دي اللي تتهرس يا أخينا ده إنت رحمتُه مني، ده أنا كنت هخليه يندم إنه عرفني في يوم من الأيام!!

– ششش!! مش عايز لَت كتير، تعالي إركبي هوصلك!!!
هتف و هو يشير بعيناه لسيارته ذات الباب المفتوح الذي لم يهتم بقفله بعدما رآى ما تتعرض هي له، نظرت لسيارته و بعنف صاحت به:
– رِكبك عفريت يا بعيد!!! إنت شكلك مجنون و عيلتك عارفة!! أركب مع مين إنت فاكرني واحدة من اللي بيتاخدوا ورا مصنع الكراسي ولا إيه ده أنا آآ!!

بتر عبارتها مصدومًا و لأول مرة من تصرفات فتاة أمامه يقول بحدة:
– إخرسي!! بكابورت زبالة إتفتح عليا ولا إيه!!! أنا غلطان إني إعتبرتك زي أختي و جيت أساعدك وىمش عابزك تمشي في إنصاص الليالي لوحدك، بس إنتِ متجيش ربع تربية أختي و لا أدبها، م هي اللي تخرج في إنصاص الليالي و تجّري الرجالة وراها تبقى زبالة و اللي بيتاخدوا ورا مصنع الكراسي أحسن منها!!!

و لأول مرة يشعر بأنه قد ندم على شيء، رأى عيناها تمتلئ بالعِبَرات المكتومة رافض كبريائها نزول دمعاتها، لتصمت للحظات ثم تقول و قد شعر بغّصتها:
– إنت بني آدم زبالة و مش محترم!

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *