مريم

¡:
«بطلة زن يا مريم، أنا في اجتماع مهم أوي في الإسكندرية وبخلص صفقة العمر!»
صوت شريف خرج بارد من السبيكر، زي الموس اللي بيقطع في سكوت الصالة. بس وراء عصبيته، ووراء الكدبة اللي قالها بثقة، مريم سمعت صوت حجة مالهاش أي علاقة باجتماعات ولا إسكندرية…
صوت موج البحر.
وبعديه، ضحكة ست.
ضحكة واحدة صغيرة، سكرانة، ومبسوطة.. وكأن الدنيا مش بتهد على بعد مئات الكيلومترات.
مريم لا صرخت، ولا شتمت، ولا سألته مين اللي جنبه. بصت بس لشاشة التليفون اللي كان منور بإشعار يوجع القلب:
**30 مكالمة لم يُرد عليها.**
تلاتين مرة اتصلت بيه وهي واقفة في الممر بتاع مستشفى السلام في المعادي، والحاجة فاطمة —حماتها— كانت بين الحياة والموت. تلاتين مرة استنت يرد عشان تقول له: “تعالى بسرعة أمك بتموت!”.. وتلاتين مرة تسمع البريد الصوتي.
ودلوقتي ظاهر، متضايق، وعامل فيها مشغول، والبحر وراه فاضحه.
على الرف في الصالة، جنب بوكيه ورد أبيض بدأ يدبل، كانت محطوطة رخامة رخام صغيرة.. فيها رماد الحاجة فاطمة.
مريم فضلت تخدمها وتراعيها 18 سنة. كانت بتبدلها وتغسلها لما رجليها ما بقتش تشيلها. تسهر جنبها في أنصاص الليالي لما السخونية تزيد، تؤكلها اللقمة بالمعلقة صبرًا، وتمشّطلها شعرها الأبيض قبل كل ميعاد دكتور، وتقعد تقرأ لها قشرة عشان تطرد الونس من البيت.
وشريف.. ابنها الوحيد، ما كانش بيظهر غير عشان يشتكي من المصاريف.
“أمي طول عمرها تقيلة عليا وعاملة لي عبء!” كان دايماً يقولها.
بس مريم عمرها ما شافتها كده. بالنسبة لها، الحاجة فاطمة كانت البني آدمة الوحيدة في العيلة دي اللي عاملتها زي بنتها من دمها.
في اليوم ده، لما الدكاترة خرجوا من الطوارئ وعينيهم في الأرض، مريم حست إن في حاجة جواها انطفت. قربت من السرير، مسكت إيد فاطمة الساقعة ووشوشتها:
— سامحيني يا أمي.. ما عرفتش أوصل لشريف.
وفجأة.. حصلت معجزة.
الست العجوزة اللي بقالها سنين مش قادرة تحرك صباع، مسكت إيد مريم بقوة غريبة. شفايفها تحركت تحت ماسك الأكسجين.. الصوت ما خرجش، بس مريم فهمت كل كلمة من حركة شفايفها:
*«خلاص يا بنتي.. كل حاجة خلصت.»*
وبحركة صغيرة أوي، زقت حاجة في كف مريم.
مفتاح صغير، فضي، مربوط بخيط أزرق.
مريم كانت لسة هتسألها المفتاح ده بتاع إيه، بس جهاز القلب بدأ يصفر. خط مستقيم ظهر على الشاشة. الأوضة اتملت ممرضين ودكاترة وبقالهم رايح جاي، وأوامر في الهواء مالهاش لازمة.
الحاجة فاطمة مشيت.. من غير ما ابنها يلحق يودعها.
عيلة جوزها ظهرت بعد ساعات في العزا، بس عشان يترموا عليها ويعلقوا المشانق:
— “فضحتونا! جنازة من غير الابن الوحيد؟” العم سيد قالها وريحة رخيصة طالعة من بؤه. “أكيد أنتِ ما عرفتيش توصلي له صح!”
— “شريف طفش بسببك!” عمتو ماجدة قالتها وهي بتظبط العقد اللؤلؤ بتاعها. “طول عمرك عايزة تطلعيه العيل البايظ قدام الناس.”
مريم ما ردتش. عينها كانت جافة، دموعها كانت خلصت كلها في المستشفى.
بالليل، في الشقة اللي عاشت تنضفها وتخدم فيها سنين لوحدها، حطت مريم على ترابيزة السفيرة فايل أخضر فيه ورقة دعوى الخلع. وحطت فوقيه دبلة الجواز.
وبعدين قفلت تليفونها.
في الشنطة، حطت ثلاث غيارات، وشهادة الوفاة، والمفتاح الفضي، وصورة للحاجة فاطمة وهي بتضحك في أيامها الحلوة.
قبل ما تخرج، بصت أخر بصة على الصالة الفاضية. البيت ما بقاش فيه ريحة دفا.. بقى ريحة مدافن وكدب.
رمت المفاتيح في البوسطة بتاعة الباب.
هي مش رايحة عند أختها تستخبى، ولا رايحة تعيط في الدرة. هي رايحة تدور على الكالون اللي بيركب عليه المفتاح ده.
لأن الحاجة فاطمة ما سابتلهاش رسالة وداع…
سابتلها **حرب**.
ولما شريف يرجع من “رحلة شغله”، مش هيلاقي مراته، ولا أكل سخن، ولا مسامحة… هيلاقي مفاجأة أمه كانت مجهزهاله تحت الأرض وما كانتش تتخيلها أبداً!


