حان الوصال بقلم امل نصر ج٥ من الفصول
الفصل الثامن عشر
ذاك الواجب الثقيل المُلزم به، تلك المسؤلية التي تطوق عُنقك ، ولا تجد منها مناصًا ولا يصح منها الهرب، فهو ماضيك وان تنصلت منه، تخليت عن ذاتك.
هذا هو ما كان يشعر به الاَن، وهو يقف خلف السور السلكي، يراقب ذلك الصغير وهو يركض بالكورة مع عدد من فريقه، كي يلحق ويسجل بها هدفا ضد فريق الخصم، لقد كبر عن اخر مرة قد رأه بها منذ سنة تقريبًا، يتكفل برعايته ويرسل المال شهريا ومع ذلك لا يعرفه عن نفسه ولا يتصل به اتصالاً مباشرًا، وكيف يفعل؟ ومن اين يجد العزيمة لمواجهة الاثر المتبقي من الماضي الأليم.
– كنت عارفة انك هتيجي المرة دي. ما هو مش معقول يعني تقضي في البلد يومين ومتشوفش اخوك.
ضغط على عينيه بغضب خانق، يكبت سعيرًا من نيران تسري بداخله؛ بعد سماع صوتها الذي دوى في اسماعه كفحيح الأفعى ، وتذكيره بالحقيقة التي يود ان يطمسها من تاريخة، ولكنه يعجز عن ذلك.
التف اليها بعد مدة من الوقت، ليُقابل بهذه الابتسامه الساخرة، متوقعة ان تجد منه الانبهار، بملامح الوجه التي زادت عليها بعدد من التعديلات كنفخ الشفاه وبعض الاجزاء من بشرتها، كي تزيد من انوثتها وفتنتها، وكل هذا طبعا من مال ابيه الذي يرسله من اجل شقيقه، وهي كالعادة تبدده بإسرافها،
ليرد على سخريتها بمقت:
– انا فعلا جاي اشوف اخويا، واشوف بالمرة الفلوس، بتوصله، ولا بتروح على عيادات التجميل الخاصة بوالدته.
عبست ملامحها بإجفال لتلميحه السخيف في نظرها، لترد بحدة؛
– وافرض بيروح جزء منها على عمليات التجميل لوالدته، ما هو انا ليا حق برضو، مش كفاية اني قابلة على نفسي ان اكون منفيه عن بلدي واتلقي صدقتك ليا ولاخوك كل شهر.
رد يفحمها بفظاظته:
– بلاش ترسمي دور الضحية، عشان النفي دا كان اختيارك من الاول يا ناريمان، انتي فضلتي تبعدي، وتخدعي الناس بأنك موتي عشان غضب عيلتك، تعيشي هنا في احلى مستوى بالحرية اللي انتي عايزاها بفلوس بتجيلك كل شهر من غير تعب……..
زفر انفاس خشنة اطلقت دخانا من انفه بتهديد خفي هي فقط من تعلمه:
– حاولي تحافظي كويس على اَدم وتاخدي بالك منه، عشان دا الخيط الوحيد اللي مخليني صابر على كل أخطاءك، لو طاله أي اذى حتى لو كان نفسي، انا مش هرحمك، والحنفية اللي مفتوحالك مش هتطولي منها مليم واحد بعد كدة.
– انا مسمحلكش يا رياض، لأني لا بغلط ولا بعمل اي حاجة تضر ابني، ولا انت عايز تلاقيلي أي حجة وخلاص؟
هتفت بها مدافعة، ليقابلها مرددًا باستهزاء:
– لا انا مش عايز اخدها حجة لاني مش هحتاج اساسًا وقت ما احب انفذ اللي في دماغي، انا بتكلم ع الغراميات، مع ناس موظفين وطلاب جامعة….. طب حتى اعملي حساب انك كنت متجوزة واحد من نسل الباشوات، ازاي الواحدة ترخص من نفسها كدة؟
لقد صفعها بفظاظته، حتى شعرت وكأنه مطرقه اهتزت لها رأسها، تبًا له من قاسي لا يعرف الرحمة بنقده ولا بتقدير وضعها كامرأة وحيدة، ولكنها ليست بالهينة حتى تصمت على اهانته:
– يعني انت جاي تحاسبني عن علاقه انتهت من ٦ اشهر مع مدير البنك اللي كان هيموت ويتجوزني لولا انا مرضيتش عشان خاطر ابني،
اما بقى عن طالب الجامعة، فدا مسكين ابن جارتي ، اعمله ايه؟ بيحبني وبيموت فيا رغم فرق السن، انا طبعا مدتلوش ريق حلو، لكنه بيطادرني في كل حتة ومبيزهقش، مش ذنبي اني جميلة يا رياض، جميلة وصغيرة كمان، انا مفرقش عنك غير سنة واحدة لو تفتكر، يعني في عز شبابي.
عندما ظل على جموده يحدقها بصمت، تابعت هي كي تؤثر في عاطفته:
– انا يمكن بيضيع كل فلوسي في اللبس والمظهر، عشان اعوض حرماني من اهلي وبلدي، ولا دي كمان هتعتبرها تمثيل؟
عقب ببساطة ينزع عنها هذا الغطاء الذي تحتمي به:
– محدش ضربك على ايدك يا حبيبتي، من النهاردة اطلعلك باسبور وترجعي ع البلد دا لو عندك الشجاعة.
ردت بابتسامة تتصنعها لتعقب بصفاقة ليست بغريبة عنها:
– وماله يا قلبي، اخد حبة الشجاعة وارجع اواجه اهلي، وبالمرة كمان اعرف نجوان هانم ان ليها ريحة من المرحوم…… اااه.
صرخت بالاَخيرة حينما باغتها بالقبض على رقبتها ، يضغط عليها بقوة، وعيناه اصبحت كتلة ملتهبة من الجحيم:
– حاولي تكرري تهديدك تاني يا ناريمان، وانا هخليكي تحصلي اللي راح.
حرباء متلونة، حتى وهي في اقصى لحظات ضعفها، وروحها بيده، تبسمت رغم الالم الذي يحيط برقبتها:
– لو تقدر اعملها يا رياض، هبقى مبسوطة اوي انى اموت على ايدك.
– انتي ايه؟ شيطانة، اموتك بجد عشان اريح البشرية منك؟
mama-
صدر النداء ليدق ناقوس الخطر برأسه، لينزع قبضته عنها بعنف والتف نحو الفتى الصغير ذو السبع سنوات، والذي توقف عن اللعب ليقف مواجهًا له، يفصل بينهم السور السلكي، بنظرة سريعة قطعها على الفور ليحرك اقدامه ويغادر هذا المكان برمته.
حاملا فوق ظهره هذا الهم الثقيل، بفضل هذه المرأة التي كانت السبب في ان يخسر والديه، وقبلهم نفسه.
❈-❈-❈
أسفل الشجرة التي اصبحت مكان التقائهم في وقت الاستراحة، حضرت صباح تحمل بيديها عدد من الشطائر المعدة بمنزلها لانها تفضل ذلك، مع كوبين من الشاي أتت بهم من كافتيريا المصنع، لتشاركها هذه الجالسة بشرود بهم .
تهتف نحوها بصوت واضح كي تلفت انتباهها:
– الشاي، الشاي والسندوتشات يا منيلة روحتي فين؟
استجابت لها بهجة بابتسامة تتناول الكوبين الساخنين. منها كي تضعهم على المقعد بينهما، وتجلس الأخرى وتضع الشطائر بجانبهم، تدعوها بأمر لا يخلو من مزاح:
– كلي معايا يا بت والهي نفسك بحاجة بدل الفكر اللي خلاكي خسيتي في يومين بس .
شهقة أجفال مكتومة برقت بها عينيها نحوها، لتتحول الى خجل شديد، زحفت على اثره السخونة لوجنتيها، فتدرجت بهم الحمرة ، بعدما فهمت على قصدها، لتنهاها بارتباك:
– ايه اللي بتقوليه دا يا ريسة، مش خايفة حد ياخد باله من البنات .
ضحكت لتضع الشطيرة بحجرها مرددة:
– لا يا ختي مش خايفة، انتي اللي شكلك متاخدة، وواضح اوي.
– يالهوي انتي بتتكلمي جد هو انا باين على شكلي اوي كدة؟
تمتمت بها بهجة برعب تنقل ابصارها نحو البشر المارة من حولهم، لتشفق عليها، رغم شعورها بالتسلية، فتعلق بمشاكسة:
– باين ايه يا بت؟ هو حد يعرف حاجة، كلي كلي دا انتي جبانة اوي واي حاجة بتصدقيها.
اذعنت لتقضم من الشطيرة قطعة صغيرة مغمغمة:
– الله يجازيكي يا ريسة بتتمألسي عليا عشان متوترة حبتين .
تأثرت صباح رغم غضبها المكبوت من الطريقة، ولكنها لا تقوى على التنصل من مسؤوليتها نحوها:
– تتوتري ليه يا ختي وانا جنبك؟ اي حاجة نفسك تسألي فيا، او اي مساعدة انا موجودة، ها، هيوصل النهاردة من السفر؟
اومأت بهز من رأسها وصوت بالكاد يخرج منها:
– محددش الساعة كام بالظبط، بس قالي جهزي نفسك واستعدي النهاردة ليلتنا.
– دا جريء اوي.
غمغمت بها صباح بدهشة تتعدى الذهول، لا تتخيل ان ابن الحكيم يخرج منه هذا الحديث، ولكن لما العجب، فهو بالنهاية رجل وهي امرأة فاتنة حتى لو بشيء قليل من الاهتمام، فما بالها لو تزينت واخذت حقها من الدلال، ولكنها بريئة بشدة وهذا ما يثير خوفها،
لذلك سارعت في طمأنتها:
– ارفعي راسك يا بهجة وبصيلي، انتي النهاردة هتبقي مسؤليتي.
❈-❈-❈
حينما عادت معها الى داخل المبنى، كانت المفاجأة من نصيبها، وهي تراه امامها يلج من الناحية الأخرى للمبنى، ترافقه اصوات العاملين بالتحية، والتهنئة بعودته من السفر، فكان يأتي رده اليهم باقتضاب كعادته وهو يواصل طريقه، فتلتقي ابصارها بخاصتيه، في انسجام بصري دام للحظات، حتى اكتنفها احساس انه على وشك القدوم نحوها وخطفها بين ذراعيه.
بالطبع كان هذيان صنعه عقلها ، بدليل قطعه لهذا الحبل الوهمي، ليتوقف امام مصعده، فتنهدت هي بيأس، ذاهبة لمصعدها، المصعد الخاص بالموظفين زملائها، فتذكر الفرق بينها وبينه وتعود لعقلها،
غافلة عن ابصاره التي تعلقت بها من الخلف، حتى اختفت داخل المصعد وصعد بها، اما عنه، فقد كان في حالة من الشوق، تكاد ان تفضحه،
منذ متى تخللت هذه الفتاة روحه وجعلته متعلقا بها بهذه الصورة؟ كيف استطاعت ببرائتها اختراق القلب الجليدي بعد سنوات من تركه متجمدًا ، حتى عادت هي تبث الروح به وتعيده للحياة، حينما يراها يفقد اتزانه ويفقد السيطرة على مشاعره، يومان مروا وهي بعيدة عنه، يتواصل معها عبر الهاتف كلما غلبه الشوق اليها كما يحدث الاَن وقد زاد لأضعاف برؤيتها، قد يتوقف قلبه ان لم يعانقها الاَن وفورا
حينما وصل لطابقه، كانت هي قد سبقته في الخروج من مصعدها متجهة الى الناحية الأخرى في عملها، ليحرك اقدامه سريعًا نحو مكتبه، فتقابله بالطبع لورا التي وقفت على الفور تستقبله بلهفة واضحة:
– رياض بيه حمد الله ع السلامة، امتى وصلت؟
بادلها الرد بابتسامة يتصنعها واقدامه تعرف طريقها نحو غرفة مكتبه، لتلحق به هي ايضا:
– الله يسلمك يا لورا، انا نازل حالا من المطار، يدوب غيرت هدومي وجيت هنا على طول، اخبار الشغل ايه؟
كان في الاخيرة قد جلس على كرسيه خلف المكتب، فجاء ردها اليه بحماس:
– كله تمام وبيرفكت، كارم بيه بيجي يطل يخلص المطلوب وانا اكمل الباقي بمعرفتي.
برغم ارتياحه لقولها الا انه كان يجاهد بصعوبة للرد باتزان فعقله المتشتت لا يرى شيئا الاَن غيرها:
– عال عال، انا كنت متأكد اني سايب ورايا اللي يسد، ان كان كارم، ولا انتي يا لورا، كل يوم بكتشف قد ايه تستاهلي ثقتي فيكي.
سمعت منه لتغمر الفرحة قلبها، هذا الفظ حينما يرفق عليها بأقل كلمة ثناء يقلب كيانها بالفعل، فما بالها لو حدث ما تتمناه وتحول للغزل؟
– تحب حضرتك اجيبلك حاجة تشربها، ولا اخليك تطلع على جدول بكل اللي تم وانجزناه في غيابك؟ انا من رأي ترتاح شوية الاول احسن.
سألته بحماس اشتعل برأسها كي تثبت جدارتها اكثر وتنال مزيدا من الاستحسان، ولكنه صدمها بقوله:
– لا يا لورا اجلي كل حاجة دلوقتي وابعتي لبهجة خليها تحضر حالا.
رفرفت اهدابها تستوعب ما التقطته اسماعها، هل هو بالفعل قد اتى بسيرة هذه الفتاة الان؟
– بهجة! بهجة مين حضرتك؟ احنا بنتكلم ع الشغل.
اعتدل بظهره لخلف الكرسي يجيبها بثبات وتحدي:
– وانا بتكلم عن بهجة عايز اطمن منها ع الاهم، وانتي فاهمة طبعا .
افحمها بالرد لتغلق فمها عن الجدال، بعدما اوصل لها انه يريد الاطمئنان على والدته اولا من هذه الملعونة المرافقة لها، لتذعن راضخة لأمره، ثم تخرج الى مكتبها وتطلبها بصفة رسمية.
أتت بهجة بعد لحظات على اثر استدعائها، تهديها ابتسامة صفراء قائلة:
– بلغني ان المدير باعتلي يا أنسة لورا.
اومات تشير بكفها نحو مدخل الغرفة بعنجهية وتعالي دون ان تكلف نفسها عناء الرد، فتحركت بهجة نحو ما اشارت لها، تكتم سبة بذيئة، لتطرق بخفة على الباب المثقل فأتى قوله امرًا على الفور:
– ادخل.
سمعت منه، لتدفع الباب وتدلف الى داخل الحجرة الضخمة، فتواجهت معه مباشرة وقد كان واقفا بجوار النافذة، تخاطبه برسمية:
-افندم حضرتك عايزني في حاجة؟ حمد ع السلامة الاول.
اومأ برأسه واقدامه تتحرك بتأني نحوها،
– الله يسلمك يا بهجة، انا فعلا عايزك، عايزك اوي.
قال الاخيرة وقبل ان تستوعب وجدت ذراعيه التفت نحوها فجأة بضمة هي الاقوى، يقبلها بشوق جارف، حتى انها تخشبت في البداية بين يديه لا تعي بما يفعل، لكن سرعان ما استعادت وعيها لتحاول دفعه عنها، ولكنه كان كالمغيب، يرتشف من شهد ثغرها وكأنها قبلة الحياة، تنعش قلبه ليضخ الدماء مرة اخرى، حتى صار كالمغيب، غافلا عن مقاومتها حيث كانت تضرب بكلتا كفيها ليحل وثاقه عنها، ويتركها تلتقط انفاسها،
حتى اذا ارتخت ذراعيه قليلًا نزعت نفسها منه، ودفعته عنها فجأة لتبتعد بمسافة كافية للأمان، فتمُلك اخراج صوتها اخيرا بالاعتراض، رغم عدم انتظام انفاسها بعد:
– انت ازاي تعمل كدة؟…. وفي المكتب!
تقدم خطوة تراجعت قبالها خطوتين للخلف، حتى صدر رده لها بضيق:
– وفيها ايه يا بهجة هو انا غريب عنك؟ ولا انتي نسيتي صفتك ايه بالنسبالي؟
– لأ منسيتش، بس برضو ميصحش.
تمتمت بها سريعًا لتعدل من هيئتها تردف بنبرة ضعيفة اظهرت حزنها رغم اعتزاز شخصيتها:
– الأمر بالنسبالك ممكن تاخده عادي، بس انا مينفعش ومقبلش، انا مراتك على سنة الله ورسوله، مش واحدة…
قاطعها على الفور بصرامة مردفًا:
– بس متكمليش .
هذه المرة كان الاسبق ليلتقطها سريعًا من ذراعها ويقربها منه قائلا بنبرة يتخللها الصدق:
– انتي أغلى واحدة على قلبي يا بهجة، وانا كنت مشتاقلك اوي ومازلت…. مسافر عنك بقالي تلت ليالي ويومين كنتى عايزاني استقبلك ازاي اول ما اشوفك؟.
خجلت لتطرق برأسها ، ولكنه أبى إلا ان يخاطب زمردتيها، ليرفع وجهها اليه من ذقنها قائلا:
– بتخبي عيونك عني ليه؟ انا بسألك تجاوبيني، ولا انا موحشتكيش زي ما وحشتيني؟
تاهت الفتاة بعدما اسرها بمعسول كلماته، وكأنه يلقي عليها تعويذة من السحر، يخطفها من عالمها الى شيء اخر بعيدًا عنها، ذلك العالم الجميل الخفي، محدود العدد عليها وعليه فقط، فيعود اليها مُلحًا بالسؤال:
– عايز اسمعها منك يا بهجة، وحشتك زي ما وحشتيني ولا لأ؟.
بماذا تخبره؟ وهي يكتنفها العجز في حضرته، تريد التعبير عما يعتربها بقوة ولكنها دائما ما تصطدم بهذه الحقيقية المؤلمة، الغرض الأساسي من زواجهم،
اذا لماذا هو يتطرف بعيدا عن هذا الاتفاق، ويضعها في هذه المتاهة؟
– لدرجادي السؤال صعب يا بهجة؟
اعادها اليه بصوته الرخيم وانامله تمر بنعومة على وجنتيها تفقدها المقاومة وتزيد من تشتتها، لتزيح كفيه عنها قائلة بتعب:
– رياض باشا معلش اعذرني….. المشاعر دي غريبة، والظرف نفسه بتاع الجوازة يخليني….
– مستغرباها؟
اومأت بهز رأسها:
– اه بصراحة، لأن انت من الاول محدد الغرض من الجوازة.
صمت قليلًا ثم اجابها بهدوء وهو يجلس على ذراع المقعد ليُقابلها بعدما اجلسها على طرف المكتب:
– وافرضي هو كدة زي ما بتقولي، هو دا يمنع اننا نشتاق لبعض ونقول كلام حلو كمان؟
– لحد ما تنتهي الرغبة.
قالتها كإضافة على قوله، لم يعلق عليها، بل ظل صامتًا لتردف هي:
– وبعد ما يعدي الشهر او الشهرين، نفترق وكأن ما في شيء كان، صح؟
مال بجذعه نحوها سائلًا:
– ومين اللي قال شهر ولا شهرين؟ كتبناها شرط في كتب الكتاب مثلا؟
صارت تطالعه بازبهلال قابله هو بابتسامة متابعًا:
– بلاش نحط ارقام والحاجات دي يا بهجة، سيبي الأمور تمشي.
– لحد ما تنتهي الرغبة.
عادت بها وكأنها تذكره بها وتذكر نفسها، لتلوح ابتسامة متسلية على طرف فمه دون ان يعلق.
فتستعيد هي بأسها وتحاول النهوض للانصراف:
– انا بقول كفاية كدة عشان اشوف شغلي ولا انت عايزني في حاجة تاني؟
نهض هو الاخر وقبل ان تتحرك بخطوة كان هو الاسبق، ليهمس بجوار اذنها:
– اعملي حسابك هتخرجي من الشغل على بيتنا على طول، عم علي هيستناكي وياخدك ، وهناك هتفهمي كل حاجة .
بحرج صارت تسيطر عليه بصعوبة:
– ومدام نجوان؟ ما هي ممكن تسأل عن سبب غيابي.
اقترب منها قائلا بصوت يذيب الحجر:
– متشيليش همها انا هلاقيلها حجة كويسة، المهم زي ما قولتلك.
وقبل ان تجادل مرة اخرى، اجفلهما فتح الباب ، وصوت كارم يدوي:
– انا جيت على طول اول ما قالولي انك رجعت من السفر و……
قطع الكلمات على طرف لسانه وكأنه ظبطه بجرم ما رغم عدم وجود ما يبرهن ذلك، لكن درجة القرب بين الاثنان هي ما جعلته يتوقف، ولعلمه التام بشخص رياض المتحفظ، والذي امتقعت ملامحه، ليطالعه بغضب مكتوم يأمرها:
– خلاص روحي انتي يا بهجة واعملي زي ما قولتلك .
تحركت على الفور تتوجه نحو باب الخروج امام ابصار كارم والذي رافقها بعيناه حتى غادرت، غير منتبهًا لذلك الذي كان يعض على نواجزه غيظًا وتعقد حاجبيه بغضب يجاهد لإخفاءه، حتى انتظره ليقترب معانقًا له عناقًا رجولي، تقبله بشيء من عنف لم يخفى على ذاك الداهية، ليتبسم ويلاطفه بمكر :
– براحة يا عم، هو انت لدرجادي مشتاقلي؟
ابتسامة صفراء ارتسمت على ثغره في رد له:
– الظاهر كدة فعلا، بس انت مقولتليش انك في المصنع كنت جيتلك بنفسي اسلم عليك؟
جلجلت ضحكة صاخبة من كارم وهو يجلس مقابلا له :
– ما انا لسة واصل يا عمنا، وعلمت بس لما وصلت، اندفعت افتح الباب من لهفتي عشان اسلم عليك، حتى ما استنتش استأذن لورا، شكلك وحشتني بجد يا صاحبي.
رد في محاولة لمجاراته:
– وانت كمان يا كارم، عرفت من لورا انك مكنتش مقصر، انا بجد بشكرك.
– لا مفيش داعي للشكر يا سيدي، احنا شركا، يعني دا شيء عادي ما بينا.
غمغم بها كارم، ثم عض على شفته السفلى مردفًا بفضول ماكر:
– بس دي اول مرة اشوف حد من الموظفين عندك.
كان متوقعًا سؤاله، ورغم غضبه الشديد، الا انه استطاع السيطرة عليه، ليجيب بنبرة جعلها عادية:
– لا دي بهجة مش موظفة عادية، كنت بسألها عن ماما.
– بتسأل على مامتك ليه؟….. ايه ده؟ لتكون دي جليستها الجديدة اللي قولت انها من عمال المصنع.
اومأ بضجر ، يكتنفه الندم الشديد لذكر هذا الامر
امام شخص مثل كارم، والذي واصل بابتسامة رائقة:
– بس بصراحة انا استغربت، البنت شكلها ميدلش خالص انها بتشتغل، حلوة اوي زيادة عن اللزوم بالنسبة لواحدة في ظروفها.
– متتكلمش عنها كدة يا كارم احترم نفسك.
صدرت منه بصيحة بضربة قوية بكف يده على سطح المكتب اجفلت الاخر، لكن سرعان ما اثارت ابتسامة متسلية داخله ، ليخفف بمزاح:
– ايه يا باشا انا مغلطتش، انا بس بقول رأيي .
– متقولش يا كارم، عشان انا مبقبلش بالكلام ده خالص، لا عليها ولا على غيرها.
صدرت منه بحدة جعلت الأخر يصمت على الفور، وبداخله يجزم ان هذه الفتاة لها مكانة خاصة لدى هذا المتحفظ الغامض، اخيرا قد وجد له صلة ما بصنف النساء، لقد كاد ان يراوده الشك في هذا الأمر.
❈-❈-❈
بنسخة يملكها، وضع المفتاح في مغلق الباب الخارجي، ليدفعه بعد ذلك بعدما تمكن من فتحه، ثم يلج داخل الشقة التي هلت منها رائحة ما فور دخوله، ليواصل تقدمه متأففًا بضجر، وعيناه تجوب على الاثاث والوضع الكارثي الذي حل به من اهمال، حتى صار يثير الازدراء.
أعقاب سجائر منتشرة على الارض في كل مكان يدعس عليها بأقدامه أثناء سيره، عدد كبير من اكواب الشاي احتلت الطاولة امامه ، ملابس هنا وهناك.
تتبع مصدر الرائحة النتنة حتى ساقته قدميه الى المطبخ، ليصطدم بجبل الاطباق المتسخة في حوض الغسيل، وفي جانب ما على الارض، اكتظت سلة المهملات بالقمامة وبواقي الطعام الملقاة بها، حتى اختمرت وتجمعت حولها الحشرات.
لم يحتمل اكثر من ذلك ليرتد باقدامه للخلف ، ضاغطًا بإصبعيه على أعلى فتحتي منخاره مغمغمًا:
– اف، الهي يقرفك يا بن الخايبة خلفة تعر.
توجه بعد ذلك على الفور نحو غرفة النوم التي كانت مفتوحة من الاساس، ليجد ابنه كما توقع غافيًا على تخته كالأموات.
نائمًا على وجهه بالعرض بجذعه العاري يرتدي فقط البنطال البيتي، والفوضى تعم الغرفة في كل شيء،
ليهدر بصوت عالي بغرض ايقاظه:
– قوم يا زفت الطين، هتفضل نايم لحد العصر.
انتفض سمير معتدلا بجذعه على الفور، ليُفاجأ بوالده امامه متخصرا بجسده القصير البدين، وملامح مكفهرة زادت من هلعه:
– في ايه يابا؟ ايه اللي حصل؟
ردد خلفه باستهجان:
– اللي حصل؟! هو انت كمان بتسأل يا روح امك، نايم في زريبة ولا البهايم، وجاي تسألني ع اللي حصل، انت ياض انت حلوف ما بتحسش، مستني ايه عشان تعدل من حالك وتبقى راجل زي باقي الرجال؟
صار يطالعه بعدم تركيز، يستنكر وصلة الشتائم تلك من داعي، ليعقب بضجر:
– جرا ايه يابا لدا كله؟ مصحيني على وصلة تهزيق معتبرة، ليه يعني؟ مش راجل في ايه بقى؟
صرخ به بانفعال يقارب الهياج:
– انا بتكلم على مراتك يا زفت، البت على وش ولادة وانت قاعد هنا وسط البيت اللي خليته عفن بإهمالك ولا معبر، مستني ايه تاني ياض؟ لما تولد وابنها يروح المدرسة ولا نسيتها من اساسه.
ازاح بأبصاره عنه يغمغم بكلمات غير مفهومة زادت من استفزاز والده:
– بتبرطم بتقول ايه يا زفت؟ النهاردة تتصل باخوها وتشوف معاه حل، الواد عايز يعمل قيمة لاخته معاك، على الاقل خده على قد عقله لحد ما ترجع البت ولا عاجبك حالك كدة؟
لم يعلق واكتفى بالصمت فهو لا يملك النية من الأساس لإرجاعها وهذا ما يعلمه والده، ولكنه عاد يؤكد مرة اخرى:
– اللي في دماغك تنساه يا بن درية، نفذ اللي بقوله واتصل على اهل مراتك، وشقتك شوفلك حد يرتبها، على الاقل تعيش زي باقي البني أدمين.
– واشوف حد ليه يابا؟ ما مراتك وبنتك قاعدين، كلم انت واحدة منهم تشفق على ابنك الغلبان.
– الاتنين مش فاضين يا اخويا، امك راحت السوق، وأختك خرجت تزور واحدة صحبتها .
بصق كلماته وخرج من حيث ما اتي، ليعلق سمير في اثره:
– صحاب مين؟ هي سامية بتعرف تصاحب اساسًا؟
❈-❈-❈
– اتفضلي يا حبيبتي، سيدنا الشيح قدامك اهو.
قالتها المرأة وهي تدلف بها داخل الغرفة الشاسعة والتي تدخلها لاول مرة، رغم زيارتها للمنزل منذ ايام، تشير لها بيدها نحو الرجل الذي اخذ موضعه متربعًا على اريكة صغيرة تخصه وحده، يختفي وجهه اسفل شاش طويل يغطي جانبي وجهه، وقد ظهر امامها لحيته الطويلة السوداء، يمسك بيده مسبحه، يتمتم بكلمات لا تصل اليها،
تتقدم نحوه برهبة وخوف يتملكها فهذه الأجواء تثير بقلبها رعبًا رغم طمأنة حالها انه خوف وقتي وسيمر، فوالدتها مرت به قبل ذلك كثيرا واعتادت عليه في تنفيذ ما تريده،
– قدمي رجلك شوية يا سامية وتعالي يلا قولي حاجتك.
انتفض جسدها مع سماعها للصوت الأجش الذي صدر منها، لتبتلع ريقها وتخطو سريعًا حتى وصلت اليه، فجلست مكان ما اشارت لها المراَة مساعدته، لتصبح مقابله.
فتحققت من ملامح الوجه الذي يملأه الشعر دون تهذيب ، رجل اربعيني، النظرة اليه فقط تثير الرعب بقلبها، والذي ازداد اضعاف حينما رفع عينيه اليها:
– اهلا يا سامية، عايزة ايه يا بنتي؟
حُشرت الكلمات داخل جوفها، حتى اصبحت تبحث عن صوتها للحديث كي تجيبه، فهتف يطمأنها بسخرية:
– ايه يا بنتي، هو انا للدرجادي شكلي يخوف؟
تدخلت على الفور مساعدته:
– لا يا سيدنا تخوف دا ايه؟ هي بس من الرهبة، دي حتى امها كذا مرة تيجي عندك، يعني مش غريبة عننا .
– عارفها طبعًا، مش برضو امك درية؟
اهتزت رأسها عدت مرات، وقد تشجعت بذكر والدتها:
– ايوة ايوة يا شيخنا، انا بنتها بس النهاردة جيالك من غيرها عشان حاجة تخصني.
صمت يحدقها بعيناه العميقة قليلًا وكأنه فهم على المقصد من زيارتها، ليقول:
– اتفضلي يا سامية، قولي على طلبك، وانا اوعدك ان اللي عايزاه هيحصل.
شهقت بلهفة انستها الرهبة والخوف من الرجل:
– صحيح يا شيخنا، هتنفذلي صح اللي انا عايزاه؟
بوجه جدي اشتد فجاة، ليعود بها بنفس الرهبة الاولي:
– لو محتاجة أاكدلك على قدراتي، مستعد اثبتلك دلوقتي يا سامية.
حركت رأسها بعدم فهم للمغزى المقصود من خلف كلماته، فتحدثت في محاولة لتملقه كي ينفذ لها ما تريد:
– مش محتاج تثبت يا شيخنا، انا شوفت العمل اللي جاب نتيجة مع امي، دلوقتي بقى عايزة اللي يخصني انا، واللي تؤمر بيه يا شيخ انا تحت امرك .
مط طرف فمه بابتسامة غير مفهومة، يعقب على كلماتها:
– رغم اني عارف طلبك، بس برضو هسمع منك، قولي يا سامية باللي انتي عايزاه، متخليش في نفسك حاجة.
❈-❈-❈
زغروطة كبيرة صدحت في قلب المنزل من رحمة، في استقبال شقيقها وعروسه بعد العودة من رحلة العسل، في حضور زوجها ووالدتها، ووالدي العروس مسعود ابو ليلة وزوجته زبيدة التي مازالت تتشبث باحضان ابنتها وعيناها تغيم بالدموع:
– اتوحشتك جوي يا بتي، اول مرة تبعدي عني كدة يا مضروبة الدم .
علق ابو ليلة يدعي الضيق:
– شوف يا خوي شغل الحريم، دا على اساس انها كانت هتجعد العمر كله جدامك، ما معروف من زمان البت مكانها فاضي، ولا انتي اول مرة تجوزي بنته؟
– لاه مش اول مرة، بس دي اخر العنقود، واكتر واحدة جعدت معايا منهم، خدت الغلاوة كلها المضروبة.
ضحك الجميع على قولها بما فيهم شادي الذي كان ملتصقًا بوالدته هو الاخر:
– معلش يا حماتي، اهو البيت قصاد البيت، يعني مش هتلحق توحشك اصلا.
صمتت زبيدة بحزن فتكفل زوجها بالرد:
– لا ما احنا راجعين ع البلد يا غالي.
شهقت رحمة متسائلة:
– ليه يا عم ابو ليلة؟ ما انتوا قاعدين جمبنا والحال عال العال .
– خلاص بجى هنجعد ليه؟ نرجع لبلدنا نراعي الارض ونريح شوية من شغل الشقا بين العيلة والاحفاد.
صدر الاعتراض من صبا رغم علمها بالقرار مسبقًا:
– وانا هتسبوني لوحدي هنا، ما جولتلك يا بوي، ياجوا هما خواتي هنا ويسكنوا معانا، ولا هيا العيشة متنفعش غير في البلد.
زفر ابوليلة يغمغم نحوها:
– شوف البت، تفكر غير في مصلحتها، يعني يا جلعانة انجل عيلة سالمة من مطرحهم، لمكان مش متعودين عليه عشان خاطر جنابك؟ يا بت حتى ان كنتي أتجوزتي، برضوا مش عايزة غير تنفذي اللي في مخك؟
ضحك زوجها يربت على ظهرها بدعم في رد له:
– معلش يا عمي، انت قولت عليها من الاول انها دلوعة، وانت عودتها على كدة، ع العموم يا صبا انا برضو جوزك موجود وعيلته هي عيلتك ولا ايه يا ماما؟
– طبعا يا قلب امك. دي نن العين من جوا.
قالتها والدته لتعلق رحمة بسماحتها كالعادة:
– وبصراحة بقى هي من حقها، يعني ان مكانش القمر بتاعنا يدلع، من يحقله غيرها؟
جاء رد زبيدة في تعقيب على قولهم:
– ربنا يديم المودة ويبعد عنهم العين، ويريح جلبهم ويرزقم بالخلف الصالح يارب .
تمتم الجميع من خلفهم، واولهم شادي الذي اصبح يتحرق داخله لرؤية ثمرة الحب بينه وبين حبيبته.
❈-❈-❈
خرجت من الباب الخلفي للمصنع تقطع الطريق القصير حتى وجدت امامها سيارة العم علي فى انتظارها، يوميء لها بابتسامته كالعادة، بادلته هي بحرج، رغم علمها بمعرفته بالزواج، بل وكان شاهدا عليه،
ترجل باحترام يفتح لها الباب الخلفي، معلقًا لها بمزاحه:
– اتفضلي يا هانم، والله لما قولت انها تليق عليكي ما كدبت.
اومأت بحرج وابتسامة تغتصبها بصعوبة:
– ربنا يخليك يا عم علي دا من زوقك.
عاد الرجل الطيب الى مقعده ليتحرك بالسيارة، مستمرًا في الحديث معها:
– والله دا انتي اللي زوق وعسل، بقولك ايه، احنا مينفعش نمشي كدة سكيتي، تحبي اشغلك ايه بقى؟ بتحبي القديم ولا الجديد.
اومأت بهزة من كتفيها، فهي ليست بمزاج يسمح لها بالسماع من الأساس، عقلها المشوش، يدور بلا هوادة، لا تصدق بما قادمة على فعله الاَن، على الرغم من انها اصبحت زوجته رسميًا.
قابل الرجل صمتها بمزيد من المزاح، يخلق حديث من الهواء، كما أنه اشغل المزياع ليطرب اسماعها، كي يخرجها من حالة الشرود التي تعصف بها، فمر عليها الطريق بسهولة،
حتى توقف بها امام احدى صالونات التجميل الشهيرة ، والتي لطالما رأت اعلاناتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقبل ان يصدر سؤالها، اجابها بعملية:
– دي اوامر الباشا يا هانم، انزلي بقى عشان نلحق ميعادنا .
رددت خلفه بسأم:
– تاني هانم، ما بلاش منها دي يا عم علي.
ترجل الرجل يسبقها، ثم توقف بجوارها، يفتح لها باب السيارة بكل احترام قائلًا:
– هانم وست والهوانم، انزلي بقى يا برنسيسة.
استجابت لتترجل مرددة خلفه باستهجان:
– كمان برنسيسة، ما قولنا بلاش يا عم علي .
ضحك يسبقها بخطواته مرددا بتصميم:
– قولي براحتك، وانا برضو هقول براحتي.
بعد لحظات كان يقدمها الرجل لامرأة تبدو وكأنها اجنبية، تحدق بها من اعلى لأسفل بتقيم لم يعجبها، لكن سرعان ما اجفلتها بابتسامة عملية تحدثها وبلغة عربية لا تتقنها:
– اتفضلي معايا يا هانم .
توجهت بهجة بسؤالها نحو العم علي:
– اتفضل معاها اروح فين؟ هي عايزاني في ايه الست دي؟
تبسم الرجل قائلا بتسلية:
– يا ستي روحي معاها، دي هتعاملك معامله ملوكي، انا افهم ايه بقى في حاجات الستات عشان اشرحلك، يلا بقى، عايز اروح اشوف مصالحي، وقت ما تخلصي هتتصل بيا، سلام يا ست العرايس.
قالها وذهب يتركها في حوزة المرأة، لتردد من خلفه بتوعد، قبل ان تستجيب للذهاب مع المرأة :
– ماشي يا عم علي.
تحركت مع المرأة بعد ذلك لتمر بالعديد من المراحل التي ولأول مرة تخوضها او تسمع عنها من الاساس، واشياء لم تعمل لها حسابا قبل ذلك. لتنتهي من كل شيء اخيرا ، بارتداء هذا الفستان الذي تفاجأت به والعديد من القطع ف انتظارها، لا تدري متى أتى بهم، وكأنه تم صنعه خصيصا لها .
فتقف الاَن امام مراتها، لا تعرف نفسها.
❈-❈-❈
وعند نرجس التي كانت عائدة من السوق، تحمل سلة كبيرة، حشرت بداخلها العديد من المشتريات، حتى اصبحت تحملها بصعوبة، والثقل يؤثر على سيرها نحو بناية سكنها بخطوات متأنية، لتفاجأ برفعها فجأة من فوق كتفها، وصوت ابراهيم يدوي :
– رايحة فين يا خالتي بس بالشيلة التقيلة دي؟ مش خايفة لتقسم ضهرك ولا يجيلك الغضروف منها .
بدهشة فاقت الارتباك، تطلعت اليه لا تصدق فعلته، فهذه اول مرة يفعلها، ولكنها لا تملك الان الا الامتنان لفعله:
– تشكر يا حبيبي تشكر، انا مش عايزة اتعبك.
رفعهم بسهولة ليحملهم عنها فوق كتفيه، مرددًا بمروءة جديدة عليه:
– تعب ايه بس يا خالتي؟ هي دي حاجة مستاهلة.
وقبل ان ينبث فمها ببنت شفاه، فوجئت بسحب هاتفها من يدها من احد الفتيان التي تركض سريعًا بالدراجة ليطلق هو صيحته:
– يا بن الكلب… مش هسيبك، امسكي يا خالتي جايلك حالا.
ترك السلة على الارض وهرول خلف الفتى، يتركها في وسط الطريق، بحالة من التشتت، تتطلع هنا وهناك، وذهول يكتنفها عما حدث .
اما هو فقد وصل بعد لحظات، لبجد الفتى في انتظاره، في جانب ما من الطريق ، بعد ان ابتعد بمسافة كافية عنها، ليعطيه الهاتف بعمليه قائلًا:
– اتفضل يا ريس، كله تمام.
تناوله منه يسأله بمزيد من التأكد:
– يعني عملت المطلوب منك ياض.
لوك الفتى بالعلكة داخل فمه قائلا:
– ما قولتلك يا ريس كله تمام ، يعني كل اللي في تليفونها بقى عندك، انت بتكلم الجينيس.
لطمه بكف يده على رأسه من الخلف مرددًا بمزاح ثقيل:
– انت هتعملي فيها بيل جيتس، على تليفون صغير هكرته، اخفي من وشي دلوقتي بقى يا ظريف.
– امرك يا ريس.
قالها الفتي وانطلق بدراجته، ليتناول هو الهاتف ويعود به نحو الأخرى بابتسامة شقت فمه مرددًا بانتشاء:
– كدة ماشين صح اوي، احب انا التكنولوجيا.
❈-❈-❈
كانت الساعة تقارب السابعة حينما تفاجأت بالخادمة تخبرها بوجوده في انتظارها في الحديقة، لتنهي محادثاتها عبر الهاتف مع رئيستها صباح التي لم تتوقف منذ ان تركتها.
لتغادر الغرفة التي لم تفارها من وقت ما وصلت برفقة العم علي، والذي لم يقصر معها بالمزاح ولا بالثناء على حسنها بعدما ارتدت الثوب الذي يليق بها بحق، ثوب الهوانم كما يشبهها .
لتخرج اليه الاَن عبر الممر الداخلي للحديقة، فتفاجأ بالانوار والشموع المنتشرة بكثرة وبحرفية مقصودة لتجعله جوا شاعريا رومانسيا، وهو يقف في استقبالها، يرتدي فقط القميص الابيض على بنطال يشبهه، وهيبة تخطف الانفاس،
ماذا فعلت بنفسها؟ ليتها ما وافقت على القرب منه من الاساس.
– قمر يا بهجة، واحلى من القمر كمان.
قالها فور ان اقتربت منه، ليلتقط يدها ويقبلها، وعيناه لم تفارق تفصيلة صغيرة منها.
من زينة وجهها الناعمة، والتي زادتها بهاءًا، والشعر الحريري بقصة رائعة جعلته متموجًا على جانبي وجهها وظهرها من الخلف، ثم هذا الفستان الذي اختاره بإحساسه، ضمن مجموعة انتقاها خصيصًا لها،
منسدلا على الجسد الممشوق، يضيق على بعض المناطق لتزيد من فتنتها في عينيه، وخجلها امامه، ثم ندمها حينما اطاعت المرأة في ارتداءه.
– ايه مالك؟ مكسوفة؟
اومأت بارتباك يعصف بها:
– بصراحة اه، خصوصا مع الجو ال……. انا شايفة انه مش ضروري على فكرة .
تبسم لإصرارها المتعمد في تذكيره بهذا الامر الذي اصبح يمقته من كثرة سماعه منها، ف اقترب يباغتها بلف ذراعه حول خصرها من الخلف، ليضمها اليه فجأة، ويأمرها بصرامة:
– ممكن تشيلي اي فكرة من دماغك وتركزي بس في لحظتنا مع بعض؟
تمتمت بحرج شديد وكلمات متقطعة، فقربه المهلك يقبض على معدتها ويجعلها تتلوى بالداخل:
– لحظتنا ازاي يعني؟ انا مش فاهمة احنا واقفين هنا ليه اصلا .
تبسم باتساع، مستمتعًا بإرباكها، ثم وبحركة سريعة ضغط على جهاز التحكم عن بعد لتشتعل موسيقى اجنبية رومانسية كانت تعلمها قبل ذلك، ولكنها الاَن لا تستطيع التفكير ولا تذكرها حتى، بعدما سحبها فجأة ، يراقصها قائلا:
– انا بقولك سيبي نفسك يا بهجة، ركزي بس معانا وفي لحظتنا، انا عايز اعيش اللحظة دي معاكي دلوقتي، انسى العالم وانسى نفسك ومفتكريش في غيرك، انتي وبس .
تطلعت اليه بتشتت، عيناها تحمل الف سؤاا، وجسدها اصبح يتناغم مع خطوته، يخطفها بسحر كلماته ولكن عقلها الدئوب يفيقها من تلك التعويذة في كل لحظة، لماذا هي من دون الجميع؟ لماذا يختصها بتلك المشاعر وذلك الاتفاق؟ ليتها تعلم حتى تستريح.
قطع فجأة يوقفها:
– انا شايفك لسة سرحانة برضو، تحبي نتعشى الاول ولاااا.
– ولا ايه؟
سألته ببرائة تقارب الغباء، ليًقابل ردها بابتسامة ماكرة قائلا:
– انا بقول نأجل العشا شوية وندخل على طول في ولااا
لم تعي ما الذي حدث بعدها، كيف انتقل بها من الحديقة الى هنا بداخل غرفته.
يضمها اليه بقوة وقبلاته لم تتوقف سوى حينما انزلها على اقدامها ، ليغمغم بنبرة لامست قلبها:
– تعرفي النعيم يا بهجة؟ انا دلوقتي بس عرفت ايه النعيم ، قربي منك هو النعيم اللي ممكن استغني بيه عن العالم كله .
لم تجد صوتها لترد ، وقد ضاع كما ضاعت هي في بحر عشقه، لتتوه داخل امواجه، فلا تدري اين ترسو بها، الى بر النجاة، ام تبتلعها ظلمته.
… يتبع
الفصل التاسع عشر
تلك السعادة اللي نحيا على حلم الوصول اليها، ذلك الفرح الذي ظل دائمًا غائبًا عنا، وحينما أتى……. أتى ناقصًا، هل كان سوء حظ منا؟ ام هي الاقدار التي تتلاعب بنا؟
#بنت_الجنوب
بحرص تام نهضت من جواره، بعدما استيقظت لتجد نفسها داخل أحضانه، ذراعه تطوقها، وانفاسه مازالت تشعر بها على بشرتها،
خطت حتى وصلت الى المقعد الوحيد بهذه الغرفة الشاسعة، فسقطت عليه بثقلها، تضم ركبتيها الى صدرها، فتتأمله باضطراب وخوف، لا تصدق ما حدث، لقد أصبحت زوجته بالفعل.
هذا الرجل الغافي امامها باسترخاء، اصبح زوجها قولا وفعلا، كيف سحبها بمعسول كلماته وجعلها تحلق في سماء عشقه؟ حتى غاب عقلها وتاهت ف بحوره،
هل كانت مغيبة العقل؟
لا لم تكن مغيبة، بل كانت سعيدة ومستجيبة للمساته، وقد كان هو كالساحر معها، يدلل انوثتها، ويشعرها بقيمتها كامرأة فاتنة لم تجد الاهتمام الكافي لتنال ما تستحقه،
لقد قال كثيرا من كلمات الغزل وعاملها بنعومة تفوق الخيال،
لتنام في النهاية قريرة العين، منعمة بدفئ حضنه، ورائحة عطره التي تغمرها بقربه الشديد، ثم يهل صباح اليوم الجديد، وتستفيق على حقيقة وضعها، بعدما انقشعت السحابة الوردية التي كانت تطير بها في عالمه الجميل .
– انتي صحيتي امتى من جمبي وسبتيني؟
انتفضت ينتشلها الصوت الرخيم من غمرة شرودها، لتلتف اليه وتجده مضجعًا بجذعه العاري امامها على قائم التخت، فتتهرب بأبصارها عن النظر اليه مباشرة، وتجيبه بكلمات متقطعة من فرط خجلها:
– ماا… دي عادتي….. دايما بصحى بدري.
تبسم ثغره باتساع، مستمتعًا بلون الحمرة الذي كسى بشرتها وحيائها الذي كلفه كثيرًا من الصبر والتروي بالأمس حتى نال السعادة بوصالها في نهاية الأمر،
ليزيد بمشاكستها الاَن:
– مش معقول يا بهجة تكوني لسة مكسوفة بعد اللي حصل ما بينا؟
برقت خضرواتيها بإجفال تأثرًا بجرأته، لتعض على شفتيها بارتباك شديد ظهر في حركة جسدها وهي تزيد من ضم اقدامها اليها، فتنكر ببلاهة، ومزيدا من التلعثم:
– لاااا مش مكسوفة ولا حاجة، ااا…. دا حتى انا بقول….. اقوم احسن واروح امشي.
في الاَخيرة كانت تنزل بقدميها على الأرض، لتستقيم بجسدها وتشرع في التحرك، فهتف هو يوقفها معتدلا بجسلته:
– تقومي تروحي فين يا بهجة؟ استني هنا.
اذعنت لأمره تجيبه:
– واستنى ليه؟ الساعة زمانها داخلة على سبعة، الحق اروح بيتنا ، وانت ممكن تريح الساعة دي، او تروح الشغل في الميعاد اللي تحبه.
– ومين قالك اني رايح الشغل اساسا النهاردة؟
تمتم بها ثم نهض يقف مقابلا لها، ليقترب وتمتد ذراعه ليزيح بيده شعرها للخلف، مردفًا:
– طب بذمتك، تبقى صباحيتنا النهاردة واسيبك واروح الشغل، حد يجيله قلب يسيب الجمال ده؟
دنى برأسه نحوها، حتى كاد ان يقبلها ولكنها تراجعت بحدة قائلة:
– بس انا مينفعش اتأخر عن اخواتي، امبارح اتحايلت بمدام نجوان وقولت انها لوحدها، لانك مسافر والدادة مش معاها، النهاردة هقول ايه؟
بحزم لا يخلو من لين جذبها فجأة اليه، يقنعها بهدوء:
– طيب وجودك عندهم دلوقتى ايه لزمته؟ مش دا برضو ميعاد شغلك في المصنع ولا انتي ناسية؟
سهمت نظرتها باستيعاب قائلة:
– ايوة بس انا متعودة احضرلهم فطار و…
قاطعها يقربها اليه مرة اخرى مرددًا:
– وايه يا بهجة؟ اللي اعرفه ان اخواتك مش صغيرين ولا اطفال عشان تجري تفطريهم قبل ما تروحي الشغل…. ولا انتى عايزة تهربي مني؟
– ها….. طب وشغلي في المصنع؟
تمتمت بها تطالعه بتيه، بعدما مال بوجهه نحوها، حتى اصبحت انفاسه تلفح بشرتها مردفا بهيام:
– مصنع ايه كمان يا شيخة بس؟ وهو دا وقته؟ بقولك صباحيتنا وانتي عايزه تجري وتسبيني.
رفعها فجأة من خصرها من الخلف، يعتقلها بذراعيه حتى لم تعد اقدامها تلامس الارض، شفتاه عرفت طريقها، لتطوف على كل جزء تصل اليه من بشرتها، حتى وصلت لمبتغاها، في قبلة عاصفة اذابت البقية الباقية من مقاومتها،
حتى سقط بها فوق الفراش، ليعتدل، كي يحل ربطة المئزر الذي كانت ترتديه وقد عقدتها عدة عقدات، ليعقب بضجر:
– انتي امتي لحقتي تلبسي الروب ده وتتكلفتي بيه كدة؟
وجدت صوتها بصعوبة تجيبه:
– وانت نايم، عشان مكانش جايلي نوم.
ضحك بخبث مرددًا وهو ينزعه عنها:
– ويعني جالك نوم لما لبستيه، طب انا هطيره منك خالص النهاردة.
❈-❈-❈
وفي منزلهم الجديد،
كان الثلاثة على مائدة الطعام يتناولون وجبة الإفطار التي أعدتها جنات سريعًا، قبل ذهابها الى الجامعة هي الأخرى، بعد اتصال شقيقتها بها منذ لحظات تخبرها بالذهاب الى عملها وعدم استطاعتها للحضور في هذا الوقت، فكانت هي تقوم بدورها الاَن:
– خلص أكلك كله يا ايهاب عشان تركز وتستوعب، وانتي يا عائشة، متسبيش حاجة في اللانش بوكس بتاعك، لازم تاكلي عشان تكبري.
بابتسامة ساخرة ردت الاخيرة :
– حاضر يا ابلة، مش هسيب ولا حاجة عشان اكبر.
-‘بتتريقي عليا يا عائشة؟
– لا يا ستي، وانا اتريق ليه بس؟
تمتمت بها تنفي ببراءة ردا على شقيقتها، ليتدخل ايهاب هو الاخر يعقب بدوره:
– عندها حق يا عائشة، بلاش اسلوبك ده يا مصيبة احنا فاهمينك.
– انا برضو؟ والنعمة مظلومة.
قالتها بدراما اضحكت شقيقيها، قبل ان تنهض فجأة وتسألهم:
– طب انا خلصت وعايزة اروح مدرستي، مين فيكم اللي هيوصلني مدام بيبو مش موجودة؟
تطوع ايهاب والذي انهى طعامه هو الاخر:
– اوصلك انا يا ستي، خليها تعرف انها سايبة وراها رجالة .
ايوة بقى يا هيبو يا جامد.
هللت بها جنات وهي تتابع مغادرتهم، لتعلق عائشة بمزاحها كالعادة:
– دا راجل دا ؟
على الفور نالت جزائها، بلطمة خفيفة على رأسها من الخلف، يظهر لها حزمه:
– راجل غصب عنك يا مقصوفة الرقبة، امشي يا بت انجري قدامي، امشي.
لتذعن بطاعة تتقدمه، امام ضحكات جنات التي لا تتوقف لمشاكسات الاثنان.
❈-❈-❈
ولجت الى غرفة زوجها صباحًا تحمل فنجان القهوة عقب انهاءه الافطار سريعًا من اجل تلك المكالمة الهامة التي قام بها مع شريكه الجديد، يدفعها الفضول لسؤاله:
– القهوة يا قلبي زي ما طلبت.
رد يجيبها اثناء ارتداء ملابسه:
– تسلم ايدك يا قلبي، بس انتي كلفتي نفسك ليه؟ ما كانت جابتها واحدة من الشغالين .
وضعتها على الطاولة الصغيرة التي تحتل جانبا من الغرفة، لتقول بمكر تجيده:
– وانا روحت فين لما واحدة من الشغالين تجيبها؟ كيمو حبيبي اخدمه بعيوني.
التف اليها فاغرا فاهه، قاطبُا حاجبيه للحظات بتفكير وتوجس، فتقابله هي بهذه النظرة البريئة لتثير تسليته، ف اقترب وتناول فنجان القهوة مرددًا:
– تسلم عيونك يا جميل ، اكيد المحلسة دي وراها طلب مخصوص، قولي على طول يا رباب ومن غير مقدمات، جوزك مستعجل.
– ليه بقى مستعجل، انت ميعادك اساسا تسعة.
ارتشف يتلذذ بطعم المشروب الساخن قبل ان يجيبها:
– ما انا ناوي اروح المصنع اطل عليه الاول، رياض اتصل بيا وقالي انوب عنه عشان النهاردة مش موجود.
سمعت الاسم ليعود اليها الفضول:
– حلو اوي مدام جيبت سيرته، مش هتحكيلي بقى حكايته؟
– احكيلك حكايته دلوقتي يا رباب؟ وانا بقولك مستعجل.
وضع الفنجان وتحرك مسرعًا ليرتدي سترته، فلحقت به تلح :
– وحياتي عندك يا كارم، انت كل مرة كدة تعلقني، تقولى كلمتين عن الغامض بسلامته وتسيبني بقى اضرب والف في التخمينات، انا عايزة اعرف بقى النهاردة سر عزوفه عن الستات.
تطلع الى هيئتها وهي تضرب الارض بقدمها وكأنها طفلة وليست زوجة وام، فقال لها ليزيدها شغفًا:
– طب مدام كدة بقى، خدي الجديدة عشان تتعلقي اكتر، رياض الحكيم شكله واقع لشوشته مع البنت الجديدة جليسة والدته.
اصدرت شهقة عالية برقت لها عينيها لتتشبث به بإصرار:
– دا بجد؟ وحياتي لو بجد لتحكيلي دلوقتي حالا، حالا يا كارم وحياتي عندك.
اطلق ضحكة مجلجلة لينزع كفيها عنه ثم يهرول من امامها مرددًا بمرح:
– لما ارجع من الشغل بقى يا قطة، دا لو افتكرت اصلا .
استمر بضحكاته حتى اختفى لتعلق هي في اثره:
– ماشي يا كارم، وديني ما انا سيباك المرة دي.
❈-❈-❈
والى مجيدة التي خرجت من غرفتها مجفلة على صوت الشجار الصباحي بين ابنها وزوجته:
– طب انا قولت مش هتخرجي النهاردة يا لينا، يعني مش هتخرجي، وريني بقى هتكسري كلمتي ازاي هاا؟
– طب مدام انت وصلتها لكدة، يبقى عند بعند وانا خارجة يا امين، وخليني بقى اشوف تحكمات حضرتك دي هتوصل بينا على فين؟
– هتوصل للطريق المعروف يا حبيبتي، تحبي اقولك هو فين ؟ ولا على ايه اهو المأذون في الشارع اللي ورانا، انا اجيبهولك دلوقتي عشان نختصر.
– باااااس
صرخت بها مجيدة توقف هذيان ابنها امام زوجته المتمردة بغباء رغم طيبة قلبها التي تشهد بها، واقتربت بأعين حمراء توجه خطابها بحزم نحو الاثنين:
– لحد هنا وتوقفوا ستوب انتوا الاتنين ، انا اسكت وافوت على كله، لكن توصل لطريق الماذون اقطع رجليكم انتو الاتنين، شغل العيال بتاعكم يمشي في كل حاجة إلا دي .
اطرقا الاثنان بخزي امامها، شاهدين على أنفسهم بالخطأ، ليدافع ابنها مبررًا:
– هي اللي بتطلعني عن شعوري يا ماما بعمايلها، كل كلمة تراجعني فيها، لا بتسمع كلام ولا حتى بتقدرني.
رفعت لينا رأسها اليه بخضة تشير بسبابتها نحو نفسها بعدم تصديق:
– بقى انا مبقدركش يا أمين؟ طب ايه اللي عملته عشان يثبت كلامك ده؟
ثار بها:
– والخناقة اللي بنتخانقها دي بسبب ايه؟ مش عشان جناب حضرتك مش قابلة توقفي يوم واحد من غير شغل، حتى وانتي عارفة بالعزومة اللي عاملها النهاردة لعصام ومراته.
دبت بقدمها على الارض صارخة:
– بقولك عندنا اجتماع مهم ، يعني لازم احضر، دا غير ان العزومة بالليل، يعني اقدر ارجع بعد ما اخلص الاجتماع على طول واحضر العزومة، دول نفرين بس ياناس، هو احنا هنعمل وليمة؟
– اه يا حبيبتي وافرضي نفرين، طب انا بقى عايز اعملها وليمة بجد.
صاح بها فجاء الرد من والدته:
– خلاص يا حبيبي فهمنا، انت عايز وليمة تشرفك قدام صاحبك، وانا بقى لزمتي ايه في البيت هنا؟ دا غير انها قالتلك انها على ما ترجع من شغلها، يعني هتنجز معايا ان شاء الله، انت بقى مش ليك وليمة تشرف وخلاص.
– وانا هساعد معاكي يا ماما.
كان هذا صوت شهد التي خرجت من غرفتها على صوت الصياح، ليأتي رد زوجها بحنق هو الاخر:
– وانتى قاعدة مكانك على الكرسي يا شهد، وكمان مش كتير عشان ضهرك .
– كتر خيرك يا بشمهندس مش عايزين نتعبك معانا
قالها امين بنبرة ساخرة قابلها شقيقه بوجهه العابس:
– دا عشان العريس والعروسة يخصونا احنا كمان يا حبيبي، مش عشانك .
تبسمت مجيدة لمشاكساتهم التى لا تنتهي لتتوجه نحو ابنها صاحب المشكلة:
– وكدة يبقى فاضل الحلو ودا على انيسة من امبارح موصياها عليه، عندك اعتراض تاني يا غالي؟
تهللت ملامحه بابتسامة ينفي:
– لا خلاص يا ماما، مدام في حلو من حماتي العزيزة، يبقى تغور مطرح ما هي عايزة تغور.
اجفلت لينا بقوله، لياتي ردها على الفور، تضرب بقبضتيها على ذراعه وصدره:
– ايه تغور دي؟ ايه تغور دي ؟ مش تحسن الفاظك يا حضرة الظابط المحترم، في حد يقول كدة لمراته ام ابنه اللي جاي في الطريق؟
امسك بقبضتيها داخل كفيه، يتمتم غائظًا لها:
– وان محسنتش هتعملي ايه؟
– ااه ايدي بتوجعني يا امين وانت قارص جامد.
تأوهت بها تعبر عن المها، مختلطًا بعتبها ونعومتها حتى تأثر بضعفها ولانت قبضته :
– طب بطلي انتي تستفزيني الاول ، وانا مش هقرص عليكي .
نزعت يدها منه قائلة بنبرة يشوبها الدلال :
– انا برضو اللي بستفزك ولا انت اللي قاسي وبتحب تيجي عليا .
– اناااا؟ شالله تعدميني لو قاصد .
– بعد الشر عليك .
مصمصمت مجيدة المتابعة بشفتيها، لتغمغم بغيظ منهما:
– شوف يا اخويا قلبو ازاي في ثانية، دا انتو اللي داخل ما بينكم خارج .
عقب ابنها الاخر بعبوس:
– دلع مريء يا ماما.
استدارت كي تعقب على قوله، ولكنها تفاجأت به منشغلًا في الحديث مع زوجته يهمس في اذنها هو الاَخر بصوت هامس يجعلها تضحك، لتغمغم هي عائدة لغرفتها:
– يا ولاد المجنونة، بقيت انا زي العزول وسطيكم.
❈-❈-❈
متكئًا على الاريكة الوحيدة بداخل شرفته، ينفث الدخان من سيجارته وكوب الشاي الساخن يرتشف منه بتلذذ وهو يرهف السمع لصوت تسجيلات المكالمات التي استطاع الحصول عليها بتهكير الهاتف الخاص بخالته، غير مراعيًا لحرمة القرابة او الحلال او الحرام، او حتى مروءة تمنعه من التنصت على الأحاديث الخاصة بالنساء.
منذ الأمس وهو ينتظر على احر من الجمر، تلك المكالمة التي تجمع بينها وبين ابنتها العزيزة التي تمردت عليه ونالت الحظ لتصبح امرأة اخرى، غير تلك التي كان يتحكم بها، ويخضعها بأقل مجهود،
وقد أتت الاَن ليستمع بتركيز شديد لكل جملة قد يأتي من خلفها فرصته:
– ايوة يا امنية، البت رؤى مطلعة عيني ع الرحلة اللي بتزن عليها، يرضيكي يعني تبات ليلتين في بلد غريبة ملهاش اهل؟
دوي صوت ضحكتها في البداية ثم جاء ردها:
– يا ماما بلد غريبة ايه بس؟ دي بتقولك الغردقة، وهي اساسا طالعة تبع الجامعة ووسط اصحابها متقلقيش عليها انتي، خليها بس تيجي بدري تاخد الطقم اللي كانت مكلماني عليه، عشان انا مش مسئولة لو جات وملقتنيش موجوده.
– ليه يا بت رايحة فين؟
– يا ماما ما انا قولتك، عندنا عزومة عند طنط مجيدة، امين صاحب عصام عازمنا ع العشا، دا غير اني لازم اخرج الاول اشوف حاجة البيت والناقص في المطبخ.
– امممم يعني شهد هي اللي عازماكي، اخص، ومهانش عليها تعزمني انا واختك معاكم؟ كنا هنتقل عليهم يعني ولا معندهمش مقدرة لنفرين زيادة؟
– ماما انتي سمعاني بقولك ايه؟ شهد ملهاش دعوة، امين هو اللي عازمنا، بلاش طريقتك دي الله يخليكي، ومتنسيش تنبهي على رؤى زي ما قولتلك، بنتك بتنسى وانا معنديش خلق لقمصتها، سلام بقى.
– سلام يا ختي، ما انا عارفة مليش بخت معاكم.
– الله يسامحك يا ماما، هسيبك بقى وهقفل.
❈-❈-❈
وفي داخل المصنع حيث كانت منهمكة بعملها كالعادة في هذا الوقت، في انتظار قدومه كي يطلع على ما انجزته بمهارتها كالعادة،
وكانت المفاجأة حينما صعقت لقدوم شريكه الاخر، يلقي التحية بعمليه:
– صباح الخير يا لورا، هاتيلي الملفات المطلوبة بسرعة على المكتب ورايا .
تجمدت لمدة من الوقت، حتى ملكت زمام امرها، لتلحق به بعد ذلك، تدلف خلفه الى المكتب، ثم تضع الملفات امامه برسمية قائلة:
– الملفات يا فندم.
تمتم ممتنًا يطلع عليهم على الفور:
– شكرا يا لورا، اما اخلصهم هنهدلك على طول.
كاد ان يغرق بالتركيز فيهم، ولكن حينما وجدها لم تتحرك رفع رأسه اليها باستفسار:
– في حاجة يا لورا؟
تشجعت بجرأة تسأله:
– انا بس مستغربة انك تحل محل رياض باشا النهاردة من غير ما يبلغني.
تبسم يجيبها بهدوء:
– لكنه اتصل بيا انا وبلغني احل محله يا لورا، ولو مش مصدقة روحي اتصلي واسأليه .
بدى عليها الحرج وهي تبدي أسفها :
– انا بعتذر يا فندم، مش قصدي ابدا اي حاجة وحشة.
– مفيش داعي للأسف يا لورا اتفضلي روحي شوفي شغلك.
قابلت امره هذه المرة بطاعة لتخرج على الفور تاركة غرفة المكتب، ليعود هو للاطلاع على الملفات مرددًا بضحك:
– حتى مديرة مكتبك نسيت تبلغها بغيابك يا رياض، اقطع دراعي ان ما كنت بتلعب بديلك يا خلبوص.
أما عنها وفور ان حطت بجسدها على كرسي مكتبها حتى صارت تهاتفه العديد من المرات، ومحاولاتها تبوء بالفشل مع استمرار الرسالة التي تخبرها بغلق الهاتف، حتى فاض بها لتغمغم بحنق:
– يعني قافل تليفونك في وشي انا وتتصل على شريكك عادي! ماشي، ما شي يا رياض.
❈-❈-❈
خرجت اليه، بعد ارتدائها قطعة من تلك الملابس التي تمتلئ بها الخزانة، بنصف كوم وتصل الى اسفل ركبتيها، لم ترى ابدا في نعومة قماشها، ولا بأناقتها رغم انها بيتيه، حتى بدت عليها وكأنها امرأة اخرى، تشبه اللاتي تراهم في التلفاز وعلى شاشات الهاتف.
وان كانت هي شعرت بذلك فما بالها بذلك الخبير الذي صار يتطلع اليها بانبهار، لم يكن خاطئًا حينما راهن على رقيها وفتنتها التي كانت تدفنها اسفل الملابس الباليه والباهتة.
هتف يستقبلها من خلف طاولة البار للمطبخ الضخم:
– ايوة بقى، طلي كدة ونوري دنيتي من تاني، انا بقالي ساعة مستنيكي، كل دا في الشاور يا بهجة؟
ردت بحرج وصوت رقيق:
– معلش ما انا سرحت شعري كمان.
غمز بعيناه يغازلها:
– ما انا خدت بالي يا قلبي، بس مش كنتي استنيتي اسرحولك بنفسي؟
خجلت ان تعطيه رد فدهشتها به لا تتوقف، ليطلق ضحكة صاخبة يشير اليها لتنضم معه، حتى اذا دلفت اليه بداخل ذلك الشيء الضخم والذي يشبه الغرف بمساحته الشاسعة.
حينما اقتربت ضمها اليه يقطف قبلة خاطفة من وجنتها، ثم أجلسها على احد المقاعد امام الطاولة التي تتوسط المطبخ، يدللها قائلا :
– انتي تقعدي هنا زي البرنسيس على ما احطلك الاكل اللي عملته بإيدي.
– عملته بإيدك!
رددت بها بدهشة قابلها هو بضحكة صاخبة مرة اخرى ليردف :
– سخنته يا ستي، بس على فكرة انا فعلا ناوي في مرة ادوقك اكلي، ما انا كنت ساكن لوحدي لفترة طويلة وكان من ضمن هواياتي الطبخ.
مازالت تلفها حالة الانبهار والاندهاش، هذا الرجل الغامض الذي يعاملها الاَن كأميرة، يظهر لها مواهبه وبساطته في الحديث وكأنها بالحق اصبحت شيء هام له.
وضع امامها عدد من الاصناف، وبحماس شديد وضع لها قطعة كبيرة من صنية المعكرونة التي أمامها، معلقًا:
– عايزك بقى تدوقي النجرسكو الاول، دا انا جايب جوليا من بلدها مخصوص عشان تعملهولنا، اصلها ممتازة فيها.
تسائلت بدهشة اعتلت ملامحها:
– انت قصدك ع البنت اللي شوفتها امبارح؟ انت بجد جايبها من بلدها عشان كدة؟!
ضحك للمرة التي ما تعد تذكرها، يقول بمرح:
– يا ستي هي كانت جاية مصر اصلا، وانا لما سألت مدير مكتب التشغيل دلني عليها، اشترطت عليه تكون بتعرف تعمل كل اصناف المكرونة الإيطالي لأني بعشقها، هي والنجرسكو طبعًا، وبصراحة البنت طلعت ممتازة، دوقي كدة.
قال الاخيرة يضع بفمها، شوكة ممتلئة من طبقه، تناولتها لتلوك بها داخل فمها، تتزوق الطعم الرائع، حتى ابدت إعجابها:
– هي فعلا عاملاها حلو اوي، بس انا مستغربة صراحة انك تجيب واحدة اجنبية تخدمنا ولا عشان…..
اقترب بكرسيه يلتصق بها، مردد بصوت تغيرت نبرته:
– عشان ايه؟ قصدك يعني عشان متعرفش تطلع خبر جوازنا، تصدقي ممكن يكون صح، رغم انها كان ممكن تكون مصرية برضو عادي، اصلا انا مش بشغل عندي أي حد، بس انا لما جيبتها مكانش دا غرضي…… انا كان غرضي ساعتها الاقي الأكل اللي بحبه في المساحة اللي اخترتها عشان ارتاح فيها……. معاكي يا بهجة.
كان قريبا بوجهه منها حتى يزيد من ارباكها حتى انها لم تكن لديها القدرة لتجاريه رغم عدد التساؤلات الكثيرة بداخلها، وهو كان خبيرا في سرقة تركيزها معه، يطعمها بيده كما أنه لا يتوقف عن مداعباته، وعقلها لا يستوعب اكتشاف شخصيته الجديدة منه.
❈-❈-❈
وفي منزل خميس الذي خرج من غرفته بوجه متجهم يغمغم بالكلمات الحانقة والبذيئة، يلعن البيت وساكنيه، وقد فاض به منهم على حسب قوله :
– مصيبة تاخدكم كلكم، ولا نفر فيكم يفتح النفس.
فور ان صفق الباب بقوة وغادر، تحركت سامية تاركة الشرفة التي كانت تتنصت منها، لتركض متجهة نحو والدتها داخل الغرفة.
هتفت بالسؤال فور ولوجها، ورؤية المذكورة جالسة على كرسيها، بهيئة كانت خير دليل على سخونة الأجواء؛
– ماما، شوفت ابويا وهو خارج من عندك بيزعق، ايه اللي حصل؟
زفرت تشيح بوجهها عنها قائلة:
– روحي يا ختي اسأليه هو، انا روحي في مناخيري، ومش طايقاه ولا طيقاكم معاه.
مالت نحوها بميوعة تقصد المزاح معها:
– طب مش طايقاه هو، مالنا احنا بس يا درية؟ غلطنا فيكي مثلا ؟ ولا هو يطلعهم عليكي وانتي تطلعيهم علينا يا دردر.
نزعت ذراعها الذى تطوقها به، تنهرها بحدة:
– لأ يا ختي مش بطلعهم عليكي ولا بتبلى، عشان انتو السبب فعلا، اخواتك اللي هاجين على روسهم يلفوا على مقصوفة الرقبة اللي غارت وطفشت، واحد سايب مراته على وش ولادة، والتاني ما حد عارفله طريق، بيجي البيت زي الغريب ، ياكل بس وينام .
– يعني انا الوحيدة اللي عاقلة فيهم.
صاحت بها:
– انتي اكتر واحدة فيهم معوجة، الراجل صاحب ابوكي كلمه تاني ودا مصدق، جاي راجع من عنده يبخ فيا، ان انا السبب في دلعك المريء، واني لو ست زي باقي الستات، كنت عرفت ازاي اخليكي توافقي ، عشان يخلص ع الاقل من همك.
عبست سامية بملامح مكفهرة:
– يعني هو يقرف من خيبة الولاد يقوم يجيبها فيا، ما انا نصيبي قاعد وفي اي وقت ممكن يحصل.
– امممم.
زامت بها درية بفمها بسخرية لتمصمص بشفتيها معقبة:
– دا على اساس انه هيحصل بجد، وانتي باصة في العليوي، ومعلقة نفسك بالحبال الدايبة.
– لا ياما مش دايبة، وهيحصل ان شاء الله قريب.
كان الرد بصمت ونظرة مستخفة زادت من تصميمها ، لتردف بحزم:
– استهزأي يا ماما براحتك، بكرة افكرك بكلامي ده، المهم دلوقتي عايزين نروح نبارك لشادي بعد ما رجع من شهر العسل.
اصدرت صوتًا مستهجنًا تعبر عن رفضها:
– شوف يا اخويا اقولها ايه تقولي ايه؟ بت انتي عايزة تروحي روحي لوحدك يا اختي، انا لا عندي مرارة ليه، ولا لأي حد يفرح قدامي، طول ما انا مرزوعة في الهم بسببكم.
نهضت تمطرها بالقبلات ، لتلح عليها وترجوها:
– وغلاوتي عندك ياما، روحي معايا ان شاءالله حتى المرة دي وبس، ع الاقل عشان تتباهي قدام عمتي وناس العروسة بطقم الدهب اللي جبتيه قريب، ويعرفوا مين هي درية مرات الحج خميس .
❈-❈-❈
ترجلت صباح من الحافلة الخاصة بالعمل ، لتحط بأقدامها على قارعة الطريق المؤدي الى منزلها داخل الحارة الضيقة، برشاقة تناقض حجمها الضخم، فهي لا تظل محلها ابدا، تنهك نفسها بالعمل وخدمة البشر من الجيران والاقارب والاحباء، حتى لا تستسلم لوحشة الوحدة بعد وفاة زوجها وخلاء المنزل عليها وحدها، دون ابناء انجبتهم، ولا اخوة رزقها الله بهم.
– ست صباح ست صباح.
دوى الصوت المنادي بأسمها وقبل أن تستدير لصاحبه، وجدته يقف مواجها لها:
– انا اهو قدامك يا ست صباح.
صاحت به غاضبة:
– انت هتعملي زي فرقع لوز يا جدع انت، وكل مرة الاقيك تتصدر طريقي، خلي بالك المنطقة هنا كلهم حبايبي، يعني لو بس أشرت هتلاقيهم كلهم هجموا عليك دلوقتي.
– اطرق برأسه يبدي اسفه:
– عارف اني غلطان يا ست صباح اعذريني ، بس انا قلقان ونفسي اطمن، ولاد عمي معرفش مكانهم ، وبهجة، كل ما اروح استناها عند المصنع ما بشوفهاش، مش فاهم انا بتستخبى مني دي ولا ايه؟
عند ذكر بهجة، طغى ارتباك خفيف يعتلي ملامحها، لكنها سرعان ما استطاعت السيطرة عليه، لتظهر الحدة في حديثها:
– وافرض بتستخبى منك ولا مش عايزاك تشوفها اصلا، ما تحترم رغبتها، سيبوها بقى ترتاح هي واخواتها، دول اغلب من الغلب، هو انتوا لا ترحموا ولا تسيبو رحمة ربنا تنزل.
صدرت الكلمات بعفوية منها حتى شعرت بالندم حينما رأت تأثيرها عليه، لتعود ملطفة بعض الشيء:
– لمؤاخذة يا اخينا، انا كدة ست اللي في قلبي على لساني، ولساني دا مالهوش رابط.
– ولا يهمك يا ست صباح، ع العموم انا مش هسألك تاني، بس برضو مش هسكت غير بعد ما اطمن عليهم، عن اذنك.
سحب اقدامه وتحرك مغادرًا من امامها، لتغمغم هي في اثره:
– اذنك معاك يا خويا، شكلك كدة فيك حاجة طيبة بس عايزة تتنضف.
❈-❈-❈
انهت جولتها بعدما ابتاعت عددا من المشتريات ، وكانت في طريقها للذهاب، توقفت على اول الطريق، تبتغي إيقاف سيارة تقلها الى منزلها، فتوقفت احدى السيارات القريبة سريعًا امامها.
تبسمت بارتياح تدخل المشتريات اولا ثم هي من الخلف، تخاطب السائق بامتنان:
– متشكرة اوي، جتلي بسرعة ووفرت عليا الوقت.
جاءها الرد بنبرة ليست غريبة عنها.
– العفو يا هانم انتي تؤمري.
اصابها الهلع، تكذب اسماعها ولكنه أكد، يلتف اليها فيخلع الشارب والذقن المزيفان، والنظارة التي كانت تخفي العينين، متمتمًا بوعيد:
– ايه رأيك في المفاجأة يا امنية؟ وحشتيني، قولت لازم اشوفك.
رغم الخوف الذي كاد ان يوقف قلبها، إلا ان رؤيته وتلك الذكريات التعيسة التي خلفها بداخلها كانت لها الفضل في شحن قوتها من الداخل، لتهدر به بازدراء :
– وحش ياكلك، انت اتجننت يا حيوان انت؟ ولا مش واخد بالك انا متجوزة مين دلوقتي؟
اصدر ضحكة قميئة يفوح منها العفن القابع في نفسه الخبيثة:
– قصدك على حالظابط عصام اللي قبل يتجوزك حتى بعد ما قولتله اللي فيها، وع العمايل اللي كنت بعملها معاكي في المخزن؟ لا بصراحة طلع راجل اوي .
– راجل وغصب عنك، بس انت هتعرف الكلمة دي منين؟ وهي ابعد من خيالك المريض اصلا، وقف العربية حالا، لاتصل بجوزي يسحلك ع السجن ويخليك تمسح حماماته.
كز على اسنانه ليضغط على مقود السيارة يزيد من سرعتها بعدما صعد بها نحو الطرق السريعة، مرددًا بغيظ:
– طب خليه يعملها ولا يوريني مرجلته وانا كنت اسلط عليه الجماعة اللي اتلميت عليهم في السجن، يدفنوه حي.
ضحك بجنون مستمتعًا برعبها:
– انا عضمي بقى ناشف اوي، والفضل طبعا يرجع ليكي يا غالية، انتي والسنيورة شهد .
زاد من حدة السرعة حتى ايقنت بقرب النهاية لتضرب بقبضتها على كتفه وظهره:
– وقف العربية خليني انزل، بقولك خليني انزل.
– ليه بس يا وحش؟ لتكوني خوفتي كمان؟
الى هنا ولم تعد بها قدرة على المواصلة لتسقط للخلف فاقدة وعيها تماما، حتى انتبه عليها في المراَة الامامية:
– ليوقف السيارة على جانب الطريق، ثم ترجل ليرى ما بها في الخلف، كان نصف جسدها كان مسطحًا على، الكنبة الخلفية، فظهر له وجهها وجسدها بصورة سال لها لعابه، ليبتلع ريقه برغبة واضحة، رغم قلقه من هيئتها، فدني يربت بكفه على خدها، وعيناه تجول عليها بوقاحة:
– بت يا امنية، انتي اغمى عليكي صح ولا بتمثلي زي عوايدك؟،…. انتي يا بت، شكلك بتمثلي زي عوايدك.
استقام فجأة مقررا امرا ما برأسه، زينه بعقله شيطانه، ظنا منه انها قد تصبح فرصة للانتقام، واخضاعها بعد ذلك، ولكن صوت سرينة البوليس التي دوت فجأة عن قرب جعله، يركض سريعًا، ويترك المكان برمته هاربًا الى وجهة ما.
❈-❈-❈
شرودها هذه المرة كان مختلفًا، حالة غريبة من السكون، لأول مرة تشعر بها الدادة نبوية، هذه ليست تلك المرأة التي كانت تغلبها في الركض والبحث عنها، اما عن الحزن، فهو اصبح كالوشم يزين ملامحها الجميلة.
اقتربت لتجلس مقابلة لها في الشرفة التي تلتزم الجلوس بها منذ ساعات :
– مدام نجوان القمر، تحب تطلب حاجة اعملهالها؟
استجابت تلتف اليها بابتسامة، وصمت دام للحظات، قبل ان يخرج ردها :
– بهجة.
تبسمت نبوية بمرح:
– بهجة، ما انا قولتلك من شوية ان عندها ظرف طارئ يمنعها تيجي النهاردة كمان، يبقى نديها عذرها بقى.
اومأت برأسها تعود للنظر نحو الحديقة مرة اخرى، دون ان تضيف بأي شيء، فواصلت نبوية حثها على الكلام، بفتح مواضيع شتى، ولكنها لم تستجيب.
❈-❈-❈
اما في شرفة اخرى ومكان اَخر، كان يقف هو خلفها يشير لها بطول ذراعه:
– شايفة يا بهجة، اهي الارض اللي هناك دي كلها أرض بابا الله يرحمه، بس هو مكانش مهتم بالزراعة، ولا الكلام ده، كل اللي كان همه شغف الموضة والأزياء ، كان مجنون على رأي ماما، ودا اللي حببها فيه.
التفت اليه تعقب بصدق ما تشعر به:
– اكيد مش الجنان بس اللي حببها فيه، اللي بيحب ما بيشوفش عيوب حبيبه اصلا ، دي حاجة بتبقى من عند المولى .
ظل صامتًا لفترة من الوقت يلامس نعومة بشرتها بأنامله، او يزيح خصل الشعر الحريري للخلف، بنظرة غير مفهومة جعلتها تحسم مردفة:
– على فكرة انا لازم اروح، مينفعش اتأخر عن كدة.
زفر يقلب عينيه بسأم يعقب ردا لها:
– تاني برضو بتفكريني؟ دا انا ما صدقت اني فصلت عن العالم كله بقربك، انا مشبعتش منك يا بهجة.
لماذا تتغير نبرته حينما يتحدث معها في هذا الشأن ، يجعلها تشعر باحتياجه اليها، وكأنه طفل وجد امانه بقربها، لكن وما ينتظرها من مسؤوليات، ماذا تفعل بها؟
– مينفعش اتأخر اكتر من كدة، مش عايزة اخواتي يقلقو .
تنهد هذه المرة باستسلام ليضمها اليه بشدة، وكأنه لا يريد تركها ابدا:
– شوفيلك حل، انا لازم في اقرب وقت اخدك واروح بيكي رحلة تستمر لأيام، انا حاسس الوقت عدى ثواني، ولا مش ساعات ولا دقايق.
استسلمت لغمرته لها، غير قادرة على التعقيب او الجدال، فها عقلها قد عاد اليها، بعدما حطت على ارض الواقع ، تفكر فيما ينتظرها من مواجهة لأشقائها، رغم عدم علمهم بزواجها، ولكنها تحسب حساب الكذب الذي اعتادت عليه هذه الايام .
❈-❈-❈
وقف خلف حجرة الكشف يراقب الطبيبة وهي تفحصها، بغضب يحرق كل خلية من جسده، دماءه كلهيب بركان خامد، ينتظر الفرصة ليحرق الأخضر واليابس .
زوجته هو تتعرض لهذا الموقف، خطف واغماء داخل سيارة اجرة بوسط الطريق ، يقسم متوعدًا لمن فعل ذلك بأشد عقاب يناله، لن ينتظر حكم قاضي او محكمة، حتى او اضطر لارتكاب جريمة.
– ايه الاخبار، فاقت ولا لسة؟
كان هذا صوت امين الذي فور ان علم بما حدث، ترك ما بيده من عمل، وأتى على الفور .
أومأ يجيبه بصوت مختنق:
– الدكتورة اديتها حقنه مسكنة، وقالتلي اصبر عليها على ما تهدى.
– ساله بحرج:
– طيب هي فحصتها كويس؟ اتأكدت انها كويسة عضويا ولا اتعرضت لاي…. اعتداء، من أي نوع.
– لا الحمد لله ، المجرم اللي خطفها ملحقش يعمل معاها اي حاجة ، الاغماء كان طبيعي نتيجة الخضة والانفعال ، انا مش عارف حصل معاها ايه، بس تفوق وتقدر تتكلم، ساعتها هعرف اتصرف .
ربت امين بكفه على ذراعه العضلي بدعم ومؤازرة، ليتدارك هو ويسأله:
– صحيح ياريت تتصل بالجماعة وتديهم اي عذر عن حضور العزومة، بس بلاش تقلقهم، انا حتى متصلتش بوالدتها ولا اهلي، مش عايز لمة ووجع دماغ.
– حقك يا حبيبي، متشلش هم، كل حاجة هتمشي تمام وزي ما انت عايز.
قالها امين بمهاودة، وعقله يدور في ناحية واحدة، فهو على علم تام ان عصام ابدا لن يغفل عنها، ولكنه كتوم كالعادة.
❈-❈-❈
عادت لمنزلها ووسط شقيقتيها، ولكن تلك التغيرات التي حدثت ببشرتها التي كانت محرومة من الاهتمام ، جعلتها محل اهتمام لهما الثلاثة، وقد بدت لهما وكأنها تبدلت،
فما كان منها سوى اكمال الصورة لكي تجيد حبكتها، بعدما اصر هو الاخر على اخذها لعدد من الهدايا والملابس التي أتى بها اليها، كي ترتديها في حياتها العادية، وليست فقط معه:
– الله يا بهجة يعني انتي دخلتي مركز تجميل وكمان كل الهديا دي بتاعتك انتي؟ طب ليه مقولتليش كنتي روحت معاكي واخترتلك؟
ابتلعت ريقها تجيب عن سؤال جنات التي شغفها الحماس:
– يا بنتي ما بقولك، انا قبضت المكافأة من هنا، وست الريسة اصرت تاخدني من ايدي على البيوتي سنتر، والمول المشهور في وسط البلد، رأسها والف سيف اني اجدد من نفسي، وابقى انسانة تانية، الحمد لله ان الهدوم عجبتكم وشكلي بان عليه النضافة.
قالت الأخيرة بمزاح، لتزيد عليها عائشة:
– بان عليكي بس، دا انتي بقيتي طبق بنور ، ما تاخدينا انا والبت الغلبانة دي نقرب من حلاوتك شوية يا بيبو ، وبالمرة تبقششي علينا ونزيط احنا كمان.
ضحكت بهجة في رد لها:
– وهو انتي محتاجة تجميل يا مقصوفة الرقبة في سنك ده، بس لو ع الزيطة ، نظيطك عادي، ياللا شالله ما حد حوش.
– ايوة بقى .
هللت بها الاثنتان، يواصلن معها الحديث المرح، حتى عاد شقيقهم الرابع، والذي ما ان وقعت عينيه على بهجة حتى عبر عن اعجابه:
– ايه الحلاوة دي يا بيبو، لا تكوني روحتي لبنان واحنا مش دريانين.
– يا لهوي حتى انت يا ايهاب!
❈-❈-❈
وضعت رأسها على الوسادة اخيرا، بعد انتهائها من سرد مجموعة الأكاذيب التي اصبحت تجيدها امام اخواتها، كي تبرر لهم التغيرات التي تحدث معها ومعهم.
غير راضية عما يحدث ، ولكن تصبر نفسها انها فترة وستمر، بعدها ستنسى الزواج والرجال وكل شيء ، كل شيء،
اخرجها من شرودها صوت الهاتف الذي دوى فجأة برقمه، لتتوقف لحظات بتفكير عن سبب اتصاله في هذا الوقت المتأخر من الليل، قبل ان تحسم وتجيبه:
– الوو….
جاءها صوته كنغمة هادئة تطرب الاسماع:
– الوو يا بهجة قلبي، انتي نمتي ولا لسة؟
تمالكت تجيبه بصعوبة بعدما بادرها بغزله:
– لا طبعا لسة منمتش، انا يدوب مخلصة رغي مع اخواتي وحاطة راسي ع المخدة، يعني عشر دقايق بس، وكنت هروح في سابع نومة،.
– يا بختك.
توقفت تصلها صوت انفاسه، ثم واصل بنبرته الدافئة:
– انا بقى مش قادر يا بهجة، عمال اتقلب ع السرير، بمين وشمال ، وكل حتة فيا بتصرخ بإسمك، مش قادر انسى قربك ولا حضنك، انا هموت واضمك دلوقتي يا بهجة.
ازبهلت بحالة من التيه، تلجم لسانها لحظات حتى قالت :
– انا مينفعش اجيلك طبعا، حتى لو ينفع، ما اقدرش اسيب اخواتي.
وصلها صوت ضحكة خافتة منه ليردف:
– يا بهجة متقلقيش انا مبطلبش منك تيجيني.
– امال انت عايز ايه؟
تمتمت بها بحيرة:، فجاء رده المباغت لها:
– كفاية ابقى معاكي ع التليفون يا بهجة، تتكلمي ولا حتى تقعدي ساكتة، كفاية احس بنفسك معايا لحد ما اقدر انام، فاهماني يا بهجة؟
– فاهماك طبعا فاهماك.
رددت بها في استجابة له، وبداخلها تغمغم:
– دي باينها ليلة طويلة.
… يتبع
الفصل العشرون
الصباح
هو الفكرة الجميلة في عقولنا، يوم جديد، يحمل املًا جديد، شروق الشمس التي تفرد ضياءها على بقاع الأرض، ونسمات الهواء الرقيقة، مع الهدوء الذي يعم الأجواء، لتبعث في القلب الحماس للإنجاز وفعل المستحيل.
ليت باقي اليوم يصبح على هذا المنوال، فلا يصيبنا فتور ولا ضجر ولا إحباط.
#بنت_الجنوب
تحدثت بهجة بلهفة وهي تدور داخل المحل الجديد، تشرح على كل زاوية ما ستقوم بفعله مع اخوتها الذين أصابهم الانبهار بدورهم:
– وبكدة يبقى حققنا حلم ابويا وعملنا وكالة بدل اللي ضاع حقنا فيها، ايه رأيكم يا عيال؟
عبرت عائشة عن فرحتها:
– ايوة يا بيبو يا جامد، انا خلصت امتحاناتي، ايدي على ايدك من بكرة، همشيهولك زي المسطرة.
ضحك الثلاثة على قولها لتعلق جنات:
طبعا وتاخدي فرصتك على خلق الله في طولة اللسان، كدة ضمنت انك هتطفشي الزباين .
عبست عائشة بضيق جعل الثلاثة يعودون للضحك حتى توجهت بهجة بالسؤال نحو شقيقها الوحيد الصامت منذ ولوجهم، رغم انبساط ملامحه هو الاخر :
– ايه يا عمنا، انت الوحيد اللي متكلمتش، بتضحك وبس، ولا كأنك قايم بدور المتفرج وسطنا.
خرج صوت ابهاب بابتسامة مرح يفاجأها بقوله:
– اصل بصراحة رغم انبهاري، لكن عندي رأي مختلف، اخاف اقوله متقبليش.
ردت تحفزه بمشاكسة رغم اندهاشها:
– وافرض يعني مختلف ، قول يا سيدي واحنا يا ناخد بكلامك، يا نرميه ورا ضهرنا، دي حاجة اسهل منها ما فيش.
– ماشي يا ستي، تشكري على زوقك، بس انا بتكلم جد، اصل شايفك متمسكة بموضوع الوكالة رغم ان احنا منفهمش اوي فيها، يعني فرص نجاحها مش مضمونة، بدليل ان بابا نفسه الله يرحمه كان مدي مسؤولية ادارته لعمي اللي طمع في كل حاجة لنفسه بعد كدة .
اسنرعى انتباهها بكلماته، لتتخلى عن عبثها وتشاركه الجدية:
– عندك حق، بس دا المشروع اللي على قد فلوسنا، اي حاجة بعد كدة، هتبقى فوق مقدرتنا، وانا بصراحة…. عايزة مصدر دخل مفتوح عشان كمان شغلي مش مضمون…. وو.. ممكن اسيبه في أي وقت.
تقطعها بالكلمات الاخيرة جعلها الشك يتسلل اليهم ، والتساؤلات اصبحت على افواه ثلاثتهم:
– تسيبي المصنع يا بيبة، طب ليه ؟
– وطنط نجوان، هتسبيها هي كمان؟
– استنوا انتوا الاتنين، فهمينا يا بهجة، انتي قصدك ع المصنع ولا نجوان؟
– الاتنين.
قالت تشير بأصباعيها السبابة والوسطى، لتوضح أكثر:
– مش عيب فيهم، بس انا زهقت وعايزة يبقى ليا حاجتي الخاصة، افتح واقفل وقت ما انا عايزة مبقاش تحت امر حد.
وجهة نظرها كان بها من المنطق ما جعل الثلاثة يقتنعون بها، رغم حزنهم على ترك نجوان، ليأتي التشجيع من ايهاب الذي عبر عما يدور برأسه:
– حلو اوي، طب ايه رأيك بقى بمشروع بتكلفة اقل ومضمون ان شاء الله، بدل الوكالة نفتح كافيه، ع الاقل انا ليا خبرة فيه، بحكم شغلي في الاجازات، دا انا مجرب الشغل في كذا واحد، وعارف الدنيا بتمشي ازاي، دا غير انى مستعد اكلم اصحابي يساعدوني في تجهيزه بأقل الإمكانيات وفي نفس الوقت يبقى في احسن صورة .
الموقع هنا حلو اوي ، وليكي عليا لما نيجي تشغله بعد كدة، تبقى الدنيا اسهل والذ بكتير، ها ايه رأيكم؟
بصوت واحد خرج رد جنات وعائشة.
– انا موافقة،
– وانا كمان موافقة
– كدة متبقاش غيرك يا بهجة، ايه رأيك؟
ابتسامة ساحرة أطلت على ملامحها الرقيقة، يغمرها الاعتزاز لنضج شقيقها الصغير في التفكير وتحديد الهدف المناسب، فلا تملك الا رفع يدها في تأييده هي الأخرى:
– وانا موافقة بالثُلث.
❈-❈-❈
هبط الدرج قادمًا من غرفته في الطابق الثاني، ليخطو نحوهم بوجه مشرق لفت ابصار نبوية التي كانت تطعم في هذا الوقت والدته، يغمرها الاندهاش برؤية هذا التغير الذي طرأ عليه، ليختفي التجهم ويحل محله الاشراق بصورة يراها الاعمى، وليس البصير فقط، حتى القى بالتحية نحوهما، بابتسامة زادت من وسامته:
– صباح الخير يا حلوين.
هللت المرأة في ردها له:
– يا صباح النور ع البنور، عيني عليك بارده النهاردة يا رياض باشا.
ازداد اتساع ابتسامته حتى أطرق بشيء من خجل، ليسحب احد المقاعد ويشاركهم الجلسة حول طاولة الطعام، في مقابل والدته التي كانت تلوك الطعام بتأني وابصارها منصبة عليه، ليبادلها النظر مردفًا:
– دا عينك انتي اللي حلوة يا دادة، عاملة ايه يا نجوان هانم؟
لم تجيبه بالطبع ، وظلت تتابع طعامها وكأنها لم تسمعه،
تدخلت نبوية تتكلف بالرد بحرج:
– دي ما شاء الله عليها، اليومين دول بقيت احسن بكتير اوي عن اللي فات، هي بس دلوقتى صاحية مقريفة عشان لساها صاحية، تحب احضرلك تاكل معاها؟
اومأ يصرفها بلطف حتى يستطيع الانفراد بوالدته:
– لا يا دادة الف شكر، روحي انتي وانا هاكل من نفس الطبق اللي بتاكل فيه ماما..
سهمت المرأة ببصرها، فاغرة فاهها بدهشة، لا تستوعب العبارة، حتى عاد عليها مكررًا:
– ما خلاص يا دادة بقولك، روحي بس اعمليلي فنجان قهوة .
تحمحمت نبوية بحرج لتجر اقدامها وتذعن لأمره ذاهبة، ف اقترب هو اكثر بكرسيه نحو تلك الشاردة، يتناول من يدها اللقيمة التي كانت على وشك الدخول الى فمها، لتحط بفمه هو، يلفت انتباهها قائلا:
– اظنك مش هتمانعي اكلها من ايدك ، زي ما كنا بنعمل زمان.
استطاع بلفتته ان يسحب منها استجابة لحديثه على غير ارادتها، لتتوقف عن الطعام وتنصب ابصارها نحوه، فتبسم وقد وصل لهدفه قائلا:
– مدام انتبهتي، يبقى انتي اكيد افتكرتى، ودي في حد ذاتها تقدم كبير اوي.
اشاحت بوجهها عنه بشيء من ضجر وكأنها لا تريد التذكر، فواصل هو :
-،براحتك يا نجوان هانم، ع العموم بمناسبة انتباهك دا ، انا حابب افرحك، مصطفى عزام ابن اختك وحبيبك ، مراته خلفت من يجي اكتر من شهر في لندن بعد عذاب سنين في الانتظار، اكيد لازم تفرحيلهم، ما انتي كنتي الوحيدة اللي مسانداه في جوازه منها عشان بيحبها.
لم يفوت عليه انها ظلت بحالة الصمت ترهف السمع، بعدما جاء بذكر مصطفى، وقد تأكد له الاَن انها حطت بأقدامها على ارض واقعهم، بعد سنوات من الشرود ف عوالم اختلقتها، لتنزوي بها بعيدا عن الجميع.
نهض فجأة ينفض يديه من اثر الطعام، ليميل برأسه نحوها فجأة يهمس بمكر:
– على فكرة هو رجع امبارح والدنيا عندهم قلبان بمناسبة الحدث السعيد، انا حابب اخدك معايا لو تقبلي يعني؟
قالها وتحرك مغادرًا، ودون ان يلتف ببصره نحوها، وقد تيقن داخله بحسن استيعابها للحديث. وكأنه رأى بأم عينيه، ملامح الأسى التي اعتلت تعابيرها من خلفه.
❈-❈-❈
وفي ناحية اخرى
استيقظت تلك الجميلة، تتحسس برودة الفراش وقد خلى مكانه بجوارها، بعدما نهض وتركها منذ وقت لا تعلمه، لتنهض باحثة عنه، فوقعت عينيها عليه، داخل الشرفة جالسًا بشرود، هذه اول مرة تحدث منذ زواجهم ، الا يوقظها هو على كلمات الغزل ولا مداعباته في تدليلها، وإعطاءها الثقة في انوثتها .
ثم تجده الاَن بهذا الشرود في جلسته، لفت كتفيها بالشال الثقيل لتذهب اليه وتبادره بإلقاء التحية الصباحية.
– صباح الخير على اللي صحي من جبلي وسابني.
التف يجيبها بابتسامة مختلفة عن تلك اللهفة التي تقابلها منه كل صباح:
– صباح الخير يا قلب شادي، تعالي اقعدي جمبي، الهوا هنا يرد الروح.
اقتربت بالفعل وفتور حل بها لتجلس في المكان الذي اشار عليه ، فتسائلت على الفور بقلق:
– شادي هو انت في حاجة مزعلاك؟ شكلك ميطمنش.
تحمحم ينفي برأسه لكنه عاد سريعًا يجيبها:
– مش عايز اقلقلك ، بس انا فعلا مضايق، التليفون كنت عامله بوضع الصامت قبل ما انام امبارح، الصبح لقيت كذا محاولة اتصال من رحمة، خوفت لتكون حاجة حصلت لماما، قولت اتصل واشوف، لقيتها بتقولي انها راحت على بيت حماها امبارح مع جوزها يزورهم، عشان خالي خميس مضايق على رأيها ومخنوق، المهم انها عرفت هناك ان ولاد خالي خليل عزلو وسابو البيت من غير ما يبلغوا حد بمكانهم.
توقف يزفر انفاس خشنة بصوت وضح ما يعانيه، يشيح ابصاره للناحية الأخرى، مما اجبرها للتساؤل:
– يعني هو دا اللي مزعلك، انا اعرف ان بهجة عاجلة واخواتها كبار يعني ان شاء الله ميتخافش عليهم.
عاد اليها بملامح يكسوها الحزن:
– انا عارف كل اللي بتقوليه يا صبا، لكني برضو مخنوق، بهجة واخواتها مش هسيبوا بيتهم الملك، وبالصورة دي، الا اذا كان فاض بيهم، خالي خميس ومراته وولاده قادرين يطفشوا قبيلة بحالها، اشحال المساكين اليتامى….. قلبي بيتقطع مية حتة من جوا يا صبا، للمرة الثانية اعجز عن حمايتهم.
صدرت الاخيرة بانفعال، صدح من قلب الكبت، وكأنه كان في انتظارها ليخرج صرخته:
– نفسي اعرف عملوا ايه معاهم عشان يوصلوهم للدرجة دي؟ انا مش فاهم دلوقتي، اروح أمسك في خناق خالي خميس اللي سابهم من غير ما يعرف حتى المكان اللي هيعزلوا فيه، ولا احاسب ولاده على تناحتهم، دمي بيغلي ومش عارف اعمل ايه.
امتدت يدها لتقبض على كفه الكبيرة، تحاوطها بدفء كفيها الاثنان، تهون بحنان:
– لا دا ولا دا يا شادي، انت هدي اعصابك ودور عليهم ، شوف راحوا فين واسألهم الاول عن السبب، عشان تعرف بعدها تحدد موقفك.
رد بقلة حيلة:
– ما انا مش عارف يا صبا، بتصل برقم بهجة مقفول، باينها غيرت الخط كمان ، حاسس مخي كأنه مشلول .
– بعد الشر عليك من الشلل، اهدى انت كدة الاول ومن غير عصبية ولا توتر، اكيد هتلاقي حل يوصلك لعنوانهم.
تمتم بتمنى خلفها وقد ساهمت كلماتها في التخفيف عنه:
– يارب يا صبا يارب .
تذكر فجأة يخبرها بما اذهب عنها السكينة:
– اه صحيح نسيت اقولك، مرات خالي درية وبنتها جايين النهاردة يباركوا رجوعنا من شهر العسل .
عبست ملامحها فجأة ليرتفع طرف شفتها باستهجان مرددة:
– يا سلام، وهما اصحاب واجب جوي يعني، ولا شهر العسل كمان بجي مناسبة!
لا يدري كيف تحول مزاجه من غضب وسخط شديد، الى تسلية وضحك متواصل، لا يستطيع التوقف عنه، خلف تعقيبها العفوي، وتذمرها الذي اصبحت تعبر عنه بالضربات المتتالية على ذراعه ، تتمتم بالكلمات الحانقة.
❈-❈-❈
دلف بها داخل الغرفة بخطوات وتيدة، وبحرص تام وضعها على الفراش، ليريحها قليلًا، بعد قضاءها ليلة كاملة ونصف يوم تحت الرعاية الطبية المكثفة في المشفى، بعد محاولة الخطف الفاشلة والاغماء.
كان صامتًا طوال الوقت، أو بكلمات مقتضبة يحدثها ويسألها عن صحتها، حينما يريد أن يطمئنها، حتى وهو قد اتى بها الى المنزل الاَن، مازال على حالته، مازل على وجومه، ولكن هي لن تكست على الصمت اكثر من ذلك:
– عصام، انت ساكت ليه مبتتكلم؟
رد يجيبها منشغلا بخلع سترته، ثم يشرع بخلع الباقي:
– واتكلم اقول ايه يا امنية؟ وانتي لسة تعبانة؟
تحاملت لتجلس بجذعها عن الفراش :
– بس انا عايزة اسمعك وتسمعني، دا انا حتى اتوقعت ان حد منكم، انت او امين يجي يحقق معايا، لكن محصلش.
مازال محتفظًا بتلك النبرة الهادئة:
– وهنحقق معاكي ازاي بقى وانتي تعبانة وواخدة مهدىء؟ نامي يا امنية نامي، ولا استني صحيح.
قال الاخيرة ليخلع اخر جزء من ملابسه، ويستبدله بأخرى بيتيه مريحة، ثم اقترب منها، ليخلع عنها حذائها فانتفضت تبعد قدميها للخلف قائلة بحرج :
– لا ابعد انت ، انا هقلع الجزمة وهدومي لوحدي.
التقط قدمها بحزم متمتمًا:
– انا جوزك مش غريب عنك،
اضطرت في الاخير ان تستكين ، ثم ابدل لها ملابسها هي ايضا.
حتى اذا انتهى ليلقي بهم داخل سلة الملابس المتسخة، سألته مباشرة:
– عصام، سكوتك دا مش مريحني، وانا عايزة اتكلم عشان افهمك ان البني ادم اللي حاول يخطفني يبقى……
– ابراهيم
جفلت لتبرق عينيها فجأة، تتسائل كيف علم؟
– ايوة هو فعلا، ربنا ياخده كان هيعمل بيا حادثة، بالسرعة الشديدة اللي كان بيسوق بيها، انا مش فاهمة، دا جاب الغباء دا كله منين عشان يعمل معايا كدة؟ بس انت عرفت ازاي ؟
اقترب يجيبها مركزًا عينيه بخاصتيها وبهدوء يثير الريبة:
– الكاميرات جابته يا امنية وهو بيجري وبيسيب العربية، قبل ما البوليس يقفشه، السؤال بقى، انتي ركبتي معاه ازاي؟
– مكنتش اعرف ان هو اللي سايق والله يا عصام، دا كان متنكر، وانا راجعة من السوبر ماركت ومحملة، مركزتش ابص في شكل السواق.
رددت بها بدفاعية، فلم تجد منه سوى استجابة، بهز رأسه يدعي التفهم، قبل ان يشيح ببصره يتناول المنشفة قائلًا بفتور:
– انا داخل اخد شاور افك عضم جسمي.
ثم انصرف لداخل المرحاض بالفعل، وكأن الأمر ليس بهذه الخطورة، وكأنه…….
استدركت تفتح عينيها على وسعها مرددة بما وصل اليه ذهنها:
– معقول تكون شاكك فيا يا عصام!
❈-❈-❈
في مقر عمله، وقد تصادف اليوم اجتماعه بشريكه لبحث عدد من الملفات بينهما، ولكن ذهنه كان مشغول في التفكير بها ، وتحسر يسري بداخله، يجعله يشعر بالتشتت لعدم الالتقاء بها منذ الصباح، رغم ان المسافة بينهم لا تتعدى الامتار ، وبداخل مبنى واحد، وطابق واحد، ليته امتلك الجرأة ليسحبها من يدها امام كل أعضاء المكتب من موظفيه، الاَن فقط شعر بغباءه في السماح لها بالاستمرار في العمل في نفس المكان الموجود به.
ليته ذهب معها لرحلة خارج المدينة بأكملها،. يقضي شهر عسل، لينسى معها العالم، وهذا العمل الذي فقد التركيز به من الاساس، حتى انه كان يجاهد بصعوبة ليستوعب امام شرح الاخر، والذي انتبه عليه عدة مرات بفراسته حتى عبر عن استيائه:
– جرا ايه يا عم رياض بس، دي اول مرة تبقى معايا كدة؟ ايه اللي واخد عقلك يا حبيبي؟
تحمحم يعتدل بجذعه نافيا باعتراض:
– يعني هكون سرحان في ايه بس؟ تقدر تقول كدة صداع مأثر عليا، اسف لو مش مركز معاك.
– لا يا حبيبي الف بعد الشر عليك من الصداع، طب المها انا ونأجل النقاش لميعاد تاني.
اومأ بابتسامة صفراء:
– اسف لو فيها تعطيل .
– لا يا حبيبي مفيش تعطيل .
تمتم بها كارم، يلملم الملفات والاوراق، ثم يختطف النظرات نحوه بمكر مشاكسًا:
– انا قولت بعد يوم الاجازة اللي اختفيت فيه، هترجع مروق وعقلك صاحي، لكن شكلى اتوقعت غلط، وبدل ما تفوق غطست اكتر …
قطب يطالعه بعدم فهم:
– هو ايه اللي غطست اكتر؟ انت بتتكلم بالالغاز يا كارم.
تبسم باتساع لينهض عن كرسيه مغمغفا:
– لا يا حبيبي ما تشغلش نفسك، اتمنى بس الصداع ميستمرش اكتر من كدة، لتبقى حوسة، اروح انا اشوف اللي ورايا ، سلااام.
قالها ثم خرج ليزفر الاخر، يكتنفه الضيق وعدم الارتياح، للتلميحات المستمرة هذه الايام من شخص داهية كهذا، ولكن ماذا بيده؟ وماذا يفعل كي ينفي عن ذهنه هذه الفكرة، وهو يلتقطها كالصقر، فلا يحتاج حتى للتلميح.
وبدون ان يشعر، وجد يده امتدت لتلتقط الهاتف من فوق سطح المكتب يتصل بها، حتى اذا جاءه الرد منها، امرها على الفور :
– سيبي اللي في ايدك وتعاليلي حالا من الباب الخلفي للمصنع، انا مستنيكي في العربية.
انهى المكالمة لينهض، فيتناول اشياءه كعلاقة المفاتيح والهاتف والنظارة، وسحب اقدامه للخروج على الفور حتى اذا مر بمديرة مكتبه خاطبها:
– لورا انا خارج دلوقتي، أجلي أي حاجة لغاية ما ارجع بعد شوية او بكرة.
لاحقته بسؤالها قبل ان يذهب:
– طب والملفات المهمة والمطلوبة وضروري البت فيها، دا كمان يتأجل؟
مط شفتيه بابتسامة ليس لها معني:
– عادي يا لورا ابعتيلي ع الايميل، وانا هشوف اللي يستاهل الاستعجال .
– طب ما تقولي انت رايح فين عشان افهم .
صدر السؤال منها فور ان اعطاها ظهره للمغادرة، ليتوقف ويلتف اليها بهدوء لا يخلو من تحذير:
– اروح مطرح ما انا عايز، انت تسألي ليه يا لورا؟
ابتلعت رمقها بحرج شديد لتبرر:
حضرتك انا بسأل بس عشان الشغل مش عشان……
قطعت مجبرة بعدما اماء لها بكف يده في الهواء، بحزم ينهاها:
– انا مش هكرر كلامي، في حاجة مهمة تبلغيني، بعد كدة مفيش داعي لأي اسئلة تاني، سلام.
❈-❈-❈
اذعنت لتنفيذ الأمر، برغم حنقها المبالغ فيه من فعله، وما قد يتسبب به من حرج لها امام زملائها في المكتب، كي تخرج في هذا الوقت المبكر عن ميعاد الانصراف .
اقتربت من السيارة المصطفة في نفس المكان الذي وصفه لها، لتفتح الباب الامامي فتنضم للجلوس بجواره، متمتمة بضجر:
– ها ايه الأمر المهم بقى عشان تستدعيني في نص يوم العمل ؟ وتخليني انزل على ملا وشي كدة عشان اقابلك؟
اجابها بتنهيدة حارة وراسه تقترب منها:
– وحشتيني.
ارتدت بجذعها للخلف شاهقة بإجفال ، حينما انتبهت، لما كاد ان يقوم به، وقد اوشك على تقبيلها، لولا انها انتبهت على اخر لحظة ، لتبتعد سريعًا ويلتصق ظهرها بنافذة السيارة بزعر قائلة:
– انت كنت هتعمل ايه؟
ضحك بتسلية لرؤيتها على تلك الهيئة، يجيبها مرددًا:
– بقولك وحشتيني يا بهجة، يعني عادي جدا اقربلك واعبر عن اشتياقي بطريقتي..
– يا سلام، يعني وحشتك تقوم تبوسني في العربية وفي نص النهار، كدة عادي.
هتفت بها معترضة، ليباغتها الاخر مرددًا:
– عندك حق طبعا، احنا لينا بيت يلمنا .
بذهول شديد، طالعته يدير محرك السيارة، حتى كاد ان يسير بها، لتنهاه بغضب:
-تروح بيا على بيتنا ازاي يعني؟ انا لسة دوامي مخلصش، عايز رئيس المكتب يقول عليا ايه؟
– عنه ما انتهى، ما انا كمان ورايا شغل، نروح وبعدين نشوف اللي ورانا.
– وشكلي قدام الراجل، هيقول عليا ايه؟
صاحت بها علُه يستوعب ، ولكنه فاجئها كالعادة بقوله:.
– يقول اللي يقوله بقى، يعني انا اكون سايب شغل بملايين يا بهجة، وانتي جاية تسأليني على منظرك قدام عبد الفضيل! اما انتي غريبة والله.
– غريبة.
❈-❈-❈
الساعة الاَن تعدت الحادية عشر، لكن لابأس، فقد استقيظ اليوم باكرا الى حد ما عن باقي الايام السابقة، ليتحمم ويرتدي ملابسه سريعًا، ينثر عليه العطر بكثافة، متجاهلا صوت الهاتف الذي يدوي منذ ساعات ، ولكنه غير مهتم ، ولن يهتم، فلن يشغله الاَن سوى شيء واحد، بعدما عرف مساء الأمس من سائق السيارة النقل التي اقلت الاثاث بعنوانها،
سوف يصلح خطأ الماضي، سوف يظهر لها الاَن تغيرا شاملا بشخصيته، لن يصير بعد الاَن الجبان الذي لم يقوى على الوقوف امام اهله لاستعادة حقها، ف ليتحدى اباه وجبروت والدته والجميع، لقد فعلت خيرا بابتعادها، ليأخذ فرصته كاملة الاَن، ولا يعكر صفوه التدخل من احدهم، وما فشل فيه سابقُا، لن يتكرر بعد اليوم.
اغلق باب شقته ليهبط الدرج بحماس يملؤه، حركات رشيقة تنم على سعادته بما قادم نحوه، القى بنظرة سريعة على المنزل الخالي، يتنهد باشتياق، ثم توجه بأبصاره للأسفل، ليصعق برؤية ما جعله يرتد بجسده للخلف قليلًا، ولكنه سرعان ما تماسك ، ليجسر نفسه ويتصرف بطبيعية، رغم القلق الذي اصبح يسري بداخله، مع انتباهه لهذا التجهم الذي يعلو ملامح والديه، حتى الملعونان اشقاءه، تبًا، وكأنهم واقفين في انتظاره،
وفي الأسفل صاح خميس بستقبله بابتسامة ساخرة:
– اهلا اهلا بالباشا اللي صحي بدري النهاردة ، ومستناش للعصر يأدن عليه زي كل يوم، تكونش يا خويا قلبك حاسس.
عبس سمير بتوجس يرد على توبيخ ابيه:
– قلبي حاسس بإيه؟ وانتوا ايه واقفين بربطه المعلم كلكم كدة ليه؟ اللي يشوفكم يقول في مصيبة حصلت.
جاء الرد هذه المرة من والدته، التي زجرته بحدة:
– انت بتقول فيها، ما هو انت بتناحتك دي والبلالة اللي عايش فيها، هتحصل المصيبة بجد، انت ما بترودش على تليفونك ليه من الصبح يا زفت انت؟ لزمته ايه في ايدك دا من اساسه؟
القى بنظرة سريعة نحو الهاتف بعدم اهتمام قائلا:
– كنت عامله صامت ومكنش ليا مزاج ارد على حد ، ايه اللي حصل بقى؟
– اللي حصل هو ان ابنك ممكن يموت لو ملحقناهوش .
بصقت بها شقيقته الصغرى بصورة اجفلته ، ليتولي سامر التوضيح:
– مراتك حصل معاها ولادة مبكرة، والولد تعبان جدا، اهلها كانوا بيتصلوا عليك عشان تحضر معاهم، ولما يأسو منك اتصلوا على ابوك، ابنك لازم تلحقه لا تحصل معاه مضاعفات لا قدر الله وميتحملش.
بدت ملامح الصدمة جليا عليه، حتى تشوش بحيرة، ما بين الذهاب الى الوجهة التي كان يقصدها، وما بين طفله المريض، ولكن حيرته لم تستمر كثيرا، فقد حسم خميس الامر يهدر به:
– انت لسة هتفكر يا خويا، اتحرك يلا خلينا نروح نشوفهم، ع الاقل نوري وشنا اللي اسود من عمايلك، وانت يا سامر اتولى شغل الوكالة النهاردة لحد ما نرجعلك.
❈-❈-❈
– بتعملي ايه يا بهجة؟
هتف بها عقب خروجه من المرحاض، حينما وقعت عينيه عليها ترتدي ملابسها على عجالة امام المراَة، فالتفت نحوه بإجفال تجيبه وبيدها تلف الحجاب حول رأسها :
– يعني هكون بعمل ايه؟ بلبس طبعا عشان امشي .
سمع منها ليزفر بضيق متوجها نحوها، ينزع عنها الحجاب بيده قائلا بضيق:
– وكنتي ناوية بقى تمشي من غير ما تقولي، ولا حتى تنتظريني على ما اخرج من الحمام؟
طالعته بأعين متسائلة، تخطف النظرات نحو الحجاب الذي كان ممسكا به، ثم القاه من يده ليسحبها اليه بعد ذلك يردف بنبرة تحولت للدفء:
– دا احنا حتى ملحقناش لسة نقعد ساعة على بعضها.
قالها ثم صار يمسد بأنامله على جانب وجهها ويزيح شعرها للخلف، بنعومة تثبط من عزيمتها، حتى خرج صوتها برجاء:
– ارجوك بقى، انا مينفعش النهاردة كمان اتأخر على نجوان هانم، غيبت عنها كتير الايام اللي فاتت.
اقترب يدفن انفه بين خصلات شعرها الكثيف، يتمتم بوله، وهو يستنشق عبيرها:
– طب اعملك ايه؟ وانا ما صدقت الاقيكي بين ايديا، مش قادر اسيبك ولا ابعد عنك يا بهجة، عايز اليوم كله ابقى في حضنك وبس، شوفي بقى حظي ، وانا معاكي في نفس المبنى، وميفرقش عننا غير حاجة بسيطة، ومع ذلك مش قادر اطولك، ولا احتى اجيلك مكانك في مكتبك واطل عليكي واكلمك،
مكنتش اعرف ان شغلك جمبي هيتعبني بالشكل ده، يا ريتني ما وافقت على الشغل من اساسه بعد ما اتجوزتك.
ابتعدت برأسها تتمعن النظر بوجهه لتستشف صدق حديثه،
هذا الرجل سيفقدها عقلها بالفعل، ان لم يكف عن هذه الرقة المبالغ فيها، وإظهار اللهفة وتلك المشاعر التي يبثها لها في لحظات الوصال.
أم ان هذا امر طبيعي، وهي الوحيدة التي ليس لديها من الخبرة ما يجعلها تتقبل ذلك، وتبادله اياه، حتى لو كان الزواج بغرض ال….
نفضت رأسها لتستعيد بأسها واضعة النقط على الأحرف:
– انا لو بطلت شغل من عندك ، يبقى هبطل من كله والتفت للمحل بالمرة، الشغل دلوقتي هو الحجة اللي بخرج من خلالها عشان اقابلك على ما……
– ما تكمليش بقى.
قاطعها بنزق يشدد من احتضانها، مرددًا بضجر:
– هو انتي حرام تعدي اللحظة من غير ما تفكريني، سيبيلي عواطفك ولو لدقايق، عشان خاطري يا بهجة، عشان خاطري.
ماذا تفعل؟ ومن اين تجد القوة لرفض ذاك البحر الهائج من المشاعر، حتى وهي تقاوم بكل قوتها، تغلبها امواجه العاتية، فتبتلعها بداخلها على غير ارادتها.
بعد قليل
نزل بها للطابق الأول. وما زال يضمها اليه بذراعه، يغمرها بدفئه ورائحة عطره المميزة، غير عابئًا بالوقت الذي يؤرقها هي، ولكنها تصبر نفسها، حتى لا تزعجه بالتذكير المستمر كما اوضح.
– انا كنت عايز اخرج بيكي نتغدى في اي حتة برا النهاردة……..
فور ان افتر فاهها للإعتراض، تابع يوقفها:
– بس عشان عارف انك مشغولة طبعا شيلت الفكرة من دماغي…… أو بمعنى أصح أجلت…..
زفرت قليلًا بارتياح ثم قالت:
– كويس اوي، لأن انا مخي مش معاك اساسا، وبصراحة بقى حاسة بعدم ارتياح .
توقف يبعدها عنه قليلًا يسألها بنبرة يتخللها الحزن:
– ليه يا بهجة؟
ابتلعت تجيبه بصراحة:
– اولا عشان منظري في الشغل طبعا، كتر الانصراف هيثير التساؤول والفضول، وانا بصراحة مش عايزة حد يقول نص كلمة عليا .
ضاقت عينيه بتفكير سريع:
– خلاص يبقى ننظمها،…… انتي كل يوم تخرجي على ميعادك، وتيجي على هنا تقضي الوقت اللي فاصل من دوامك مع الست الوالدة، مع اني شايف انك تتخلي عن واحدة فيهم دلوقتي، وتوفري وقتها ليا انا…..
سهمت بنظرها نحوه تستوعب معنى الاخيرة، مع انها بدت واضحة كوضوح الشمس ، يريد منها اكبر وقت للتفرغ اليه، اللعنة، ايريد منها الغرق اكثر من ذلك!
لترفض قاطعة؛
– لا طبعا مينفعش، هقعد ف البيت هنا لوحدي في انتظارك اعمل ايه؟ خليها زي ما هي ماشية كدة،
اومأ بحاجبيه:
– براحتك يا بهجة، يبقى كدة خلينا في الحل الأول.
اومأت باستسلام، وتنهيدة خرجت من العمق:
– ماشي
❈-❈-❈
من يريدك بحق او يخاف عليك، سيفعل المستحيل حتى يجدك.
وهذا ما فعله، فلم يهدأ له بال منذ بداية اليوم، ظل يبحث حتى عثر على احدى الخيوط التي اوصلته الى فرد منهم.
جنات والتي كانت خارجة من جامعتها في هذا الوقت، في طريقها للعودة الى المنزل، لتفاجأ بالصوت الأجش من خلفها، مناديًا بإسمها:.
– جنات ممكن دقيقة.
التفت اليه، تهديه ابتسامتها المعتادة، لتعلق بمرح:
– ايه ده ؟ شادي العريس؟ لا مش معقول .
اقترب منها يصافحها بغيظ:
– انا برضو اللي مش معقول؟ ولا انتوا اللي هجيتو من غير ما تبلغوا حد بمكانكم، دي عمايل برضوا يا جنات؟
بدى جيدا من حجم العرق الذي يغطي جبهته وقميصه، طول الوقت الذي قضاه في انتظارها، ليخرج ردها باعتذار:
– انا اسفة يا شادي، ان كنا قلقناك، بس انت مكنتش فاضي عشان شهر العسل طبعا، لكن احنا اكيد عمرنا ما كنا هنخبي عنك المكان اللي عزلنا فيه جديد.
زفر بشيء من الارتياح، ليتخصر قائلًا:
– بداية مبشرة اوي يا ست جنات، بس انا عايز اطمن بنفسي، واعرف الظروف اللي خليتكم تعملوا كدة، وامتى وازاي دا حصل؟
أومأت بترحيب:
– خلاص يبقى تتفضل معايا على بيتنا، وانا افهمك كل حاجة في طريقنا .
– تمام اوي، يبقى اوصلك بعربيتي بالمرة.
❈-❈-❈
وجدتها كما وصفت لها الدادة نبوية، داخل الحديقة تتأرجح بالارجوحة، بشرود اصبح ملازمًا لها كما علمت من المرأة، فاقتربت منها لتجلس بجوارها، تتحدث بعفوية كما اعتادت عليها في الفترة الأخيرة ، بعدما تطورت العلاقة بينهم ، لتصبح اكثر دفئًا وتفهمًا عن السابق:
– الحلو اللي قاعد سرحان وفي حاله، ايه اللي شاغل باله؟
خرجت من شرودها نجوان تطالعها بصمت دون رد فتابعت بهجة بالمزاح كي تستجيب لها:
– اه يا عم بتتمرجحي، الدنيا تضرب تقلب ولا هامك، والله برافو عليكي
لم يصدر منها اي رد فعل سوى انها كانت تتمعن النظر اليها وفقط، عيناها تحمل الكثير والكثير، ولكن لا تنطق ولا تربحها بذرة استجابة، حتى هتفت بها بهجة:
– انتي فيكي حاجة غريبة النهاردة، زعلانة عشان غيبت عنك، ولا في ايه بالظبط؟
ايضا لم تنطق لتفقد بهجة فيها الامل وتنهض فجأة قائلة:
– ع العموم انا جمبك هنا في أي وقت تعوزيني او تعوزي أي حاجة .
ما ان اعطتها ظهرها وخطت خطوتين حتى وصل لاسماعها:
– شبهه.
التفت اليه بتسأؤول:
– انتي قولتي حاجة؟
استقامت واقفة عن الارجوحة تمتم بلها بما يثير الريبة:
– شبهه، شبهه.
قالتها وتحركت تذهب من امامها، لتزيد من زهول بهجة في تفسير ما حدث:
– هو مين اللي شبه مين؟ هو انتي ايه حكايتك يا نجوان هانم معايا بالظبط في الالغاز.؟
ظلت لمدة من الوقت تتابع اثرها بتساؤلاتها وحيرتها، حتى شعرت بأنامل تداعب وجنتها، لتلتف اليه متفاجئة بحضوره:
– انت هنا من امتى؟ مش قولت وراك مشوار مهم تبع العملا.
تبسم يفرد نفسه امامها:
– ما انا فعلا ورايا مشوار مع عميل مهم، بس بصراحة مقدرتش ادخل اغير من غير ما اطل عليكي، كنت واقفة بتكلمي نفسك ليه؟
تنهدت بحيرة تخبره:
– مش عارفة اقولك ايه؟ بس مدام نجوان عليها طلعات وكلام مش مفهوم بصراحة
قطب يسألها بتوجس:
– هي قالتلك ايه؟
– بتقولي شبهه، شبهه، قصدها ايه مفهمتش.
سمع منها لتتبدل ملامحه فجأة، يزفر بخشونة وغضب مكبوت:
– سببك منها يا بهجة ومتركزيش معاها.
اومأت بطاعة، رغم الفضول الذي يجتاحها لمعرفة القصد من كلماتها .
فتماسك هو يزيح عنه الغضب، ليداعبها ممازحًا:
– بس انتي شكلك زي القمر هنا، ايه رأيك اعتذر عن ميعاد العميل واقضي باقي اليوم معاكي .
شهقت تتحرك من امامها تغمغم اثناء ذهابها:
– هنا في البيت، دا انت ناوي على فضيحة بجد ، انا ماشية وسيباك .
قهقه من خلفها، ليصلها الصوت المحبب لهذه الضحكة التي لا تسمعها منه الا حينما يكون معها فقط.
❈-❈-❈
في المنطقة عشوائية، وداخل احدى المنازل المصنوعة
من الصفيح اضجع بجذعه على الاريكة اليالية يتحدث مع زميله في المحبس سابقا بكل ثقة:
– ياض زي ما بقولك كدة متخافش، انا معايا محامي عقر، يعني حتى لو قفشوني متلبس هخرج منها صاغ سليم ، هو بس كرشه واسع شوية وبياخد فلوس بالهبل
اومأ بتفهم ذاك الشاب النحيف، بملابسه الضيقة وحلاقة الشعر المرتفع للأعلى بصورة تثير الاستفراز ، ليجلس على الكرسي المقابل له، معبرا عن مخاوفه:
– ماشي يا عم هيما مقولتش حاجة، انا اهم حاجة عندي ان متلطش معاك، المسألة مش محتاجة عوق، عشان الشغل ميقفش، المعلم بتاعي صعب ومبيرحمش.
اصدر ابراهيم من فمه صوت استهجان يتمتم بسخرية:
– دا على اساس انك موظف في الحكومة يا اخي، امال لو تاجر كبير، ولا ديلر عليك القيمة كنت عملت ايه؟ دا انت اخرك بياع برشام ع الطريق ومساحيق مضروبة، اسمع ياض، ليك فلوس اغرقك فيها ، وحماية لو اتطور الأمر، فهمت بقى يا عزوز الكلب
– اه
تمتم الاخير بها، ليتذكر السبة فيهدر معبرا عن استيائه:
– طب من غير شتيمة طيب، انا هاديك الامان بفلوسك،
طول ما بتصرف هتلاقيني تحت امرك، انما يوم ما توقف ، معلش بقى يا زميلي اعذرني، اصل بصراحة بقى جيتك كدة فجأة مكنتش عامل حسابها.
ردد ابراهيم من خلفه:
– ولا انا وحياة غلاوتك. كنت عايز بس اهددها واجيب اخرها، لكن الحظ بقى قلب فجأة ، بعد ما كل حاجة كانت ماشية بالتمام .
– عشان ضميرك الوسخ.
تمتم بها عزوز بصوت خفيض اثار استرابة الاخر ليهدر به:
– بتبرطم بتقول ايه ياض؟
نهض عزوز نافيا:
– مبقولش حاجة يا رياسة، خد راحتك انت وانا هروح اشوف شغلي، بس معلش في دي السؤال، كنت عايز اعرف يعني الباشا هنفضل مستضيفينه لحد أمتى؟
– مش كتبر يا اخويا، هي يس الليلة لزوم التكتيك، ومن بكرة هشوف المحامي يقولي ايه، ياللا غور بقى من وشي، حضرلي حاجة اكولها، اتحرك ياللا بلاش تناحة.
تحرك الشاب مزعنا لأمره، وفمه يغمغم بالسباب الوقح، على هذا المتبجح الذي اتى بدون استئذان يحتل البيت ويتأمر عليه.
❈-❈-❈
انتهى اليوم المزدحم، لتعود الى منزلها، موطنها، وواحة الدفء التي تجد بها امانها وسكينتها ، فتحت الباب لتلج المنزل على صوت الضحكات الصاخبة من اشقاءها،
فتضع الاكياس الكثيرة من يدها على الارض تود المشاركه معهم، مبادرة بالقاء التحية،
، مساء الخير….
توقفت عن الاكمال متفاجئة بالضيف الجديدة، والذي استقبلها بابتسامة غير مفهومة:
– مساء الخير يا بهجة، البيت روعة ما شاء الله، مبروك عليكي المكافأة اللي جابته
شحبت بوجه انسحبت منه الدماء متسائلة عن القصد من تلميحه، تعتب على اشقاءها ذكر هذا الأمر امامه، وهو الذي شهد بنفسه توقف الصراع في محاكم الدولة، بفشل حصولها عليها وانتصار الخصم.
لتتضرع داخلها للخالق
– استر يارب
…يتبع
الفصل الواحد والعشرون
لذة الوصول
هل أتى عليك الوقت وشعرت بها؟ تلك الخفقة القوية التي تنتابك في تحقيق الحلم، وامتلاك الشيء الذي تذوقت مرار الصبر في سبيله، رجفة الأطراف حينما لامسته او امسكت به بين يديك.
ما أصعبه من احساس وما أجمله؛ حين يمر عليك شريط الذكريات وما مررت به من مصاعب حتى وصلت لتلك اللحظة
اذاقكم الله واذاقنا حلاوة الوصول اليها .
#بنت_الجنوب
رغم مرور اكثر من شهر على مولده، وحمله له عدة مرات ، الا انه حتى الاَن مازال تغلبه العاطفة بفرحته، فلا يقوى على كبت تلك الدمعة التي تفر من عيناه تأثرا بمجيئه الى عذا العالم، قطعة غالية من حبيبة قلبه حصل عليها اخيرا، بعد عناء ومشقة وعذاب في انتظار المستحيل، ولكنه حدث في الاخير بفضل الله وكرمه.
– تاني يا مصطفى برضو بتدمع؟ انا الأحسن اني احرم عليك ما تشيلو بعد كدة .
قالتها نور، وهي عائدة بعبوة الحليب التي اعدتها للطفل، لتأخذ مقعدها بجواره ، تجلس متربعة على الفراش، فتدعي الحزم وهي تتناوله من ذراعي ابيه بحرص، والذي ظهر التأثر في صوته وهو يشاكسها:
– لو تقدري اعمليها، او امنعي انتي نفسك من العياط لما
يسهرك طول الليل وميرضاش ينام.
فغرت فاهاها باستنكار وذهول:
– بتتريق عليا يا مصطفى، طب عقل انت ابنك الاول وخليه يهدى عن جنان الليل وانه ميتعبش مامته في الوردية اللي بيستلمها عليها.
قهقه ضاحكًا بصخب، ليعقب بمرح كلما خرج منها هذا الحديث:
– حاضر من عيوني، بطل تتعب مامتك يا ولد.
صدرت الاخيرة مخاطبًا لطفله لتتبسم هي قائلة:
– يا سلام عليك يا مصطفى، انا كدة ضمنت انه سمع الكلام، الف شكر بصراحة لسيادتك.
اومأ واضعًا كفه على صدره:
– العفو يا قلب مصطفى، مفيش داعي للشكر اساسًا.
انفجرت ضاحكة، لتميل برأسها على صدره، ويضمها بذراعه هي والطفل الذي تطعمه، يستمتع بدفء عائلته الصغيرة ، في لحظات يسرقها من الزمن، يهرب فيها من التزماته وأعماله التي لا تنتهي حتى في وقت نومه
❈-❈-❈
كما توقعت ورغم انه استمر طويلا في جلسته مع اشقاءها، وهي حاولت التصرف بصورة طبيعية معه، تجاهد لإخفاء الارتباك في حضوره، الا انه استطاع في الاخير ان ينفرد بها داخل الحديقة الصغيرة عقب استئذانه في الذهاب وقيامها هي بتوصيله، ليقف الاَن مواجهًا لها، يطالعها بصمت ابلغ من الف كلام،
ورغم التوتر الذي كان يعصف بها، الا انها ابدت ثباتًا يثير الاندهاش امامه، مما شجعه على الأستفسار مباشرةً:
– ليه كدبتي على اخواتك يا بهجة، والبيت دا اساسه انتي جبتيه ازاي؟
حينما صمتت قليلًا اردف :
– انا عارف اني مليش حق في السؤال، بس انا مش قادر يا بنت خالي، الخوف اللي طير مني الراحة من ساعة ما عرفت بعزالكم من البيت، هو نفسه الخوف اللي عاصر على معدتي دلوقتى، وانا دماغي هتشت ورايحة في مية اتجاه، من بعد ما عرفت بقصة المكافأة اللي اتحكم فيها من زمان لصالح الخصم .
استمرت لبرهة اخرى من الوقت قبل ان تحسم قرارها من الداخل قائلة:
– بس انت متأكد، وعارف بأخلاقي كويس.
– دي مسأله مش محتاجة سؤال، انتي بس اتكلمي واي حاجة هتقوليها انا هصدقها، المهم تريحي قلبي يا بنت خالي، فلوس البيت والمحل جات منين يا بهجة؟
– من جوزي
اجفل يستوعب الجملة القصيرة، لتعيد عليه هي بتأكيدها:
-،ايوة يا شادي، انا متجوزة في حلال ربنا، واحد مقتدر فوق ما تتخيل، هو اللي مكني بفلوسه اشتري البيت والمحل، ولو طلبت هيديني تاني كمان، بشرط اني احتفظ بجوازي منه في السر
– في السر!
ردد بها بصدمة وعدم تصديق، لتتجاوز هي غصتها في شيء مخزي كهذا امامه، فتأكد:
– ايوة يا شادي، انا بقولك الحقيقة اهو ، حتى وانا عارفة ان ممكن انزل من نظرك ، بس انا معملتش حاجة حرام، ولولا ثقتي فيك، ما كنت ابدا هقولك
أطرق برأسه يحاول التريث واستيعاب المفاجأة، حتى لا يغلبه غضبه في إفساد الأمر، وقد اعترفت له بالحقيقة التي اخفتها عن اخوتها جميعا، ليعود اليها متماسكا بصعوبة:
– وليه مقولتيش ع الاقل حتى لاخواتك يا بهجة؟
اجابته بثبات:
– مقدرتش،…… مقدرتش اهز صورتي في عيونهم ، مقدرتش اعرضهم للاختيار ما بين موافقتهم على جوازي والانتقال لهنا بعيد عن اذية عمي ومراته ، وما بين رفضهم ورفض كل شيء يجي من ناحية جوازي.
زفر يغمض عيناه بألم، رافعًا رأسه للأعلى بخزي، كيف يلومها؟ ومن اين يجد الجرأة وقد تركها تواجه رياح الظلم وحدها، حتى حينما حاول حمايتها، كاد ان يزيد بالمس بسمعتها نتيجة سوء الظن الذي تعرض له من ابناء عمها ، حتى تنقطع قدمه من الصعود اليهم ولا حتى التدخل في شئونهم.
– شادي انا اعترفتلك عشان واثقة فيك.
قالتها بغرض التخفيف عنه، جاهلة ان بفعلتها قد زادت عليه، ليرد بعتب:
– لو كنتي واثقة فيا كنتي بلغتيني يا بهجة، كنتي ووقفت معاكي حتى لو ضد رغبتي ، المهم كنت حاولت، ان مقدرتش احوله لجوز بأشهار ع الاقل كنت عرفته انك مش لوحدك.
اطرقت بخجل وقد اصاب بقوله، ولكنها حاولت التبرير على تردد:
– هو انسان كويس، وبيعمل كل حاجة عشان يسعدني، بس عنده ظروفه اللي تمنعه ما يشهر جوازنا.
رد بعنف:
– مهما كانت الظروف ، مفيش حاجة تمنع اعلان جوازه منك لو بيحبك بجد، او حتى كان أجل على ما تتحسن الدنيا معاه يا بهجة، ليه اخطف سعادة منقوصة في السر وانا ممكن اخدها كاملة بشوية صبر؟
ابتسامة صغيرة لاحت على زاوية فمها بسخرية
فقال، ابن خالها يتحدث عن الحب والصبر، ولا يعلم بالحقيقة المرة في الاصل من هذا الزواج، بعدما اخبرها قاسي القلب صراحةُ انها مجرد رغبة، حتى لو افعاله كانت غير ذلك بعد الزواج ، لكنها ابدا لن تنساها او تعلق نفسها بوهم حب قد يهلكها، وهو جعلها مسألة بيع وشراء، وهي وافقت على هذا الأساس، حتى تنتهي مدة هذا الاتفاق، وتخرج ع الاقل سليمة القلب .
وحتى ذلك الوقت، لن تخبر احد بالحقيقة المرة، تحتفظ بها لنفسها، اما ابن خالها فيكفيه الاطمئنان على على مصدر المال ولا اكثر من ذلك .
– رياض الحكيم صح؟
انتفضت بإجفال بعد ذكره الاسم لتبرق عينيها نحو باستفهام، فاستطرد هو بفراسة:
– مش هو برضو مدير المصنع اللي اتكفل بعلاج اخوكى على نفقة المستشفى المساهم فيها، انا مش غبي يا بهجة عشان ماخدتش بالي من نظراته ليكي ساعة ما شوفته في المستشفى،
لم تتمكن من الرد لتسبل اهدابها عنه بخجل شديد، اكد له صحة ظنه، ليردف بغيظ:
– اقسم بالله لو شوفته قدامي دلوقتي، لاباركله من قلبي بلوكامية تظير صف سنانه.
❈-❈-❈
عاد الى المنزل محملا بمزيد من التعب والهم، وقد اعتقد ان بالعثور عليهم ومعرفة محل سكنهم سيرتاح، ولكن ما حدث هو العكس تماما ، فبلقاءها ومعرفة السر الذي تخبئه عن الجميع، يشعر انه لن يعرف طعم الراحة بعد اليوم في القلق عليها، حتى ترسو على بر اَمن.
– شادي، اخيرا جيت .
كان هذا صوت زوجته والتي اقتربت تهمس بالكز على اسنانها:
– كدة برضو تعملها فيا يا شادي؟ ساعة بحالها اتصل بيك ومتردش.
القى بنظرة نحو شاشة الهاتف فتأكد من العدد الهائل من المكالمات منها، ليبرر بأسف:
– معلش مخدتش بالي، بس ليه الاتصالات دي كلها؟
ضربت قدمها بفعل طفولي تهمس بحنق شديد اثار التسلية بداخله رغم ارتيابه، حتى اوضحت:
– بتصل عشان جوز البلاوي اللي مستنينك، جال ايه عشان يباركوا، على اساس انهم اصحاب واجب جوي، انا من مخنوجة منهم ومش طايجة نفسي.
– هما مين؟
تمتم بها وقبل ان تجيبه، وصل لأسماعه صوت الضحكة الرقيعة من ابنة خاله خميس، لتيقن الان من السبب الاساسي لغصب زوجته:
– هي سامية قاعدة هنا من امتى؟
ردت على مضص:
– بقالها يجي ساعة هي وامها جوا، وانا رايحة جاية عليها بالعصاير والحلويات عشان مش طايجة اجعد معاهم
تبسم بحنان يهادنها:
– معلش حقك عليا، انا هروح اغير هدومي واروحلهم، هما عند ماما جوا صح؟
اومأت بهز رأسها، ليخطف قبلة سريعة من وجنتها، ثم تحرك صوب غرفته، لتتناول هي صنية العصائر وتدخل بها اليهم، بداخل حجرة والدة زوجها
– العصير يا جماعة.
– تعالي يا حبيبتي اقعدي بقى كفاية، هما الجماعة اغراب يعني.
قالتها والدة زوجها تشير لها لتجلس بجوارها على الفراش، تلك المرأة الحنونة، والتي تتعامل مع الجميع بطيبتها، رغم علمها الجيد بنوياهم:
– منورة يا مرات اخويا،
درية وقد اشتعلت عيناها بالحقد وذلك التوافق بين اخت زوجها وزوجة ابنها، لتتمتم بتصنع:
– البيت منور بأهله يا حبيبتي، عندها حق يا صبا احنا فعلا مش اغراب .
اومأت لها الاخيرة تغتصب ابتسامة صغيرة في رد لها، ثم تسأل بانتباه:
– ربنا يديم الود يا خالتي، هي فين سامية صحيح مش شايفاها؟
جاء الرد من والدة زوجها:
– استأذنت تدخل الحمام، اصلها مزنوقة.
سمعت صبا لتغمغم داخلها بحنق وتوجس:
– مزنوقة برضو ولا راحت تزود ع المكياج عشان تعجب. ابو برودها
وبداخل المرحاض كانت المذكورة تقف في وسطه بحيرة، تبحث بعيناها عن هذا الشيء الذي امرها الشيخ الدجال بإحضارها،
فقد كان كل شيء نظيفًا من حولها، المناشف المعلقة والستائر وو…. هنا توقفت ابصارها على سلة الملابس ، لتركض نحوها وتبحث داخلها، ملابس نوم وأخرى داخليه له ولها، يبدو أنها تم خلعها اليوم، ليزداد الغل بقلبها، على تلك السعادة التي كانت لابد ان تكون من نصيبها
اخرجت المقص الصغير من الجيبة التي ترتديها، كم ودت لو مزعت به تلك المنامة الى قطع صغيرة، ولكنها بذلك سوف تلف الانظار ، لذا لم تجد امامها، سوى قص شريط طويل منها ، لتضعه في كيس بلاستيكي ، ثم تدفسه داخل جيب جيبتها، وتخرج من المرحاض فتلتقي ابصارها به يدلف الى الغرفة التي تجمع النساء،، فتتنهد متمتمة:
– مسيرك تبقى ليا، هانت .
❈-❈-❈
بحث عنه في عدة اماكن يعلمها، كما سأل العديد من الأصدقاء المشتركين بينهما ، حتى تمكن اخيرا من معرفة المكان الذي يتواجد به، قهوة عتيقة ، تناسب المثقفين والفنانين، الأشخاص الذين يبتغون الهدوء او السرية كما يرى الان، بجلوسه في احد الاركان يتهامس مع احد الأشخاص….. لم يتمكن من معرفته وقد نهض فجأة يغادر من الباب الثاني للقهوة.
ود امين ان يركض خلفه، ليعلم بهويته ولكن الفتي كان سريعا بخطواته والاخر ايضا قد انتبه لحضوره، ليستقبله بابتسامة يجيدها بشكل مستفز:
– امين باشا حاضر المكان ، دا ايه النور ده.
صافحه الاخير على مضض ليجلس على الكرسي المقابل له يبادره الحديث:
– اعمل ايه يا خويا وانت بتخفتي زي الزيبق ومحد بيعرفلك طريق جرة، بتهبب ايه من ورايا يا عصام؟
سمع منه ليرسم دور البرائة:
– انا يا باشا؟ يعني هكون بهبب ايه بس؟ دا انا حسيت نفسي مخنوق وقولت اجي اهدي اعصابي وسط الشعرا والفنانين ، زي ما انت شايف اهو، حاجة في منتهي الرقي والحلاوة.
– اممم
اصدر امين صوت استهزاء، ليعلق بسخرية:
– اه صحيح عندك حق، جاي تروق نفسك بعد اللي حصل للمسكينة مراتك، واللي لسة تعبانة من اللي حصلها .
امتقعت ملامح وجهه بغضب جامح، وقد استطاع الاخر بقوله ان يخرجه عن دور البرود الذي يرسمه، فخرج صوته بعتب:
– وايه لزوم الكلام دا بس يا باشا؟ ما انت عارف ان فيا اللي مكفيني.
هدر بع امين يكز على اسنانه بالهمس:
– عشان عارفك كويس وعارف دماغك، والسكون المبالغ فيه دا منك اكيد وراه مصيبة،
– مصيبة ايه بس يا باشا؟ ما احنا ماشين في الإجراءات القانونية وبندور ع الزفت ده وعلى يدك، يبقى ساكت ازاي انا بقى.
قابل امين انفعاله بتأكيد :
– ما دا اللي انت عايز تقنعني بيه يا حبيبي، اوعى تكون فاكرني بلعت حكاية عربية الشرطة اللي ظهرت فجأة تنقذ امنية من ايد الحيوان ده، انت تحت ايدي بقالك سنين يابني، يعني حافظك اكتر من نفسك ..
بملامح مكشوفة رغم انكاره، ردد نافيًا:
– والله براحتك يا باشا لو مش عايز تصدقني، انا راجل قانون وماشي في حق مراتي بالقانون، مبمعملش اكتر من كدة.
– يا راجل .
تمتم بها امين بملامح متشككة:
– اطلبلي حاجة اشربها ياللا، بدل ما اطلع غل الصداع اللي في دماغي عليك دلوقتي، ما هو مش هيبقى قرف في البيت، وقرف في الشغل وبرا الشغل،
ضحك عصام يشير للنادل:
– عنيا يا باشا اطلبلك اللي انت عايزه، تعالي يا بنتي هات قهوة مظبوط للباشا .
❈-❈-❈
والى امنية التي كانت تتحدث مع شقيقتها شهد عبر الهاتف، بأسى وحزن:
– معاملته مش مريحاني يا شهد، حاساه بيشك فيا بس مش لاقي اثبات، دا مش عصام اللي انا عارفاه.
تنهدت شقيفتها عبر الهاتف بحزن معقبة:
– لو بيشك فيكي مكانش قعدك في بيته ثانية ولا بقى عليكي، جوزك اكيد متأثر باللي حصل ، ومحدش يلوم عليه صراحة، ابن الكلب ابن خالتك هبب الدنيا الله يخرب بيته، انا مش فاهمة دا امتى هيتهد؟
– ابراهيم الغل هو اللي بيحركه يا شهد، دا بني ادم بيزعل لو شاف حد سعيد، اسأليني انا من ايام ما كنت معمية على عيني وبحبه، وانا عارفة فيه الصفة دي ، ودلوقتي هو بينتقم مني عشان خرجت عن مساره، وربنا كرمني باللي اعلى منه، حسبي الله ونعم الوكيل.
– عارفاه يا امنية من غير ما تشرحي، ان شاء الله يموت بالسم اللي جواه ، قومي انتي صلي وخلي تكالك على الخالق، دا مفيش احن منه .
– ونعم بالله، بس انا تعبانة اوي يا شهد، عضمي كله واجعني وحاسة نفسي عايزة انام وبس.
– الكلام من ساعة الحادثة
– لا بصراحة من قبل، عشان مكدبش
استرعي انتباه شهد كلماتها، لتصمت للحظات بتفكير، قبل ان تعقب قائلة:
– طب بقولك ايه، انا عايزاكي توصفيلي الاعراض اللي عندك بالظبط.
❈-❈-❈
في احدى النوادي الاجتماعية وقد التقى به، ليرفها عن انفسهما من ضغط العمل المستمر، ليتبادلا اللعب على طاولة البلياردو، فكان الحديث الدائر بينهما :
– مصطفي شكله هيعمل حفلة كبيرة بمناسبة رجوعه من لندن وفرحته بالمولود العزيز، يا سلام بقى ع الطفل المحظوظ، هيورث الشهرة من والدته وامبراطورية مصطفى عزام .
تبسم رياض وهو يصوب بالعصى الخاصة باللعب على الكرة حتى اسقطها في حفرة الطاولة المخصصة لذلك ، فاعتدل بجذعه يعقب على كلمات الاخر:
– مش شرط يا كارم ، ممكن تبقى الدنيا كلها تحت رجليك وبرضو مش سعيد ولا حاسس انك محظوظ، واسألني انا.
توقف الاَخير متكئا على عصاه، المستندة على الطاولة، وقد استرعت انتباهه الكلمات لتجعله يتأمله بتفكير قائلًا:
– انت بتتكلم عن نفسك صح، مع اني اعرف ان والدك كان منفتح جدا ع العالم ووالدتك كمان، ايه اللي كان بيمنعك يا حبيبي عن الانبساط وانت في بلاد الحرية، سهر وشرب وستات وسهولة في التعليم كمان، فين المشكلة فين بقى؟
وعلى عكس ما توقع من غضب يجده منه في كل مرة بتطرق لهذه المواضيع الشائكة، ازداد اتساع ابتسامة الأخر، ليردد مًقرا؟
– وانت مدام حصرت السعادة في الشرب والحرية والستات، تبقى المشكلة فيا انا يا عم كارم، مش كدة برضو .
– اكيد طبعا .
قهقه ضاحكا ليشجعه على المزيد من التدخل، في لحظة الصفا التي لا تأتي كثيرا:
– خلاص يبقى نسيبنا من كل ده ونركز بس مع الحب، انا نفسي جربت كل حاجة، بس اللي وصلت ليه في الاخر، هو ان قعدة واحدة مع مراتي حبيبتي بالدنيا كلها، انت بقى محسيتش بالحاجات دي.
لم يجيبه، ليلهي نفسه بإسقاط الكرات، رافضًا التعبير عن مكنونات صدره، حتى فهم عليه كارم ليشاكسه:
– مدام سكت يبقى جربت ودوبت كمان، بس اشطة يا باشا، انا مش هزود عليك ، لكن ساعة ما تحتاجلي ولا تحب تسمع نصيحة انا موجود يا عم ازودك بخبرتي
هذه المرة جلجلت ضحكته ليردد ساخرًا:
– يعني يوم ما احتاج النصيحة اجيلك انت يا كارم!
– والله لمصلحتك، دا انا استاذ ورئيس كمان، تحب احكيلك عن انجازاتي .
❈-❈-❈
دلفت درية داخل الوكالة بأنفاس لاهثة لتجلس على على احد المقاعد، حتى اذا انتهى ابنها من صرف اثنين من الزبائن، اقترب ليجلس قبالها متحدثًا بحنق:
– خلصتي مشوارك ياما، مع ان مكنش ليه لزوم والله واحنا في الظروف دي
ردت والدته باستهجان:
– وانت كنت شوفتنا رقصنا يعني،، دي زيارة عادية لابن عمتك وبالمرة شوفنا اخوك وعياله….. مقولتليش بقى، ابوك ولا اخوك حد اتصل فيهم .
– اه ياما اتصل ابويا، بيقول ان الواد حالته ميطمنش، والاكيد انهم هيباتو النهاردة يشوفوا ايه اخرتها مع الدكاترة،
قالها سامر بانفعال جعل القلق يسري بقلب درية لتعبر عن مخاوفها:
– ليه يا دي الحوسة؟ هو ايه عنده بالظبط؟
اجابها بضيق يضع مجموعة من النقود داخل الخزانة:
– انا عارف بقى، جوزك بيتكلم من طرف مناخيره وابنك مانع الكلام خالص، وانا هنا موحول لا عارف اروح وراهم ، ولا اسد هنا مكانهم…….خلي البت سامية تجهزلي لقمة انا عايز اقفل بقى لحد كدة، تعبت
ردت وهي تنهض بتأثر بعد معرفتها بما يحدث لحفيدها والذي تعشمت بمولده ان يزيد بربط ابنها من زوجته، فتعود الى منزلها مرة اخرى بسببه:
– خلص وتعالى هجهزلك انا، هي استأذنت مني، وراحت لواحدة صاحبتها.
صرخ بها يدفع من يده القلم الذي كان يقيد به في الدفتر الكبير:
– دلوقتي ياما، والساعة داخلة على عشرة، طب هترجع امتى؟ البت دي معدتش صغيرة ، اقرصي عليها شوية بقى، كتر الدلع هيبوظها واحنا مش ناقصين
مطت شفتيها بامتعاض مرددة:
– اهي عندك اهي، لما تيجي اقرص عليها انت براحتك، انا اصلا بصدع منها لما تيجي تتحايل عليها، وما بصدق اخلص من زنها
غمغم سامر، ناظرا في اثرها :
– ويعني عشان تخلصي من زنها تقومي توافقيها على كل اللي هي عايزاه، الله يسامحك ياما.
❈-❈-❈
اما عنها فقد كانت في هذه اللحظة جالسة امام المدعو بالشيخ، يتأمل القطعة التي قصتها من المنامة يتحسسها بيده وكأنه يستلهم منها شيئًا ما ، وابصاره يخطفها نحوها كل دقيقة، بنظرات غير مفهومة يخبرها:
– شكلك بتعزي البنية دي اوي، خدت منك حاجة كنتي هتموتي عليها.
ردت تصدقه:
– ايوة والله يا سيدنا، هي خطافة رجالة اصلا، تستاهل كل اللي يحصل فيها .
افتر فاهه بضحكة قميئة، وتلك النظرات الغير مفهومة يقول:
– انا عارف يا سامية من غير ما تقولي، وهعملك اللي انتي عايزاه، بس انتي كمان مش تتعبينا في اللي نطلبك منك.
– عيوني
هتفت بها تشير بالسبابة على الاثنتان، فاتسعت ابتسامته قائلا:
– تسلم عيونك، روحي وتعالي بكرة ، اكون جهزت الحاجة اللي انتي عايزاها.
انتفضت بلهفة وفرحة متمتمة:.
– ربنا يخليك يا سيدنا.
لترحل بعد ذلك تاركة ذلك الرجل ينظر في اثرها، ويتلاعب بانامله على الذقن الطويلة بتفكير .
❈-❈-❈
متسطحة على الفراش، متكورة على ذاتها، تذرف الدمعات بعدم توقف، تشعر بالخزي لصورتها التي اهتزت امام ابن عمتها الذي طالما كان يحترمها، وعدد الكذبات التي اصبحت تتقنها امام اخوتها، وهي ابدا لم تعتاد على ذلك ،
حتى حزنها الاَن لا تملك التعبير عنه امام احد، لمن تشكو وهي المذنبة في حق نفسها وحق الجميع.
وكأنه اتي على التفكير به، اضاءت شاشة الهاتف امامها برقمه لتغمص عينيها بتعب:
– مش وقتك خالص يا رياض .
حينما لم يتوقف عن الدوي اضطرت للإجابة على مضض:
– الوو…..
– الوو يا بهجة قلبي ، اخبارك ايه دلوقتي؟
ردت بحزن ظهر في نبرة صوتها:
– كويسة والحمد لله
– كويسة ازاي يعني؟ الصوت دا بيقول ان في حاجة، وحاجة كبيرة كمان.
لم تقوى على الصمود اكثر من ذلك، لتشهق غير قادرة على وقف دموعها، مما زاد من قلقه عليها، فصار يردد متسائلًا:
– يا بنتي ليه بتعطي؟ اتكلمي بقى يا بهجة متعصبنيش.
ردت بعد مدة من الوقت بصوت بالكاد يسمع:
– حاسة نفسي مخنوقة، صوتي منحاش وصدري طابق عليا، مخنوقة يا رياض والله مخنوقة
زفر بصوت عالي ، حتى شعرت بأنفاسه تخترق اسماعها ليهتف امرا.
– طب البسي اي حاجة وانزلي حالا قبليني
رددت بعدم اسنيعاب:
– اانزل اقابلك فين بالظبط؟
– انزلي قبليني تحت بيتكم في الشارع الخلفي يا بهجة .
قالها بجدية لم تتقبلها لتعترض رافضة:
– لا طبعا مينفعش الساعة دلوقتي داخلة على عشرة، انت بتتكلم ازاي ؟
– وانا قولت انزلي يا بهجة، انا خلاص داخل على شارعكم بعربيتي.
– يا نهار اسود ، يعني مصمم وبتتكلم جد كمان، لا رياض مش نازلة.
صمت قليلًا فأعتقدت انه قد اقتنع حتى سمعت صوت قوي لصرير سيارة ، فقال هو:
– انا تحت بيتكم دلوقتي، يا تنزلي انتي من سكات، يا هتلاقيتي طالع عندكم، والحجة موجودة، نجوان هانم طلباكي عندها ضروري.
– يخرب بيت جنانك
تمتمت بها ، لتهرول نحو اقرب نافذة تؤدي للخلف فوجدته بالفعل في انتظارها، وعينيه مصوبة نحوها .
واقفًا بهيبته، يضع كفه في جيب بنطاله، اسفل السترة والاخرى يمسك بها الهاتف، بهيئة تصلح صورة لإحدى مجلات موضة، شعرت بقلبها يكاد ان يغادر قفصها الصدري، وقوة خفقانه على غير المعتاد تسمع للغرفة المجاورة، لتزبهل تطالعه بصمت حتى صرخ بأذنها:
– مستنية ايه تاني يا بهجة بقى، ولا انفذ تهديدي
❈-❈-❈
تطلعت حولها مزبهلة لعدد كبير من اليخوت، تزين ذلك المرسى الذي اتت اليه مرافقة له، بعدما اجبرها بجنونه لتنزل من منزلها في هذا الوقت ثم يطير بها بسيارته، حتى توقف هنا.
– انت جايبنا هنا ليه؟
تبسم باتساع ، ليترجل من السيارة ثم يلتف اليها ويفتح الباب المجاور لها يأمرها:
– انزلي من العربية.
اعترضت برفض:
– لنزل فين يا رياض؟ الساعة عشرة دلوقت…..
– بهجة انزلي..
هتف بها بمقاطعة حادة جعلتها تطيعه، ليصعد بها بعد ذلك الى داخل احدهم، وهي مازالت بحالة من التشتت، تراقبه يذهب إلى قمرة القيادة ، ليشعل المحرك ثم يعود اليها بابتسامته الساحرة فتتمتم بقلق وتوتر:
– يا لهوي عليا، دا بيمشي في النيل، انت رايح بيا على فين .
جذبها اليه، يضمها بقوة لا تخلو من حنو، يهمس بأذنها بصوت دافيء:
– ممكن تنسى كل هموك معايا الساعة دي، انا مش هتأخر بيكي، ليكي عليا ارجعك قبل اتناشر المهم انك تسيبلي نفسك، ونعيش مع بعض اللحظات الجميلة دي
ابعدها عن حضنه قليلًا يطالع الوجه البهي ، وقد انعكست الانوار عليه حتى يزيدها فتنة، ليمسد عليه بانامله بحنان مردفا:
– انتي جميلة اوي يا بهجة، وانا تقريبا ما شوفتش واحدة بجمالك، انك تحتفظي بجمال روحك مع جمال الشكل اللي وهبهولك ربنا ، دي حاجة متحصلش غير قليل اوي، وانا حاسس اني محظوظ ان لقيتك، بتكلم بجد ، الكلام دا طالع من القلب.
للمرة الالف يسرقها من حالها بسحر كلماته، وحتى تلك الكراهية التي تشحذ بها ذاتها في كل مرة كي تقاومه، ينثرها بلمسة حانية منه، فتطير كرماد يختفي مع الهواء.
لماذا يفعل كل ذلك؟ لماذا لا يجغل الامر يسير كما رتبت في ذهنها حتى لا تخرج بخسائر
– مالك سرحانه في ايه؟
سألها لينتشلها من حالة الشرود، فاضطرت للإجابة تتحمحم حتى يخرج صوتها:
– مش عارفة يمكن متلخبطة، او يمكن الجو نفسه مأثر معايا، هو اليخت دا تبعك.؟
علم ان بسؤالها الاخير، هناك نية واضحة للتهرب من الاجابة عن ما يريد معرفته منها، لذلك فضل ان يجاريها ولا يضغط عليها،
ابعدها قليلًا ليتناول كفها، ثم يسحبها، ويصعد بها حتى وقف بها على سطحه موجها ابصارها نحو النيل وذلك الجو الساحر الذي يبعث على الطمأنينة حتى انساها بالفعل حزنها،
يضمها بذراعيه، يهمس بصوته الهاديء:
– اليخت دا انا وارثه عن المرحوم والدي، يعني تحت امري في اي وقت، المرة دي متتحسبش يا بهجة، المرة الجاية لازم تبقى رحلة لعدد أيام كاملين اخطفك من العالم، وتبقي ليا لوحدي
وفي اي وقت تحسي انك مخنوقة ولا مضايقة، تعاليلي وانا عمري ما هرفض اسمعلك يا بهجة.
التفت برأسه اليه بأعين ترقرقت بها الدموع، ماذا تصف وماذا تقول، يرحب بها لتلجأ اليه، وهي في الاصل السبب الاساسي لتعبها.
وبدون ان تتفوه ببنت شفاه وجدت نفسها ترتمي بحضنه الامن ، تود ان تصرخ بها، تلك الكلمة العالقة بجوفها تنتظر منها فقط الاشارة ، لتتنطق بها امام الملأ، ولكن العقل اليقظ دائمًا يلجم اللسان على التفوه بها
…بحبك
…يتبع
–
الفصل الثاني والعشرون
كم يتعبنا الصراع ما بين القلب والعقل
الاول يندفع مباشرة نحو العاطفة حتى لو أدى بنا إلى الهلاك
والثاني يُحجم، ويمنع، حتى لا نقترب ونتأذى، ربما هو بذلك قد يحمينا، ولكن شيئا ما من المغامرة واتباع المتهور، قد يأتي بالسعادة التي نرجوها……. حتى لو كانت منقوصة
#بنت_الجنوب
بوجه مشرق، وابتسامة تزين محياها الجميل، دلفت لداخل المبنى الذي تعمل به، وكأنها ترى العالم بصورة اخرى، غير تلك تعرفها،
فبعد ليلة الأمس، وما فعله من أجلها، حتى يراضيها ويخفف عليها من الحزن الذي كاد يوقف قلبها كمدا، ليأتي هو ويسمعها ويغدق عليها من حنانه، حتى كانت على وشك ان تنطقها بوجهه مباشرةً وتخبره بها، تلك الكلمة التي كانت تصرخ داخلها، ولكن الخوف من القادم هو من اللجم اللسان حتى يظل محله ولا ينجرف الى التهور.
ولكنها حسمت الأمر بداخلها، ان تعيش اللحظة كما يخبرها دائمًا، تريح هذا العقل عن التفكير قليلًا، على الاقل تحتفظ بذكريات تعيش عليها بعد ذلك.
ولجت لداخل المصعد في طريق ذهابها الى مكتبها في الطابق الاعلى، لكن وقبل ان يتحرك للصعود تفاجأت بتلك المتعجرفة تنضم اليها، تلهث بعض الشيء وقد بدا انها جاءت مهرولة ربما لتأخرها، فما تعلمه هو انها تأتي باكرا عن الجميع.
صمتت بهجة تدعي عدم الاهتمام تجنبًا لها، ولكن الأخرى لم تفعل ، فقد تركزت ابصارها بها فور ان التقطت انفاسها، لتطالعها من الأسفل الى الأعلى والعكس بتقيم اثار استياء بهجة واستغرابها ايضًا، وقد رأيت بوميض عينيها نظرة غامضة لم تفهمها ، حتى عبرت هي بلسانها :
– هو انا ليه حاسة انك متغيرة؟
ردت بهجة باستهجان لهذه النظرات المتفحصة لها:
– متغيرة ازاي يعني؟ مناخيري متحركة من مكانها الطبيعي مثلا.
سمعت منها لورا لتسخر بضحكة خافتة:
– دمخك خفيف، لأ وصدقتي نفسك كمان .
كتمت بهجة زفرتها تقلب عينيها بملل:
– لا حول ولا قوة الا بالله يارب، امال عايزاني ارد عليكي بإيه بس؟
– لا ترودي ولا تزفتي، انا اصلا غلطانة اني بصيتلك من أساسه.
تمتمت بها بقرف لتشيح بوجهها نحو باب المصعد في انتظار وصوله، وتغمغم بهجة من خلفها:
– لا اله الا الله، طب حد كان كلمها دي يا ربي؟
بعد لحظات توقف المصعد ، لتهرول بهجة كي تغادر وتتنفس هواء نظيفا، غير ذلك المشبع برائحة العطر الثقيل لهذه المتعجرفة.
ولكن وما ان تطلعت امامها حتى وجدت المصعد المقابل لها من الناحية الأخرى يفتح على مصراعيه، ويخرج هو منه، فتتقابل ابصارهما في ذلك التواصل الجميل، فينسى نفسه ويبتسم لها باتساع فرحًا لرؤيتها، وهي تبادله بخجل ذاهبة في طريقها المعاكس له،
غافلين عن تلك التي كانت خلفهما، وقد جمدتها المفاجأة، رياض الحكيم، ذلك المغرور المتكلف، والذي
يعمل الف حساب لهيبته مع الأشخاص العاديين، فما باله بالموظفين لديه، ينزل من علوه فيتواضع مع هذه الفتاة! بل وتظل ابصاره معلقه بها حتى اختفت من امامه نحو وجهتها، تقسم داخلها ان قدميه كانت على وشك ان تغير مسارها لتلحق بها، هذا ما شعرت به
هزهزت رأسها لتستفيق، تغمغم بتساؤول والحديث مع نفسها:
– دا حتى مخدتش باله مني وانا وراها؟ لدرجادي يا رياض؟!……
❈-❈-❈
بوجه متجهم وملامح، مكفهرة واصل طريقه بذلك المشفى الحكومي، يبحث بعيناه عن ذلك الاحمق ابنه الأكبر، مصدر همه وتعبه، والذي استيقظ قبله ليسبقه الى هنا
وصل الى الردهة المجاوره لغرف الحضانات ، وجده جالسًا واحد من مقاعد الانتظار، متربع الذراعين بشرود .
تقدم ليجلس بجواره يغمغم بحنق:
– يعني مهنش عليك تستناني على ما اصحى واجي معاك، طب اديك وصلت بدري عملت ايه بقى؟ اكيد مدخلوكاش اساسًا؟
زفر سمير يخرج كلماته بنبرة متعبه :
– على الاقل حصلت الدكتور وسألته عن حالة الولد، لكن انت زعلان ليه بقى؟ مكنتش حافظ عنوان المستشفى ولا غريب عن البلد؟
لكزه خميس بقبضة يده بغيظ قائلا:
– لا دي ولا دي يا خويا، انا كان نفسي بس تعمل بأصلك وتحضرلي اي لقمة افطر بيها، بدل ما اصحى ع العيش الفينو اللي نشف في الهوا ومعدتش ينفع يتاكل…. انزل على لحم بطني واقعد ادور ساعة على عربية فول افطر عليها، وجع قلب .
بسأم شديد تطلع اليه سمير يعبر عن اعتذاره:
– معلش يا بويا امسحها فيا المرة دي، نزلت وانا مش مركز.
عبس بوجهه غافلا عن ذلك الحزن الذي غلف ملامح ابنه العابث، يردف بسخط:
– امسح ايه ولا ايه؟ عن الوكاله اللي سايبها من امبارح في ايد اخوك الحمار، ولا على المرمطة اللي واقع فيها من امبارح مع سعادتك، حد يصدق اني انا ابات ليلتي في لوكاندة درجة تالتة هنا، عشان ملقتش حتة تاويني، بعد ما كان نسايبي بيشلوني من ع الارض شيل، اوضة اخر راحة واكل معتبر ميبطلش طول ما انا قاعد عندهم، وكل ده ليه؟ مش بسبب استهتارك، ورميتك لبتهم في عز ازمتها، خليت الناس كرهونا وانا وشي بقى قد السمسة قدامهم…..
– ما خلاص يا بابا الله يرضى عنك .
صرخ بها في وجهه بعدم احتمال، حتى يكف على تأنيبه، وهو الذي لا يعلم بما اصابه منذ الأمس، بعد رؤية ابنه على هذه الحالة الضعيفة، وكأن الله يجازيه على الاهمال نحوه.
ارتفعت عيناه فجأة نحو تلك الاصوات التي صدحت بالقرب منهما بمدخل احدى الغرف، ليجدها امامها تخرج بحالة من الانهيار والبكاء، مسنندة على ذراعي امرأتين ، يقمن بسحبها الى الخارج وشقيقها قد اتى فجأة من العدم، ليتلقفها منهما، ويصبح هو سندها.
– براحة على نفسك يا ختى مش كدة.
انتفض سمير بنغزة على خصره من ابيه الذي غلبه الفضول:
– دي مراتك اللي خارجة من الحضانات، ايه اللي قومها من سريرها وهي تعبانة وبالحالة دي؟
اغمض عينيه يجيبه على مضض:
– وصلت عشان ترضع الواد يا بابا، استغفر الله العظيم يارب.
غمغم بالاخيرة لينهض يتبعها وخلفه لحق به والده:
– اسراء
التفت اليه بوجه مغرق بالدموع تخاطبه:
– عايز ايه؟ وايه اللي جابك اساسًا؟ انا قولت من الاول محدش يتصل بيك، عملوها ليه؟
توجهت في الاخيرة بنظرة عاتبة نحو اخيها، الذي تنهد بتعب لحالتها، فقال سمير :
– ميتصلوش ازاي يعني؟ لهو انا مش ابوه؟ انتي بتقولي ايه؟
ضحكت بسخرية تردد خلفه:
– ابوه! كتر خيرك والله انك قولتها، على العموم ريح نفسك، الواد حالته متسروش وممكن يروح فيها، اهو تبقى اتخلصت من الخيط اللي رابطك بيا وتخلص مني بالمرة، اكيد دي دعوتك من جواك دلوقتي، انا قلبي حاسس
صارت تردد بها لتزداد انهيارا ثم فقدت الوعي، فتقدم هو من اجل ان يراها، ولكن شقيقها نهره بغضب:
– اقف عندك، وفر على نفسك، انا دراعي شديد واختي اشيلها في عيني لحد اخر يوم في عمري.
قالها ليرفعها عن الأرض بين ذراعيه، ثم بركض بها، امام ابصار زوجها، الذي غمغم بسبه، ثم هرول بخطواته خلفهما.
اما والده فقد تيبست اقدامه امام تلك الجميلة التي كانت تحمل اشياء زوجة ابنه حقيية اليد وحقيبة المولود، تمصمص بشفتيها مرددة كلمات الأسى:
– يا عيني عليكي يا بنت عمتي، غلبانة وحظك قليل من يومك.
همت لتتبعهم، ولكنه تصدر امامها يوقفها معرفًا عن نفسه:
– انا حما اسراء، جيت على ملا وشي لما عرفت باللي حصل، الا انتي تبقيلها مين، اصل دي اول مرة اشوفك.
ردت بأسى:
–
– انا بنت خالها صفاء اللي كنت ساكنة في الصعيد مع جوزي ، بس هو ربنا يرحمه بقى دلوقتي، عشان كدة رجعت تاني لأهلى
برقت عيني خميس بحماس شديد مرددًا:
– جوزك مرحوم، ودا جاله قلب ازاي يموت ويسيب شابة حلوة زيك.
تبسمت تغطي على فمها بخجل:
– يووه يابا الحج، ما قولتلك الحظ بقى، حكم بنات عيلتنا كلهم حلوين بس حظوظهم منيلة
تغضنت ملامحه بضيق ينهيها:
– ما بلاها منها ابا الحج دي، انا صغير وفي عز شبابي ميغركيش الواد سمير جوز اسراء دا البكري اللي خلفته وانا عشرين سنة، يعني تلاقيني مكملتش الخمسين بس انا مش بحسب.
عادت المرأة لهذه الضحكة الخجلة مرة اخرى، لتجاربه بمكر:
– معلش متأخذنيش ، دا حتى واضح من هيئتك انك صغير.
اطربه كلماتها، ليملس على شعر رأسه المزروع حديثًا، والمصطبغ بالاسود، يردف بثقة:
– لا يا ستي ولا يهمك، انا اصلا بتظلم كدة دايما من الناس، بسبب الحلوف ابني، اكمنه شكله اكبر من سنه
اومأت رأسها وقد شعرت انها اطالت معه ، لترد بعجالة:
– اهو كل واحد بياخد نصيبه، عن اذنك بقى اللحق اسراء
كادت ان تتحرك ولكنه عاد يوقفها بقوله:
– طب استني اخد رقمك الاول عشان اطمن عليها، حكم هي واخداني بذنب ابني ومش بترضي ترد عليا، لكن ربنا العالم، انا بعمل ايه مع الجبلة ده عشان اجمعهم على بعض، دا غير اني مستعد ادفع للعيل عشان يتعالج من الف لمية الف واكتر كمان….
بس كنت عايز اللي يتوسط ما بينا ، ايه رأيك يا؟… معلش لو فيها تعب، ممكن تقولي اسمك تاني.
قال الاخيرة بنبرة يتخللها المرح بعض الشيء، وجاء ردها سريعًا وهي تخرج هاتفها بلهفة وقد جذبتها عبارة النقود الكثيرة التي تفوه بها بفخر:
– ما قولتلك من الاول، اسمي صفاء ، همليك رقمي ترن عليه، اصل انا معنديش رصيد، بس اسجلك بإيه؟ انا كمان معرفش اسمك.
تبسم بملء فمه حتى ظهر صف اسنانه الامامية كلها ليجيبها بابتهاج:
– اسمي خميس، خميس الرواي يا صفاء اشهر تاجر في المنطقة عندنا.
❈-❈-❈
اختلقت حجة من الهواء كي تأتي إلى داخل غرفة الأرشيف وترى الوضع على الطبيعة مع هذه الفتاة المتلونة، يساورها شعور غريب من ناحيتها لا تعلم له صفة، ولكنه مقلق وخانق، وهي لن تستريح ابدا ما دامت تلك الفتاة موجودة بقربه، وتنعم بما لم تجده هي منه:
– صباح الخير يا عبد الفضيل .
القت بالتحية فور ان حطت قدمها داخل الغرفة لتجد الترحيب من الثلاثة في غياب بهجة والتي لم تجدها كما توقعت في هذا الوقت لاستراحة الموظفين، والذي استغلته الأخرى في الالتقاء بأصدقاءها القدامى من العاملين .
– اهلا اهلا يا لورا هانم، اتفضلي واؤمري باللي انتي عايزاه .
تنهدت تخطو لتجلس على الكرسي المقابل له، ترد التحية للسيدتين الاتي فغرت افواههم بالتطلع اليها بانبهار، لتردف للرجل المسالم:
– متشكرة اوي يا عبد الفضيل، عاملين ايه يا ستات وانتوا واخدين الجمب المريح هنا بعيد عن الدوشة ووجع الدماغ.
– تمام اوي يا لورا هانم ، ربنا يحفظك من كل سوء،
احنا فعلا عندنا الهدوء يعني لو عايز تروقي اعصابك في اي وقت تعالي واتفضلي عندنا.
قالتها احداهم، لتبادلها بابتسامة مصطنعة قبل ان تذهب بعيناها نحو المكتب الفارغ ، تسأل بفضول:
– ما هو الهدوء دا في ناس مش مستحملاه، بدليل انهم ما بيصدقوا وقت البريك يجي عشان يجروا ويروحوا للدوشة.
مصمصمت المرأة تعلق بغيظ، وكأنها وجدت الفرصة:
– وهي بتقعد اساسا، دي كل شوية اجازة، غير خروجها بدري عن المواعيد الرسمية، حظوظ بقى.
اعتدلت لورا بحلستها بشر معلقه:
– ليه يعني؟ وانتوا ازاي ساكتين اساسا على الفوضى دي؟ هي كانت شركة اهلها.
لحق عبد الفضيل على الفور يوضح:
– يا هانم مش لدرجادي، في كل مرة البنت بتبقى معاها حجتها، يعني منزودهاش بقى؟
توجه بالاخيرة بحزم نحو الموظفة زميلته، كي يلجمها عن زيادة اللغو مع هذه المتحاملة من الاساس ، ليعود اليها مردفا:
– مقولتبش بقى يا لورا هانم، كنتي جاية هنا ليه؟
تحمحت تستعيد برأسها الحجة التي أتت بها، لتجيبه بعقل يزداد سخونة بالأفكار التي تتناطح داخله:
– هقولك يا عبد الفضيل هقولك.
❈-❈-❈
والى بهجة التي كانت جالسة مع رئيستها الان اسفل الشجرة العتيقة، بعيدًا عن جمع الموظفين، والتي اصبحت مكانهم الاساسي، نظرا للهدوء الكبير بها، لتأخذ راحتها في الحديث معها:
– لف بيا النيل يجي اكتر من ساعة ونص، واليخت مقولكيش بقى، حاجة كدة ملوكي، بيقولك وارثه عن ابوه ، وخصني انا عشان يفسحني فيه، بعد ما لاقاني زعلانة وحزينة وانا بكلمه في التليفون، رطب على قلبي يا ريسة بحنيته، كان نفسه يقضي اكتر وقت معايا بس انا رفضت وخوفت، سمع كلامي ومردضاش يضغط عليا، ورجعني فعلا قبل اتناشر،
كانت تتحدث بحالمية لم تخفى على رئيستها التي تسمع لها بانتباه شديد، لقد حدث ما كانت تخشاه، والفتاة اصبحت متيمة به، رغم كل ما تدعيه من حذر ، ولكنها وقعت في المحظور.
– مالك ساكتة ليه يا ريسة؟ ما تردي عليا وكلميني .
تنهدت بعمق تعقب على قولها:
– يعني هقول ايه بس يا بنتي؟ ربنا يهنيكي، وانا اتمنالك ايه غير ان قلبك يرتاح .
تلقت عبارتها الاخيرة لتردف بتمني:
– اه يا ريسة، قوليها دي من قلبك ، نفسي اوي تحصل، نفسي قلبي يرتاح .
رفعت صباح كفيها للسماء:
– ربنا يريح قلبك يا بنتي، ويسعدك ويعطيكي كل اللي بتتمنيه وتحلمي يا بهجة، دي دعوة بدعيها في صلاتي مش بس قدامك.
– حبيبتي يا صبوحة.
قالتها بهجة لتنهض بعفوية وتقبلها من وجنتها المكتنزة
– الله يا عم ع الغراميات، وانا اقول واخدين جمب لوحدكم ليه؟
صدرت من زميلها القديم تميم، والذي جاء بالصدفة على مشهدهم هذا ، قاصدا الانضمام اليهما، قابلت صباح قوله بمرح لترد على مزحته، عكس بهجة التي شعرت بالتوتر في وجوده، لما تعلمه جيدا من مشاعر يحملها لها.
– عاملة ايه يا بهجة؟ خلاص معدتيش تيجي عندنا القسم،
أومأت بابتسامة مجاملة لتنهض وتجيبه:
– في نعمة والله يا تميم ربنا يخليك، انا همشي بقى معلش اشوف شغلي .
واقفها بصدمة:
– تمشي كدة فجأة يا بهجة اول ما انا حضرت، دا حتى البريك لسة فاضل عليه نص ساعة .
بررت بارتباك:
– وانا ههرب منك ليه بس يا تميم؟ بقولك ورايا شغل، عن اذنكم.
قالتها وانصرفت على الفور، ليظل هو متعلق بابصاره في اثرها لعدة لحظات حتى نهرته صباح:
– هتفضل كدة متنح في ضهرها كتير، ما تختشي يا واد على دمك .
التفت اليها مبررا:
– والله ما قصدي اللي في دماغك خالص يا ريسة، انا بس متفاجيء ، هي مالها كدة بتتهرب مني؟
عبست ملامحها بضيق مرددة هي الأخرى :
– ما هي قالتلك وراها شغل، ولا انت بس عايز تعملها حكاية، يا باي عليك يا تميم، اوعي كدة انا كمان ورايا شغل .
قالتها لتنهض هي ايضا وتتركه .
❈-❈-❈
بناءً على طلبه دلفت اليه بداخل الغرفة التي يجتمع بها مع الجميع من زبائنه، لتلقي التحية بلهفة قائلة:
– الست مبروكة قالت انك مصر تشوفني بنفسك يا شيخنا، لهو انت مخلصتش المطلوب.
رفع رأسه بشيء من ملل، فثرثرتها احيانا كثيرا ما تزعجه:
– اقعدي الاول يا سامية وبعدها اتكلمي، مش كله مرة واحدة وانتي واقفة
اذعنت لتجلس على الفور على المقعد. الذي وجدته مقابله، وقد كان امامه مباشرة، والمسافة ليست كبيرة، فتجعله يتحقق منها جيدا بنظراته المتمعنة، التي تثير الرجفة بداخلها بعض الاحيان، ولكنها دائما ما تجد التفسير، برهبتها منه، نظرا لما يمتلكه من قوة، في تسخير الجن والانس، على حسب ظنها.
تكلم بعد فترة من الصمت زادت من توترها:
– كنت عايز اعرف منك يا سامية بعد ما تاخدي غرضك ويتم المطلوب في البت اللي انتي قصداها هتعملي ايه؟ …. يعني هتعرفي ترجعي اللي لطشته منك ازاي؟
– ها
تمتمت بها بدون تركيز تردف بعدها:
– ودي محتاجة سؤال، اكيد هي لما تغور هيعرف قيمتي ويجيني من غير تعب، لهو انا قليلة عشان ما يبوصليش.
لاحت بعينيه نظرة خاطفة غامضة لم تفهمها بغباءها كالعادة، قبل ان يعقب لها:
– لا انت ست الستات يا سامية، بس انا عايز اسهل عليكي، بدل ما تفكري وتتعبي ولا هو يفاجئك بفعل غير متوقع، انا من رأيي انك تيجني، وانا هعرف اعلقه برباط المحبة وساعتها تبقى نولتي اللي انتي عايزاه ، خدتي بالك بقى يا سامية .
شهقت بفرحة والحماس يطل من عينيها:
– خدت بالي اوي، ربنا يخليك يا شيخنا، جميلك ده فوف راسي من فوق، وليك عليا ازودك اضعاف اللي دفعته المرة دي، على فكرة انا جيبت اللي طلبته كله للست مبروكة، حتى اسألها .
رد يتلاعب بسبحته:
– مش محتاجة اسأل يا سامية ، وع العموم لما تيجي المرة الجاية هنبقى نتفق.
– اكيد يا مولانا .
قالتها وانتفضت واقفة لتسأذن:
– طب اقوم انا اخد الحاجة من الست مبروكة، فوتك بالعافية يا شيخنا.
– الله يعافيكي يا سامية
تمتم بها بصوت خفيض وابصاره منصبة عليها وهي تغادر من امامه
❈-❈-❈
– جاي ليه يا سمير؟
كان هذا سؤالها الموجه له للمرة التي لا تذكر عددها، حتى بعدما جاء خلفها الاَن ليتحدث معها على انفراد داخل غرفتها بمنزل عائلتها التي استقبلته على مضض من اجل ابنتهم، والتي كانت في حالة يرثى لها الاَن، جعلته يتجاوز عما تتفوه به، ليرد بعنجهية رجولية ترفض الاعتراف بالذنب:
– بلاش سؤالك المستفز اللي عمالة تكرري فيه دا يا اسراء، انا ماسك نفسي بالعافية عن غلطك وقلبة اهلك وقلة زوقهم معايا انا وابويا بسبب اوهام في دماغك انا مش مسؤول عنها.
طالعته بأعين يفيض منها الالم مرددة خلفه بتساؤول:
– يعني بذمتك هي اوهام بجد ، طب ياريته كان كدة فعلا ، على الاقل مكنتش حصرت قلبي والزعل اثر على ابني هو كمان…… ابني…..
قطعت تعود لنوبة حارقة في البكاء مرددة:
– ربنا يسامحك يا سمير، خلتني احس بالنقص واني قلبلة، حرقت قلبي بالجري وراك وانت بتجري ورا اللي راح..
– يووووه
تمتم بها ينفض سترته بضيق ، داخله يعلم انها محقة، ولكنه مصر على عدم اظهار ذلك، ليستطرد على نفس المنوال من التكبر:
– مش هنفضل احنا في نفس السيرة اليوم كله بقى، الواد عايز علاج غالي والمستشفى الحكومي هنا مفيهاش إمكانيات، انا لازم دلوقتي اخده واروح بيه القاهرة عندنا….
– ابني مش هيتحرك خطوة من غيري، فاهم يا سمير؟
صاحت بها بهلع، ليسارع هو في طمأنتها:
– مش هاخده من غيرك يا اسراء، شدي حيلك انتي واجمدي شوية على ما اشوف انا المستشفى المناسب ، واتفق مع عربية مجهزة بحضانتها، مفيش وقت للانتظار، الوقت مش في صالحنا اصلا.
❈-❈-❈
بداخل صالة الالعاب الرياضية التي كانت تدخلها لاول مرة بصحبته في منزلهم الخاص، وقد جعلها ترتدي ملابس الرياضة مثله، ليدربها على بعض الالعاب معه، وتنال حظها من كلمات الغزل التي لم يتوقف عنها منذ ان وقعت عينيه عليها، بهذه الملابس الضيقة والتي تحدد الجسد بأكمله، ليأتي الاَن الدور على اللعبة المفضلة لديه، وقد وضعها مخصوص كشيء مختلف للترفيه بعيدًا عن الأجهزة الرياضية، طاولة البلياردو.
ليشرح لها الاًن بتركيز شديد والتنفيذ العملي :
– شوفي كدة يا بهجة، تنشني بتركيز شديد ، في لحظة تضربي، وبعدها زي ما انتي شايفة كدة اهو من واحد ورا واحدة في الاخير …… تسقط الكورة .
هللت بتشجيع لمهارته؛
– يا حلاوة دي فعلا زي ما بتقول، بس انا عمري ما جربتها .
اعتدل بجذعه يحفزها بقوله:
– يا بنتي ما انا عارف، وعشان كدة جايبك تتعلميها عشان تشاركيني اللعب، تتعلمبها وتبقي ممتازة فيها، وبرضوا اغلبك، واغلبك.
دوت ضحكتها بمرح وصخب، ضحكة صافية خاليه من تحفظها الدائم ، لتعقب على قوله:
– الله عليك يا ديكتاتور، يعني جايبني تعلمني عشان تغلبني ، انا بجد منبهرة بصراحتك.
طالعها بهيام لا يخفيه مرددًا بمكر:
– ولسة هتنبهري اكتر لما تتعلمي، وريني بقى شطارتك.
سمعت منه لتميل بجذعها للأمام تركز بعصا اللعبة، ثم تصوب على احدى الكرات التي اصطدمت بأخرى فتحركت على اثرهنا عدد اخربات، فتنال حظ المبتدئين وتُسقط الكورة في جب الطاولة، لتهلل هي وتقفز بمرح؛
– سجلت زيك اهو ومن ضربة واحدة، احنا جامدين يا عم مش أي كلام
كانت تهلل بحماس وهو يطالعها مبنسما بخبث لم تنتبه عليه إلا متأخرًا والى ما ينظر ، لتهتف معترضة وهي تلملم الفتحة الواسعة لكنزتها الرياضية في الاعلى كي يرفع عيناها عنها.
– انا بقول في ايه وانت في ايه……..
قطعت فجأة متذكرة ميلها في تصويب الكورة ، تتخيل الصورة الكاملة لما تكشفه الكنزة بهذا الفتح الكبير، لتصرخ
– نهار اسود ، دا انت طلعت خبيث اوي يا رياض
جلجل ضاحكًا وقد راقه غضبها المختلط بخجلها الشديد منه، ليرد من بين ضحكاته:
– دا على اساس اني غريب عنك والحاجات دي مشوفتهاش قبل كدة .
– متحسسنيش اني مغفلة بقى الله يخليك .
قالتها بضعف اثر به، ليقترب، ويضمها اليه، ثم يلطف بنعومة يراضيها:
– سلامتك يا قلبي من التغفيل، بس انتي لازم تعذريني ، باللبس الرياضي اللي انتي لابساه ده شكلك يجنن ، احلى حتى من النجمات التي بيتباهو بجسمهم على صفحات السوشيال ميديا .
– مش لدرجة النجمات يعني، هو احنا قدهم الناس دي.
قالتها بمكر الانثى التي تريد المزيد من الاطراء: وهو ابدا لن يبخل او يبخسها حقها:
– انتي احلى منهم كلهم ، وانا لولا اني بحبك وبغير عليكي كنت نشرت الصورة، عشان كل واحدة تعرف حجمها قصادك، يا بهجة قلبي انتي .
ازبهلت باندهاش تطالعه بانشداه، وسؤال يدور بخلدها عن صحة ما سمعته، ان كان اعتراف حقيقي ام كلمات عادية بفمه، كوصلة الغزل التي يطرب اسماعها بها ، ولكن وقبل ان تجد الفرصة لتستفسر كان هو يشتتها بمهارته كالعادة.
ليخطف قبلة على وجنتها، ثم كررها على جبهتها وبعض المناطق الأخرى على بشرتها ، ليستقر على ثغرها وتطول القبلة وتتحول للمسات ، حتى اجلسها على طرف الطاولة، وكاد ان يزيد بجموحه، لولا صوت الارتطام الذي دوي فجأة، فالتف بأنفاس لاهثة ، نحو المصدر، ليجد العاملة الايطالية وقد اشاحت بوجهها للناحية الأخرى تخبره باللكنة العربية الغير متقتة:
– مسيو رياض، انا اسف .
زفر يعدل من هيئته بغضب، يبتعد عن بهجة حتى تنزل عن الطاولة هي الأخرى، وقد اصابها الخجل الشديد، ولكنها اشفقت على المرأة بعد ذلك حينما اجفلها بصيحته الغاضبة:
– كان لازم تستأذني الاول يا جوليا، انا معنديش تهاون ولا تسامح مع اللي يتعدى على خصوصيتي
اومأت المرأة برأسها، تعيد الاعتذار:
– اسف مرة تانية مسيو رياض ، ولكن سائقك الشخصي العم علي، هو من اجبرني بالبحث عنك، من اجل امر هام يريد اخبارك به.
قطب بقلق مرددًا خلفها:
– امر هام لايه، ربنا يستر لتكون حصل كارثة .
❈-❈-❈
دلف بخطواته السريعة يلج الى داخل المنزل، بعد لحظات قليلة من اخباره عما استجد، ليتم استدعائه على وجه السرعة من اجل هذا الامر الجلل، وهو التعب الشديد الذي حل بوالدته كما اخبرته الدادة نبوية، والتي كانت جالسة الاًن على الفراش بجوارها، لترمقه بلهفة واستجداء فور ان وقعت عينيها عليه بداخل الغرفة:
– رياض يا بني انت جيت.
تقدم ليأخذ مكانه على الجانب الآخر من الفراش ، ليمسك كف والدته ويسألها:
– هي مالها؟ وايه اللي حصلها فجأة كدة؟ انا كنت سايبها كويسة.
اومأت المرأة بحرج تجيبه::
– والله يا بني كانت حلوة وزي الفل، انا بس دخلت الحمام، خرجت بعد كدة لقيتها اختفت ، قعدت ادور عليها وفي الاخر اكتشفت انها في البدروم.
– بتعمل ايه في البدروم، وايه اللي دخلها اساسا هناك ؟
هتف بعصبية زادت من صعوبة الامر على المرأة التي اطرقت برأسها تردف بحرج:
– لقيتها ماسكة حاجة المرحوم، وعمالة عياط ولا اكنه مات جديد، وانا مش عارفة هي وصلتلها ازاي اساسا؟ دا متخبية عنها بقالها سنين.
احتدت ابصاره في النظر اليها بصمت ، وغضب دفين، يحاول كظم انفجاره بصعوبة حتى على يزيد عليها ويجرحها، هذا خطأ لا يغتفر، ولكن كيف هي عرفت بمقتنيات الراحل لتتذكرها الاَن؟
– مساء الخير يا جماعة.
اجفل من شروده ليلتف نحو مصدر الصوت والذي تأكد من صاحبه فور رؤيته بمدخل الغرفة ، ليصعق بمن تدلف بصحبته:
– بهجة
تمتم الاسم بعدم استيعاب وهي تدلف مهرولة بقلق نحو والدته لتطمئن عليها ، وهذا المتحذلق يتبعها قائلا :
– الف سلامة عليها نجوان هانم، ايه حصل لها؟
– تعالي شوفها يا دكتور هشام دي تعبانة اوي .
تكلفت نبوية بالرد امام صمت الاخر والذي ارتسم العبوس على ملامحه ليغمغم كازا على اسنانه، دا ايه اللي جابه ده؟ وانتي ايه اللي جابك معاه؟
انتفضت بهجة لتنهض من جواره تجيبه بصوت هامس :
– صدفة والله، قابلته وانا داخله على هنا.
وقفت تبتعد عن الفراش مع اقتراب الطبيب منه وهو ينصت لحديث نبوية التي اسهبت بلهفة تشرح الوضع، وهو يختطف النظرات نحو بهجة، امام تجهم الاخر بصورة مكشوفة، يحجم نفسه عن الفتك به:
– انتي سريعة اوي في الشرح يا دادة، بس دا اكيد من التوتر، ما تساعديها يا بهجة باللي تعرفيه عشان افهم الوضع كامل.
توجه يالاخيرة نحوها لتهتز رأسها بعدم فهم ، فحسم رياض بجلافة:
– هتشرحلك ايه بهجة وهي مكانتش موجودة اصلا، ما تركز انت مع الدادة وانت تفهم .
قابل الطبيب انفعاله بهدوء متناهي، وهذه الابتسامة التي تثير استفزازه:
– ما انا قابلتها وانا نازل من العربية وعرفت انها واصلة حالا، بس برضو اكيد هي عندها من المعلومات اللي ممكن تفيدنا مع كلام دادة نبوية، بما انها متعلمة، ولا ايه يا سيادة المحامي المستقبلي، انا واثق انك هترجعي تكملي من تاني
– هي مين اللي هترجع……. هو انت كمان عرفت بمستوى تعليمها….
قالها بصدمة لينفض رأسه بعد ذلك كي يستفيق لمرض والده فهدر:
– خليك في حالة المريضة دلوقتي وانتي يا بهجة استني برا الأوضة .
أذعنت لتركض للخارج على الفور، هربا من هذا الوضع المربك، فهيئته كانت غير مبشرة على الاطلاق
اما الطبيب فقد كان على وشك الاعتراض ، حتى اجفل بالنظرة الحادة والوجه المغبر من هذا الذي تحولت ملامحه الى الإجرام، حتى جعله يردف باستسلام وتعلثم:
– ااا طب ماشي…. احكي واتكلمي انتي…… عن ظروف الحالة يا…. دادة نبوية
❈-❈-❈
فتحت احدى الفتيات الصغيرات من ابناء رحمة باب المنزل لترا من الطارق في هذا الوقت بعد ذهاب خالها وزوجته اليوم الى العمل بعد انتهاء شهر عسلهم، لتجد عمتها امامها بوجهها مهللة:
– ازيك يا منوش، انتي قاعدة هنا وسايبة امك لوحدها فوق يا بت .
رفعتها تقبلها من وجنتها، لترد الصغيرة:
– قاعدة مع ستو يا عمتو، هو انتي جاية عندنا؟
انزلتها على الارض تدلف لداخل المنزل دون انتظار تخبرها:
– اه يا حبيبتي هدخل اقعد مع التيتة شوية الاول، اطلعي انتي فوق لو عايزة تلعبي مع اخوتك .
هللت الصغيرة:
– وانا هروح اقول لماما كمان انك جاية عندنا
– ياللا يا ختي انطلقي
بالفعل ركضت الفتاة ليخلو المنزل عليها وعلى والدة شادي التي جاء صوتها من غرفتها باستفسار:
– مين اللي ع الباب يا منة؟
تقدمت لتدخل اليها تجيبها:
– انا سامية يا عمتي جيت اقعد معاكي شوية قبل ما اطلع عند اخويا ومراته.
وبطيبتها الزائدة استقبلتها المرأة:
– اتفضلي يا حبيبتي اقعدي معايا، والله فيكي الخير يا سامية انك بتسألي.
خطت تميل عليها بمحبة، لتقبلها من وجنتيها قائلة:
– انتي حبيبتي يا عمتي وانا الود ودي اقعد تحت رجليكي ما سيبكيش ابدا.
تبسمت المرة تبادلها:
– حبيبتي يا محلى كلامك، ربنا يديكي على قد نيتك ويعطيكي لحد ما تستكفي، اقعدي يا بت اقعدي.
خلعت عنها حقيبة اليد لتجلس امامها بأريحية امامها مرددة بابتسامة منتشية:
– اقعد يا عمتي ومقعدتش ليه؟ هو انا غريبة
❈-❈-❈
خرج من غرفة والدته بعد فحص الطبيب ومعرفة كاملة عن حالتها، على ملامحه يسود الوجود والاخر مازال مندمجًا في القاء التعليمات ووصف المستجد تطورات للحالة.
– زي ما قولتلك يا رياض باشا، هي كدة كل يوم بتثبت انها بتعود للواقع، وانهيار النهاردة دا اكبر دليل ، اكيد هتاخد وقت عشان تتعافى، لذلك انا بطلب منكم الصبر عليها، وتطولوا بالكم، هي اكيد موصلتش لكدة من فراغ، واحنا لازم نبقى على قد المسؤولية بدل ما تحصل انتكاسة.
اومأ يظهر تفهما وعقله يشرد فيما مضى وكيفية التصرف السليم معها الاَن لاستعادتها، رغم جراح الماضي وما تحمله من وجع كان هو من ضمن أسبابه.
– بهجة انتي هنا؟
عبارة صغيرة ولكنها كفيلة لانتشاله من غمرة شروده،، والعودة لحالته الاولى للغضب مع هذا البارد، والذي تبسم محياه، لمجرد رؤيتها برفقة العم علي في ردهة المنزل، والتي ردت بعفوية وقلق على المرأة.
– انا قاعدة مستينة عشان اطمن على حالة نجوان هانم،
هم يجيبها الطبيب ليسهب كعادته، ولكن الأخر قطع عليه من البداية بحزمه:
– ادخلي عندها جوا يا بهجة ودادة نبوية هتفهمك، ياللا بهجة.
هتف بالاخيرة بصيحة ازعجتها، ولكنها اضطرت لتتغاضى حتى تجنبًا لغضبه، وهذه الحالة الغير طبيعية التي يبدو عليها، اما الطبيب والذي اصابه الاحباط، فقد رمقه بشرز وكره جعله يستأذن مغادرًا على الفور:
– انا قولت بما فيه الكفاية، عن اذنكم بقى؟
– اذنك معاك يا خويا.
غمغم بها رياض بصوت مكتوم ، ليجأر بصوته نحو سائقه:
– روح معاه وصله يا عم علي .
❈-❈-❈
والى مكان اخر، داخل المنزل الصفيحي، ينظر من شرفة نحو الكم الهائل من الخرابات، في تلك المنطقة العشوائية، يستمع الى حديث والدته له عبر الهاتف الجديد، وقد استغني عن الاخر وجعله مغلقًا حتى ينتهي مما هو فيه، فيستفيق للعب مرة اخرى:
– ايوة ياما، زي ما بقولك ابعتي الفلوس على حساب الكاش اللي بقولك عليه…….. ياما ما تقلقيش بقولك ، انتي بس راضي المحامي الزفت وهو هيقوم بالواجب….. نعم نعم،، وجوزك رافض ليه ان شاء الله؟ هي الفلوس دي هيحوشها لمين؟ ما كله هيرجعلي في الاخر ولا هو ناسي…… مليش فيه بقى اتصرفي، انا مطلوب في فلوس على وجه السرعة…… ماشي يا ستي نستنى على ما يرجع من سفريته، مع اني بقيت اتوغوش على فكرة من كتر سفرياته دي،……. طب متزعليش ياما، المهم زي ما قولتلك ما تنسيش الفلوس توصل في اقرب وقت .
انهى المكالمة ليلتف نحو هذا الشاب المدعو عزوز والذي كان متكئا على الجدار يرمقه بعدم رضا قائلا:
– شكلها فيها انتظار تاني، انا بقول تشتغل وتجيب الفلوس من عرقك احسن يا غم هيما، بدل الشحططة ووجع القلب.
سمع منه لينهره بسخط :
– هو مين ياض اللي يشتغل ولا يهبب؟ ما تصحى لنفسك يا عزوز الكلب، مكانش يومين دول اللي قعدتهم عندك .
زفر الشاب يطوح كفبه بعدم اكتراث:
– ماشي يا عمنا انت حر، اخرك بس لبكرة عشان ابقى عملت اللي عليا، لو الفلوس وحق قعدتك هنا مجاتش، يبقى بقى ما تزعلش لما رجالة المعلم يرموك هيلة بيلة او يستفردوا بيك ، المنطقة هنا محمية طبيعية ملك المعلم الكبير ، يعني كل حاجة بامره، وانا مجرد خادم انفذ وبس، سلام يا بوس
خرج يتمايل في خطواته بكيد فيه، ليبصق الاخر من فمه مخرجا سبة وقحة :
– ابو شكلكم عالم اوساخ
❈-❈-❈
والى امنية التي خرجت من المرحاض تمسك بطنها وجبهتها بألم الدوار الذي كانت تسيطر عليه بصعوبة لتحفظ توازنها، او تهرب منه بالنوم معظم اليوم ، وجدته بداخل الشرفة يدخن بشراهة وشرود كالعادة، تقدمت لتجلس على اقرب مقعد يقترب من الشرفة تخاطبه:
– عصام انت مش خارج النهاردة؟
التف اليها ليقترب منها قائلا :
– لا خارج بعد شوية، بس انتي مالك؟ كذا مرة تدخلي الحمام في ساعة واحدة.
ردت تمط شفتيها بعدم معرفة او تدعي ذلك :
– باينها باطني بتوجعني، ع العموم انا هروح اريح شوية ع السرير احسن.
شرعت لتنهض فعلق من خلفها بسخرية:
– انتي اليوم كله ع السرير تقريبا، ايه الحكاية؟
ارتفع كتفيها وسقطا سريعًا لتعبر عن استيائها:
– مش عارفة بقى، يومين ويعدوا ان شاء الله.
تحركت لتذهب نحو غرفتها فخاطبها قائلا:
– طب خلي بالك بقى عشان طنت مجيدة مصرة تيجي تطمن عليكي، مش بعيد تلاقيها بكرة فوق راسك .
التفت له برأسها:
– تيجي تأنس وتشرف هي محتاجة استئذان اصلا ، عن اذنك بقى، عشان النوم كابس عليا .
❈-❈-❈
بملامح تملأؤها الأسى كانت بجوارها تلمس بيديها على خصلات الشغر الاصفر الحريري ، بعد ذهاب نبوية التي كادت ان تسقط من التعب، لتأخذ هي دورها، وتظل بجوارها، لا تريد تركها،
هذه المرأة الرقيقة ، تتعجب عما يصيبها؟ لماذا الطيبيون مصيرهم الدائم للجراح، حتى مع امرأة فاتنة مثلها، تملك من النعم ما يجعلها اميرة متوجة ومع ذلك تصاب بالمرض حزنا وكمدا نتيجة الخيانة.
– بهجة
جاء صوته بهذه النبرة الضعيفة ليقترب ويجلس على الجانب الآخر من الفراش ، يقبل رأس والدته العافية بفعل الحقن المهدئة، ليسأل عن حالتها :
– عاملة ايه دلوقتي؟
اومأت تجيبه بإشفاق لحالته هو الاخر :
– ان شاء الله تبقى كويسة زي ما قال الدكتور، بس الصبر، واحنا جنبها بنحبها مش هنسيبها ان شاء الله غير وهي راجعة لطبيعتها.
اومأ بهز رأسه لينهض يجر اقدامه، ليخرج من الغرفة وكأنه يريد الإبتعاد حتى لا ترى المزيد من ضعفه ، ولكنه ابت ان تتركه .
لتنهض من جوار والدته وتلحق به، وقد جلس بوسط الصالة مطرقه رأسه بألم واضح ، اقتربت لتضم رأسه بحضنها ، تغمرها بحنانها:
– اطمن يا حبيبي، كل حاجة هتكون تمام وعال تلعال ان شاء الله.
شعرت بدموعه الساخنة على بلوزتها، وهو يشدد من من ضمها اليه، وكأنه طفل صغير وجد ملجأه:
– انا خايف عليها اوي يا بهجة، وخايف كمان من اللي جاي ، والدتي جرحها مكانش في بابا ولا الخيانة وبس، انا كمان كنت ضمن الدايرة، بس والله ما كان بخاطري. انا اتحطيت في وضع جبرني اكدب عليها، والكدب اتحولت لكارثة بعدها، عشان اتحمل الذنب طول عمري.
– لا انت عملت ايه كمان معاها
عمغمت بتساؤول لم يجيبها عنه، فقد كان منغمسًا في ذكرياته السوداء، يبوح بما يحمله بداخله:
– كان نفسي تسمعني وتفهمني وقتها، لكنها كانت منهارة ومصدومة فيا زيي زيهم ، ضمتني في كفة الخيانة وانا يشهد ربنا ببرائتي، راح عقلها ومستحملتش وانا فضلت في مرار الماضي ، ودايرة مقفولة خنقاني،
رغم جهلها بكل ما حدث وفضولها في المعرفة الا انها شعرت بواجبها في الا تزيد عليه ، لتعطيه الفرصة يعبر ويخرج المكبوت بداخله وهي تسمع وتهون ، حتى يعترف له بنفسها، او ربما تعرف الحقيقة من صاحبة الامر نفسه، تسأل الله ان يشفيها عن قريب:
– اهدى يا حبيبي اهدى، ان شاء الله تطمن قريب وتريح قلبك من ناحيتها ، انا واثقة ان قلبها كبير .
– ياريييت يا بهجة يا ريت .
صار يشدد بذراعيه، ولا يريد تركها ابدا،
❈-❈-❈
في منزل شادي والذي كان واقفا بجوار زوجته التي اصبحت تأن بألم غير محتمل وهي ترفع رأسها عن المغسلة التي حاولت افراغ ما ببطنها به، ولكن للأسف لم يحدث
– ااااه اااه، بطني بتوجعني جوي يا شادي.
شدد يمسح بالمنشفة على جبهتها ثم يضمها اليه مهونا:
– معلش يا حببتي، بس انا مش عارف اعملك ايه تاني ، انتي لا البرشام نفع معاكي ولا الحاجة السخنة ، طب اخدك واروح بيكي ع الدكتور احسن .
رفضت بهزة من رأسها:
– لا عايزة اروح لدكتور ولا زفت، هروح انام احسن، يمكن ارتاح .
زفر باستسلام اذعانا لرغبتها ليحسبها حتى الفراش، يسطحها عليه، ثم يشد عليها الغطاء ليغطيعا بأكملها ، فخلع عنه سترته لينضم معها، وما ان شعرت به يريد ضمها اليه حتى عبرت عن رفضها :
– معلش يا شادي ممكن تبعد حاسة نفسي مش حاملة اي نفس جمبي .
تطلع اليها بصدمة مغمغما:
– حتى نفسي انا يا صبا.
لم ترد عليه، وهو ابتلع الغصة، يتمتم بالاستغفار، يرجع الحجة لمرضها، ليتضرع الى الخالق :
– ربنا يشفي عنك يا حبيتي .
طبع قبلة فوق جبهتها ولكن ملامحها التي تغضنت بضيق جعلته، ينهض على الفور من جوارها ،
…. يتبع