مريم

طلع من الشنطة ظرف أصفر قديم، مكتوب عليه بخط إيد متعرج وتعبان:
*«لا يُفتح إلا إذا ابني ما أظهرش أي ندم.»*
مريم حست بغصة في حلقها.
الأستاذ عبد السلام فتح الظرف، وطلع منه “لكلوك” صوف أزرق صغير بتاع أطفال، قماش قديم ومتهالك من الزمن.
شريف أول ما شافه اتسمر:
— “ده… ده كان بتاعي وأنا بيبي.”
— “أمك فضلت شايلاه من يوم ما اتولدت،” عبد السلام قال. “كانت بتحطه جنبه على السرير لما بطلت تزورها. كانت بتعصر عليه إيدها وهي بتعيط عليك بالليل.”
مريم نزلت رأسها.. افتكرت كام مرة دخلت على الحاجة فاطمة ولقيتها نايمة ومكوشة على اللكلوك ده بين صوابعها.
المحامي قلب حرف اللكلوك، وكان مستخبي جواه كارت ميموري أسود صغير جداً.
حطه في جهاز تسجيل صغير كان معاه.
الصوت خرج في الأول شوشرة.. وبعدين صوت شريف، وهو أصغر بس بحدة وقسوة:
*«إبصمي يا أمي خلصينا! أنا محتاج الحساب ده.. بلاش تناحة!»*
بعدها صوت الحاجة فاطمة الضعيف وهي بتعيط:
*«يا شريف يا بني دي فلوس حرام.. أنا مش هساعدك تضر نفسك وتضر الناس.»*
صوت خبطة شديدة ورازعة رنت في التسجيل.. الصوت كان واضح.
*«لو مابصمتيش، هرميكي في دار مسنين لا حد ينضفك ولا يغيرلك!»* شريف كان بيجعأ في التسجيل. *«عاجبك كده؟ تموتي لوحدك مرمية بين الغرباء؟!»*
صوت الحاجة فاطمة انكسر:
*«أنت ابني…»*
*«يبقى تتصرفي كأم وتسمعي الكلام وتتخرسي!»*
التسجيل خلص.
ما حدش في الأوضة تحرك. ولا حتى العم سيد.
مريم نزلت دموعها لأول مرة من يوم المستشفى.. مش عشان شريف، عشان فاطمة. عشان السنين اللي عاشتها أم بتسقي حب لولد بياكل في أحشائها.
شيرين قامت بالراحة وبصت لأخوها بقرف وذهول:
— “أمك كانت خايفة منك يا شريف؟!”
شريف فتح بؤه يحاول يدافع عن نفسه، بس مالقاش كلام:
— “مريم… أنا كنت مضغوط.. أنتِ مش فاهمة التوتر اللي كنت فيه.. إحنا ممكن نصلح كل حاجة.. أنتِ طول عمرك طيبة وبتحبيني!”
مريم قامت وقفت على حيلها:
— “أوعى تفتكر طيبتي وسكوتي كان إذن منك إنك تفضل تكسر فيا.”
طلعت ورقة الخلع الأصلية من شنطتها وحطتها قدامه، وجنبها القلم:
— “إمضي.”
شريف بص حواليه يدور على أي سند.. ما حدش بص له.
إيده كانت بتمشي بالعافية وهو بيمضي توقيع معوج في أخر الورقة.
— “البنت اللي كنت معاها قفلت سكتي..” قال بصوت واطي ومكسور. “والشركة هترفع عليا قضايا، وعمي هيلبسني التهمة.. أنا ما بقاش حيلتي أي حاجة.”