حكايات شروق خالد ج1

#حكايات_شروق_خالدالتاني يوم الصبح، دخلت الشيفت ومعايا الجريدة وتحت إيدي كوباية القهوة اللي بيريحتها المعفنة اللي بيحبها. لقيت محمود قاعد على السرير، وشه لسه ناشف بس مفيش الشراسة القديمة في عينيه. فتحت الجريدة وحطيتها جنبه على الكومودينو مع القهوة، وابتديت أجهز أدوات الغيار من سكات.

قبل ما أمد إيدي للضُمادة، بص لي وقال بصوت واطي: “اتفضلي.. شوفي شغلك”.رفعت حواجب باسترخاء وقلت: “مش هتقول إياك تلمسي رجلي النهاردة؟”ابتسم ابتسامة صغيرة، أول ابتسامة حقيقية أشوفها على وشه من ساعة ما دخل الأوضة دي: “خلاص.. عرفت إنك مش جاية تفرضي سيطرتك”.

فكيت الغيار بحرص، ولقيت إن الريحة خفت جداً والاحمرار بدأ ينحسر. الجرح كان بيبتدي يلم، والأهم إن روحه هي اللي ابتدت تلم. في اليوم ده، لما دخل الدكتور بهاء ومعاه الفريق الطبي، محمود مكنش زي كل يوم.. مكنش بيزعق ولا بيحاول يطرد حد.

لما الدكتور جه يقترب من الجرح، محمود بص لي نظرة سريعة، هزيت راسي له ببساطة وبثقة، فبلع ريقه وسكت وسايبهم يشتغلوا من غير مشاكل. الممرضة المسؤولة خرجت من الأوضة وهي باصة لي باستغراب وقالت: “إنتِ عملتي فيه ايه يا منار؟

ده أنا كنت هطلب نقلي من القسم سبع مرات بسببه!”قلت لها وأنا بلم أدواتي بهدوء: “مفيش.. كل الحكاية إنه كان محتاج يحس إنه إنسان مش مجرد حالة في ملف”.الأيام عدت، ومحمود دخل في مرحلة العلاج الطبيعي الجد.

في الأول كان بيتعب ويجز على سنانه، ومرات كتير كان بيبقى عايز يرمي الكرạcي ويستسلم، بس كل ما كان يبص ناحية الباب ويلاقيني واقفة أو قاعدة ساكتة في ركن الأوضة، كان بياخد نفس عميق ويكمل. لحد يوم من الأيام..

بعد أسابيع من التعب والصبر، جه وقت الجلسة اللي هيقف فيها على رجله الصناعية لأول مرة لوحده. كان واقف قدام قضبان التوازن، عروق رقبته بارزة من شدة التركيز، ورجله المعدنية بتترعش شوية تحت وزنه. الأخصائي كان بيحاول يسنده، بس محمود هز راسه وقال بصوت مسموع: “استنى.. سيبني ثانية”.

سند بإيديه الاتنين على القضبان، وثبت وقفته.. وبص لي. مديت إيدي في الهواء بحركة خفيفة كأني بحييه، وطلعت ابتسامة من قلبي. ثبت وقفته ثواني أكتر، ورسم على وشه ملامح تحدي قديمة تخص العساكر اللي مبتعرفش تخسر، وقال لنفسه بصوت واطي: “أنا واقف”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *