حكايات شروق خالد ج1

وبدأت أرفعه لفوق…النسيج مرقوش تحت أصابعي، بطيء ومتردد، كأني بفتح باب مقفول بقاله سنين. رفعت قماشة البنطال لحد ما ظهرت الساق المعدنية اللامعة، بمفاصلها السيليكونية وتصميمها الهندسي البارد، واضحة قدام عينه تحت نور الأباجورة الخافت.

محمود تنفّح بعنف، وكتفاه اللي كانوا مشدودين طول الوقت نزلوا دفعة واحدة كأن حمل تقيل اترمى من عليهم. عيونه فضلت مسمّرة على رجلي، وبعدين طلعت لعيوني أنا. مكنش فيه نظرة شفقة، ولا استعطاف، ولا العيون اللي بتبص وتطبطب بمغزى. كانت نظرة اتنين شافوا نفس الحفرة ووقعوا فيها.

قال بصوت منشخ، خشن من السكوت: “امتى؟”نزلت القماشة تاني بالراحة وعدلت البنطال مكانه، وقعدت على الكرسي مفرودة الظهر زي ما متعودة قدام أي عيان. قلت بهدوء: “وأنا في سنك تقريباً. حادثة عربية أخدت مني كل حاجة وراحت معها حاجات كتيرة كنت مفكرة إنها أنا.

“حرك راسه ببطء على المخخدة، وبص للناحية التانية عند حتة الزجاج اللي مكنش الحارس جاب خبرها قوي تحت الدولاب، وبعدين رجع بص لي وقال بنبرة مكسورة: “الناس فاكرة إن الموضوع حتة حديد بنمشي بيها.. هما مش فاهمين إن أصعب حاجة هي إنك تحس إن جسمك بقى كداب.

“”فاهمة يا محمود.. فاهمة كل حرف.” كملت كلامي وأنا باصة له بعين جامدة، مش ضعيفة: “وعارفة إنك مش عايز حد يقولك ‘بكرة تبقى كويس’، ولا عايز حد يدلعك.. وعشان كده أنا هنا. مش عشان أجبرك تحب رجلك الصناعية، ولا عشان أجبرك تضحك للدكتور وهو جاي يطمن.

أنا هنا عشان لما تحب تكسر دولاب تاني، تلاقيني واقفة وساكتة معاك لحد ما تخلص.”سكت الأوضة كلها. مكنش فيه غير صوت الهوا الخفيف بتاع جهاز التنفس، وحبة تكات من الساعات القديمة اللي في الطرقة.

محمود مد إيده ببطء شديد تحت البطانية، وطلع كيس الشاي اللي كان رافض ياخده من الممرضة الصبح، رماه على الكومودينو وقال بصوت واطي: “القهوة بتاعت البوفيه دي طعمها وحش قوي.. بس لو هتجيبيلي معاها الجريدة بكرة، ماشي.

“ابتسمت، وعدلت وقفتي.”تصبح على خير يا عريف محمود.””وأنتِ من أهله يا منار.”الليل بره كان لسه طويل، والمستشفى هادية، بس ولأول مرة من سنين، حسيت إن الأوضة دي مكنش فيها مريض صعب.. كان فيها واحد بيتعلم يقف على رجله من جديد، وواحدة جنبه بتسنده من غير ما تمد إيدها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *