حكايات شروق خالد ج1

محمود لا شكرني ولا استنيت منه شكر. في الليلة اللي بعدها، دخلت أوضته ومعايا الدواء بتاعه وغيارات الجرح. وقف يتابعني وأنا برصهم على التربيزة. قال لي بتحذير: “إياك تلمسي رجلي”.قلت له: “أنا جاية أبص على الغيار وبس”.”بقولك إياك”.قفلت الشنطة. “خلاص، مش هغصب عليك”.شكله اتفاجئ من ردي.

الناس كلها كانت بتدخل تفرد عضلاتها وتقوله اعمل كذا وسبني أعمل كذا. أنا قلت له أنا هنا عشان أعمل ايه، وسبت له القرار. وأنا بلف عشان أطلع، شميت ريحة مش لطيفة ومسكرة طالعة من تحت المطهر. وحروف الغيار كانت حمرا زيادة عن الليلة اللي قبلها.

كتبت في التقرير إنه رفض يغير على الجرح وبلغت الممرضة المسؤولة. الصبح بدري، جه الدكتور بهاء ومعاه دكتور شاب. سمع شكاوى محمود، وظبط له المسكنات، ومشي من غير ما يبص على الجرح كويس. ولما جيت الفت نظره لموضوع الريحة والحمار اللي بيوسع، قاطعني بقسوة:”أنتِ شغلتك تكتبي في الدفتر، وسيبي التشخيص ليا”.

هزيت راسي وسكت، بس عيني فضلت مفتوحة عليه. في الشيفتات اللي بعد كده، كنت بدخل لمحمود حاجات تفكره بالدنيا بره: قهوة من البوفيه التحتاني، صفحة الكورة من الجريدة، وكتالوج فيه أحدث الأطراف والترابيزات اللي نزلت. كان بيمسك الصفحات يقطعها ويرميها في الأرض.

قال وهو مغلوب على أمره: “مش عايز رجل بلاستيك تقعد تعمل نفسها عادية وكأن مفيش حاجة حصلت”.قلت بهدوء: “محدش قال إنها هتعمل نفسها عادية”.بص لي بعينه سريعة، وبعدين بص على رجلي المتغطية. وسكت، مسألش.

وفي ليلة من الليالي، بعد ما خلصت تعليق المحلول بتاعه، قال لي بصوت هادي: “إنتِ ليه كل شوية راجعة لي الأوضة دي؟””إنت مريضي”.”ما تخلي حد غيرك يدخل”.”ممكن”.”دي مش إجابة”.بصيت على الغيار المستدار تحت البطانية.

وقلت له: “أنا عارفة كويس إزاي الواحد بيبص لطرف صناعي ويحس إنه بتاعة حد تاني مش بتاعه”.ملامحه اتغيرت. الغضب متمسحش، بس فيه حاجة جوه اتزحزحت. سألني بصوت واطي: “إنتِ كمان؟”مشيت لحد الباب وقفلت البلستم. وبعدين رجعت قعدت على الكرسي جنب سريره.

طول تسعتاشر سنة وأنا كاتمة الحقيقة دي تحت بنطال طويل، ومشية موزونة، وسكوت مريح للكل. ومحمود بقاله تلات أسابيع عمال ينفر في الناس ويطرد فيهم. وكنت فاهمة قوي هو وصل للحالة دي إزاي. مديت ايدي ناحية حرف بنطالي الشمال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *