حكايات شروق خالد ج1

الليل جه تاني على مستشفى المعادي، والممرات هديت زي كل ليلة، بس الأوضة رقم 12 مبقاش فيها عارف يرمي طرفه الصناعي غيظاً وغضباً.. بقى فيها بطل بيتعلم إزاي يواجه بكرة، وواحدة جنبه واقفة.. مش عشان تطبطب بكلمتين مسكنين، بل عشان تفكره إن الحفرة اللي وقع فيها.

. يقدر يطلع منها أطول وأقوى من الأول. بعد أسبوعين من اليوم ده، جه اليوم اللي محمود هيخرج فيه من المستشفى. الأوضة رقم 12 مبقاش فيها ريحة الأدوية الحارقة ولا كآبة الأيام الأولى؛ بقى فيها ريحة البدايات، وحركة شنطة السفر اللي بتتzip، وصوت الخطوات اللي بقت أثقل وأكثر ثباتاً.

كنت واقفة بساعده يضبط ياقة القميص بتاعي المدني، وهو كان واقف قدام المرايا، بيبص على نفسه وهو لابس بدلة خروج، ورجله الصناعية تحت البنطال مظبوطة بخطوة هادية مكنش يحلم بيها أول يوم دخل فيه هنا وهو بيرمي الكرسي.

بص في المرايا لعينيا اللي كانت متابعاه في انعكاس الزجاج، وقال بصوت خشن ودافئ: “تصدقي؟ طول الثلاث أسابيع الأولانيين، كنت فاكر إن أقوى حاجة ممكن أعملها هي إني أكسر كل حاجة وأطرد الكل.. بس طلعت غلطان.”سألته باهتمام: “وإيه الصح اللي عرفته؟

“ابتسم ابتسامة خفيفة، ولفت ناحيتي وقال: “إن القوة الحقيقية مش إنك تدراي كسرك.. القوة إنك تقف قدام المرايا وتشوفه، وتقرر إنك تكمل بيه.”سكت شوية، وبعدين مد إيده بخشونة عسكرية بس فيها دفء الدنيا، وقال: “مش هقولك شكرا يا منار.. لأن الكلمة دي أصغر بكتير من اللي عملتيه معايا.

بس لو في يوم حسيت إن الدنيا اتقفلت في وشي تاني.. هلاقي مين يقول لي قوم؟”مسكت إيده وسلمت عليه بقوة وثبات: “مش هتستنى حد يقولك قوم يا عريف محمود.. إنت بقيت تعرف تقف لوحدك خلاص.”خرج محمود من المستشفى..

مشي من باب المعادي على رجلين اتنين، واحدة لحم ودم والتانية معدن وسيليكون، بس الاتنين كانوا شايلين راجل حقيقي راجع يواجه ددنياه بكل شجاعة. وأنا؟ رجعت للممرات الهادية، للشيفت الليلي، وللبنطالي الطويل اللي متعودة ألبسه.

بس ولأول مرة من تسعتاشر سنة، لما مشيت في الطرقة وحسيت بالضغط الخفيف بتاع الساق المعدنية، مبصتش تحت بحزن.. حسيت إن السر اللي كنت مستخبية ورا طول السنين دي.. بقى درع شرف مش عيب أبداً.#حكايات_شروق_خالد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *