أخذت ندى نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوت خافت: "اسمه... المستشار محمود السيوفي." ساد الصمت. نظر حسام إلى عمر، ثم أعاد النظر إلى ندى، وكأن الكلمات التي سمعها غير قابلة للتصديق. قال عمر ببطء: "يعني... أنتِ بنت المستشار محمود السيوفي؟" أومأت برأسها. "أيوه... لكنه مات وأنا عندي تسع سنين." سألها عمر: "وحد قالك إزاي مات؟" أجابت بعد تردد: "قالوا حادث عربية... وأنا عمري ما سألت أكتر من كده." اقترب عمر من النافذة، وظل صامتًا لثوانٍ طويلة. ثم قال دون أن يلتفت إليها: "ما كانش حادث." تسارعت أنفاس ندى. "إيه؟" استدار إليها. ولأول مرة، بدا على وجهه شيء يشبه الندم. "والدك كان بيحقق في قضية فساد كبيرة من سنين... القضية دي أطاحت بأسماء معروفة، لكن قبل ما يقدم الأدلة للمحكمة اختفى جزء منها، وبعدها بأيام اتوفى." هزت ندى رأسها بعنف. "مستحيل... لو ده حقيقي، ليه محدش قال لي؟" أجاب حسام: "لأن الملف اتقفل وقتها، وكل اللي كانوا قريبين من القضية اختفوا أو سكتوا." جلست ندى على أقرب مقعد. كانت تشعر أن العالم الذي عاشت فيه انهار في لحظة. قالت بصوت مبحوح: "وأنا... مالي بكل ده؟" فتح عمر الملف الذي أحضره حسام. كانت هناك صور قديمة، ومحاضر تحقيق، وأسماء كثيرة. ثم أخرج صورة لرجل في الأربعينيات يرتدي بدلة رسمية. وضعها أمام ندى. "تعرفيه؟" نظرت إليها طويلًا. ثم اتسعت عيناها. "ده..." توقفت عن الكلام. "ده كان بيزور بابا كتير وأنا صغيرة." قال عمر: "اسمه فريد المنصوري." شحب وجه ندى. "هو... هو زعيم العصابة اللي بتتكلموا عنها؟" أومأ عمر. "دلوقتي... أيوه." أغلق الملف وقال: "واضح إن في حد رجع يدور على حاجة من الماضي، ومعتقد إنها عندك." قالت ندى بحيرة: "بس أنا معنديش أي حاجة." وقبل أن يرد عمر، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. كان الرقم من المستشفى. ارتجفت يدها وهي أجابت. "ألو؟" جاءها صوت الممرضة مرتبكًا: "أستاذة ندى... والدتك اختفت من أوضتها." تجمدت في مكانها. "إيه؟!" "إحنا دورنا في كل المستشفى... ومش موجودة." سقط الهاتف من يدها على الأرض. ونظرت إلى عمر بعينين امتلأتا بالرعب. همست بصعوبة: "خطفوا أمي..." حكايات شروق خالد انحنت ندى بسرعة والتقطت الهاتف من الأرض. صرخت وهي تبكي: "إزاي اختفت؟! المستشفى فيها أمن!" جاءها صوت الممرضة المرتبك: "إحنا بنراجع الكاميرات... آخر مرة ظهرت فيها كانت وهي خارجة على كرسي متحرك مع شخص لابس بالطو أبيض، وكلنا افتكرناه دكتور." أغلقت ندى الخط وهي ترتجف. وضعت يدها على وجهها، ثم انهارت على أقرب مقعد. "أمي... ملهاش حد غيري." نظر عمر إلى حسام وقال بحزم: "اقفلوا كل مخارج القاهرة اللي نقدر نوصل لها، وابعتوا صورة الست لكل رجالنا." أومأ حسام وغادر مسرعًا. اقترب عمر من ندى ووضع أمامها كوب ماء. قال بهدوء: "اسمعيني كويس... البكاء دلوقتي مش هيرجع والدتك." رفعت رأسها والدموع تغطي وجهها. "وأعمل إيه؟" "تفتكري." "أفتكر إيه؟" "آخر مرة والدتك قالت فيها حاجة غريبة... أي اسم... أي مكان... أي ورقة احتفظت بيها." أغمضت ندى عينيها وهي تحاول استرجاع الأيام الماضية. وفجأة فتحت عينيها. "العلبة..." نظر إليها عمر. "علبة إيه؟" "قبل أسبوع، أمي طلبت مني أجيب لها علبة صاج قديمة من فوق الدولاب." "وبعدين؟" "لما فتحتها... كان فيها ساعة يد قديمة، ومفتاح نحاس، وصورة لبابا." سألها عمر بسرعة: "الصورة فين؟" "رجعتها مكانها." "والمفتاح؟" "أمي قالت لي: أوعي تضيعيه... ده آخر حاجة أبوكي سابه." ساد الصمت. قال عمر بصوت منخفض: "واضح إن المفتاح ده أهم مما كنا متخيلين." وفي اللحظة نفسها دخل حسام مسرعًا. "باشا... وصلنا تسجيل من كاميرات المستشفى." شغّل الفيديو على الشاشة. ظهر رجل يرتدي بالطو طبيب وكمامة ونظارة. كان يدفع والدة ندى على كرسي متحرك. وقبل أن يختفي من الكاميرا، التفت للحظة. تجمد عمر. ثم همس: "أنا أعرفه." سأله حسام: "مين؟" رد عمر وعيناه لا تفارقان الشاشة: "ده الدكتور شريف... كان المفروض مات من خمس سنين." شعرت ندى بقشعريرة تسري في جسدها. قالت بصوت مرتجف: "يعني إيه... مات؟" أجاب عمر: "كان واحد من أهم الناس المرتبطين بقضية والدك... والكل أعلن وقتها إنه توفى في انفجار." سكت لحظة ثم أضاف: "واضح إن حد زيف موته... وكان بيستخبى كل السنين دي." في تلك اللحظة، وصل إشعار إلى هاتف عمر. فتح الرسالة. لم يكن فيها سوى صورة واحدة. كانت صورة والدة ندى، تجلس على كرسي داخل غرفة مجهولة، وخلفها ساعة حائط قديمة. وتحت الصورة رسالة قصيرة: "لو عايز تشوفها عايشة... هات المفتاح قبل الساعة 12." نظر عمر إلى الساعة المعلقة على الحائط. كانت تشير إلى... العاشرة والربع مساءً. لم يبق أمامهم سوى أقل من ساعتين لإنقاذ والدة ندى، قبل أن تنتهي المهلة. حكايات شروق خالد نظر عمر إلى الرسالة مرة أخرى، ثم كبّر الصورة على شاشة الحاسوب. وقف حسام بجواره وقال: "مش باين أي حاجة تدل على المكان." لكن عمر لم يكن ينظر إلى والدة ندى... كان ينظر إلى ساعة الحائط خلفها. ثم قال: "رجّع الصورة." أعاد حسام تكبيرها. وأشار عمر إلى انعكاس خافت على زجاج الساعة. "شايف ده؟" اقترب حسام أكثر. ظهر في الانعكاس جزء من لافتة معدنية كُتب عليها حرفان فقط: "الـ..." قال حسام: "مش واضحة." رد عمر: "هات خبير الصور." خلال دقائق، بدأ خبير التقنية في تحسين الصورة. وبعد عدة محاولات ظهرت بقية الكلمة تدريجيًا. "المخزن الشرقي". ابتسم عمر لأول مرة منذ بداية الأزمة. "عرفتهم." نظر إليه حسام باستغراب. "تقصد إيه؟" قال عمر: "المخزن الشرقي... مستودع قديم على أطراف القاهرة. كان بيتستخدم من سنين، واتقفل بعد حريق كبير." سألته ندى بسرعة: "يبقى أمي هناك؟" أجاب: "لو الصورة حديثة... أيوه." وقف عمر والتقط مفاتيح سيارته. "يلا." قالت ندى بإصرار: "أنا جاية معاكم." اعترض حسام فورًا. "مستحيل." لكن عمر نظر إليها وقال: "هتيجي... لأنهم طالبين المفتاح، وغالبًا مش هيسلموا والدتك إلا لما يشوفوكي." بعد أقل من نصف ساعة، توقفت ثلاث سيارات سوداء على بعد مئات الأمتار من المخزن. أطفأ الجميع الأنوار. ترجل عمر وهو يحمل سلاحه. أشار إلى رجاله بالانتشار. ثم التفت إلى ندى. "هتفضلي ورايا مهما حصل." هزت رأسها. تقدموا في صمت حتى وصلوا إلى الباب الحديدي الكبير. كان مفتوحًا. وهذا ما أقلق عمر أكثر. دخلوا بحذر. المكان مظلم، إلا من مصباح واحد يتدلى من السقف. وفي منتصف المخزن... كانت والدة ندى مربوطة إلى كرسي. صرخت ندى: "أمي!" حاولت الجري نحوها. لكن عمر أمسك بذراعها في اللحظة الأخيرة. "استني!" وفي الثانية التالية... انطلق شعاع ليزر أحمر عبر الأرض. ثم آخر... ثم ثالث. نظر حسام إلى الأرض وقال بصدمة: "ألغام ليزر." لو كانت ندى ركضت خطوة واحدة إضافية... لانفجر المكان كله. وفي أعلى المخزن، دوى صوت رجل يصفق ببطء. خرج من الظلام رجل يرتدي بدلة رمادية. خلع نظارته، وابتسم ابتسامة باردة. "أهلاً يا عمر..." رفع عمر سلاحه نحوه. وقال بصوت جامد: "انتهيت يا فريد." ضحك الرجل وقال: "لسه البداية." ثم نظر إلى ندى مباشرة، وقال: "اسألي حبيبك... ليه أخفى عنك الحقيقة." نظرت ندى إلى عمر بدهشة. "حقيقة إيه؟" ابتسم فريد ابتسامة خبيثة وقال: "قول لها يا عمر... مين اللي كان آخر واحد قابل أبوها... قبل ما يموت بساعات." حكايات شروق خالد