حكايات شروق خالد ج2
بعد أسابيع، جه يوم خروجه. وقف قدام باب المستشفى، لابس بدلة الخروج، وخطوته على الأرض ثابتة، واثقة، ليها رنة معدنية خفيفة بتعلن إن الحياة مكملة وإن الكسر مش نهاية الرواية. سلم عليا قبل ما يمشي، وقال بضحكة صافية: “متشكر يا منار..
مش عشان سُندتيني وبس، عشان فهمتيني إننا بنقف بكرامتنا مش برجلينا.”وقفت على باب المستشفى أودعه بعيني، وبعدين لفت راجعة للممرات الهادية. دخلت الأوضة الهادية، نزلت عيني على رجلي الشمال، ولمست خامة البنطال بهدوء. لأول مرة في حياتي حسيت إن السر اللي كنت خايفه منه تسعتاشر سنة، مكنش عاهة ولا حاجة تستخبى.
. كان وسام شرف مستخبى تحت القماش، بينور في عتمة الليل لكل تايه محتاج يعرف إن الطريق.. لسه مكمل، وإننا مهما اتكسرنا، بنرجع نقف تائن أقوى وأثبت من الأول. عدت سنة كمان على الليلة دي.. مستشفى المعادي مبقاش مجرد مكان بنعالج فيه جروح الأجساد، وبقى مكان بتتعمل فيه أرواح من جديد، وبتتنسج فيه خيوط الأمل بين ناس مكنوش يعرفوا بعض.
في يوم خريفي هادي، وأنا خارجة بعد ما خلصت الشيفت بتاعي، سمعت صوت خطوات مألوفة جداً بتخبط في الطرقة بخنّة معدنية ثابتة وموزونة. لفيت وشي، لقيت محمود جاي من بعيد. مش ماشي بعصاية ولا بيعرج، لابس بدلة مدنية شيك، وماسك في إيده بوكيه ورد، وجنبه شاب تاني لسه خارج من الجلسات، ماشي على رجل صناعية ورافع راسه لفوق بكل كبرياء.
قرب مني، وابتسامة واسعة مالية وشه، وقال بصوت دافئ وعالي: “إزيك يا منار.. جيت أقولك إن القهوة بتاعت الكافتيريا لسه طعمها وحش، بس الدنيا بره.. شكلها بقى جميل قوي.”بصيت للشاب اللي معاه، لقيته بيبص لي بنظرة عرفان ساكنة جوه عينه، فحركت راسي له بابتسامة تشجيع، ورجعت بصيت لمحمود وأنا حاسة بدمعة فرح محبوسة في طرف عيني.
قلت له بصوت متهدج من الفرحة: “شايفك وقفت على رجليك بجد يا عريف محمود.. وكمان بقيت سند لغيرك.”ضحك ضحكة صافية من قلبه، وقال: “العسكري الأصلي هو اللي بيكمل السكة، واللي بيتعلم يوقف غيره.. مبيقعش أبداً.
“سلم عليا بحرارة، ومشي هو والشاب في الطرقة، وخطواتهم الاتنين كانت بتعمل سيمفونية حياة تانية خالص؛ سيمفونية بتقول إن الوجع مش بيقهرنا، ده بيدينا أجنحة جديدة نقدر نطير بيها مهما ضاقت بينا السكك. وقفت لحظة أبص على أثرهم، ونزلت عيني على طرف بنطالي..


