حكايات شروق خالد ج2
عدت ست شهور.. الشيفت الليلي في المعادي كان بيمشي بنفس هدوءه، بس أنا كنت اتغيرت من جوه. البنطال الطويل مبقاش درع بنستخبى وراه، وبقى حاجة عادية.. مش خوفاً من نظرة الناس، بل احتراماً لرحلة طويلة من الوجع والصبر.
مبقتش أمشي بحذر عشان محدش يلاحظ صوت الخطوات، بقيت أحس بخبطة الساق المعدنية في الأرض كنغمة انتصار مش عيب. وفي ليلة من الليالي، والساعة كانت قربت على اتنين الفجر، سمعت دوشة وزعيق جاي من ناحية أوجاع العناية.
الممرضة الجديدة كانت واقفة برة الأوضة مرعوبة، وشوشها صفرا وبتقول بصوت مكسور: “ده طرد الدكتور، وكسر الحامل، ومش راضي يخلي حد يقرب من رجله المبتورة!”بصيت لها بابتسامة هادية، وطبطبت على كتفها بحنان الأم اللي فاهمة ابنها بيعاني من إيه. قلت لها: “سيبي لي أنا الأوضة دي..
روحي اشربي قهوة وارتاحي.”فتحت الباب بهدوء ودخلت. العيان الجديد كان شاب في أوائل العشرينيات، ملامحه متغلبة بالوجع والغضب، وبيبص للدنيا نظرة عدوانية كأنه عايز يكسر الحيطة بإيديه. شافني داخلة، وقال بصوت حاد وناشف: “لو جيتي تقولي لي ‘اصبر واحتسب’ ولا ‘بكرة هتبقى أحسن’، اقسم بالله لهدف في وشك الكومودينو ده!
“وقفت مكاني بثبات، وبدون تردد.. ولا حتى ثانية تفكير.. مديت إيدي لحرف بنطالي الشمال، ورفعته لفوق بكل ثقة قدام عينه، وظهرت الساق المعدنية بلمعانها اللي مش بيداري حاجة. بص لي.. وفتح عينه على الآخر. الغضب اللي في عيونه اتخطف لحظة، وتحول لذهول، وبعدين لدمعة محبوسة في نص العين مش قادرة تنزل.
قعدت على الكرسي جنبه من غير ما أنطق ولا كلمة في الاول.. وبعدين قلت له بهدوء ابن البلد اللي داق نفس المر:”محدش هيقولك بكرة هتبقى أحسن يا بطل.. بس تعال أقولك إزاي تقف على رجلك.. بجد.”الشاب بلع ريقه بصعوبة، وكتفاه اللي كانوا مفرودين بغضب.
. نزلوا بهدوء.. وابتدينا الحكاية من أول وجديد، بس المرة دي.. مكنش فيه خوف.. كان فيه حد بيسلم الراية لحد تاني عشان يكملوا المشوار سوا. الشاب بلع ريقه بصعوبة، وعينيه كانت مصلّبة على الساق المعدنية بذهول حقيقي.
الكتفان اللي كانوا مشدودين بعصبية وبيرفضوا أي حد يقرب، نزلوا تدريجياً كأن حجر كبير نزل من على صدره. سأل بصوت مبحوح ومهتز: “يعني.. هقدر أمشي تاني؟.. هقدر أرجع زي الأول؟”هزيت راسي بابتسامة هادية ودافئة، وقعدت على الكرسي جنبه من غير استئذان، كأني قاعدة مع أخويا الصغير اللي تايه في وسط الزحمة.
