حكايات شروق خالد ج2
قلت له بنبرة واثقة: “مش هترجع زي الأول يا بطل.. هتبقى أحسن. هتبقى أقوى بكتير، لأن اللي بيمر بالتجربة دي مبيترجعش زي ما كان، ده بيبقى أنشف، وأصلب، وأفهم للدنيا.”سكت ثواني، كأنه بيستوعب الكلام، وبعدين مد إيده ببطء ومسح دمعة نزلت غصب عنه على خدّه، وقال بصوت واطي وخجلان: “أنا كنت فاكر إني بقيت عالة.
. وإني خلاص انتهيت.”رديت عليه بجدية وحسم: “عالة مين يا ابني؟ ده إنت عديت في اختبار مبيعديش منه غير الأبطال. الوجع ده مش نهاية الممشى، ده مجرد أول السطر.”بلع ريقه مرة تاني، وبان على وشه أول بوادر الهدوء من ساعة ما دخل المستشفى.
بص للكومودينو اللي كان لسه حاطط عينه عليه عشان يرميه، ورجع بص لي وقال وابتسامة خفيفة ظهرت على شفايفه: “طب.. هتعلميني؟”غمزت له بعين رايقة وأنا بمد إيدي أعدل له الغطاء: “من عيوني الاتنين.. بس بشرط، أول ما تروق كده، الشاي بتاع الكافتيريا عليا، ماشي؟
“ضحك ضحكة صغيرة من قلبه، لأول مرة أسمعها من وقت ما دخل الأوضة. الليل في مستشفى المعادي كان لسه ماشي بهدوءه المعتاد، والممرات ماليها السكوت، بس الأوضة دي مكنش فيها خوف ولا يأس.. كان فيها بداية جديدة، وحكاية بتسلم نفسها لحكاية تانية.
طول ما فيه ناس بتعرف تمد إيدها لبعض في العتمة، وتزرع النور من قلب الوجع، مفيش حفرة أبداً هتفضل غويطة على اللي يتعلم إزاي يقف.. ويسند غيره.#حكايات_شروق_خالدتاني يوم الصبح، دخلت الشيفت ومعايا كوباية الشاي اللي وعدته بيها.
لقيته قاعد على السرير، عيونه مركزة، ومفيش العصبية اللي كانت ماليّة الأوضة امبارح. حطيت كوباية الشاي قدامه، وقعدت جنبه من غير مقدمات. بص لي وقال بصوت هادي: “هو أنا هقدر ألبس بنطال زي زمان وأخرج أتمشى في الشارع من غير ما أحس إن الناس كلها باصة لرجلي؟
“ابتسمت له بثقة وقلت: “الناس مش هتبص لرجلك يا بطل.. الناس هتبص لراجل ماشي رافع راسه، ومشية العسكري اللي مبيكسرهوش الزمن. في الأول هتحس إن كل العيون عليك، وبعدين هتكتشف إن مفيش حد فاضي يبص لحد أصلاً.. وكل اللي هيتبقى هو أنت، بقوتك وثباتك.
“الأيام عدت، والشاب بدأ يدخل في جلسات العلاج الطبيعي بكل جدية. صحيح كان بيقع أحياناً، وصحيح الوجع كان بيرجع يقرص عليه في الليالي الباردة، بس كل ما كان بيحس إنه قرب يستسلم، كان بيبص ناحية الباب ويفتكر إن فيه ناس غيره عدت من نفس الحفرة وطلعت منها أطول وأقوى.

