عوض المطر في قصر الدالي الجزء الثالث والاخير حكايات شروق خالد

بعد ما مراد قال جملته دي، مشي وسابني واقفة وسط الجنينة، مشاعري متلخبطة بين الفرحة الطايرة في السماء والخوف اللي لسه ناخر في قلبي. أنا بقيت بشتغل مع مراد الدالي، الراجل اللي غلطة واحدة معاه ممكن تكلف البني آدم عمره.
مرت الأيام، واستلمت الشغل في قصر قديم في الزمالك، مراد كان بيشتريه ويجدده عشان يخليه مؤسسة ميرفت الدالي للفنون. الشغل كان حلم بيتحقق، لوحات، وتحف، وتاريخ.. كل حاجة درستها أونلاين وبصعوبة بقيت بلمسها بإيديا.
بس الغريب، إن مراد مكانش بيسيبني في حالي.. كل يومين تلاتة، يظهر فجأة. يدخل بهيبته وطوله، الرجالة بتوعه يأمنوا المكان، وهو يدخل يقعد على كرسي من الأنتيكات، ويبصلي وأنا بشتغل من غير ما يتكلم. نظرته كانت غامضة، مش نظرة إعجاب على قد ما هي نظرة حد بيحاول يفهم إزاي البنت دي لسه نضيفة من جواها وسط كل السواد ده.
وفي يوم، وبعد حوالي شهرين من الشغل، كنت قاعدة مع عم كامل في جنينة قصر التجمع. أنا وهو بقينا صحاب جداً، كان بيحبني وبقيت أنا الوحيدة تقريباً اللي بيسمع كلامها ويقبل ياكل منها من غير ما يخاف. وفجأة، لقيت عم كامل مسك إيدي وقاللي بصوت واعي جداً، وعينيه صافية مفيهاش أي توهّان: يا ندى.. يا بنتي.. مراد مش وحش، مراد الغابة هي اللي خلته ديب.. اوعي تسيبيه لوحدو.
برقت ومسكت إيده وسألته لو كان فاكرني، بس قبل ما يرد، عينيه تاهت تاني، وبص لفردة الجزمة بتاعته وقال: أيوة يا ميرفت.. الأكل جاهز. نزلت دموعي وأنا مش فاهمة الراجل ده ساعات بيبقى واعي إزاي، بس كلامه رن في ودني.
في نفس الليلة، وأنا راجعة شقتي الجديدة في الدقي اللي مراد كان مأجرهالي، الدنيا كانت بتمطر برضه.. نفس أجواء الليلة الأولى. نزلت من التاكسي وكنت داخلة عماراتي، وفجأة.. حست بحركة غريبة. عربيتين ميكروباص سُود وقفوا فجأة قدام العمارة. الأبواب اتفتحت بسرعة، ونزل منهم رجالة ملثمين، بس دول مكانوش رجالة مراد.. دول ملامحهم وحركاتهم كانت كلها غدر.
قبل ما أنطق أو أصرخ، واحد منهم كتم بوقي بحتة قماشة فيها ريحة نفاذة.. حاولت أقاوم، أرفس، أفتكرت عم كامل، أفتكرت مراد.. بس جسمي ساب، والدنيا اسودت في عيني.
فوقت وأنا مربوطة على كرسي في مخزن قديم على طريق إسكندرية الصحراوي، ريحة الرطوبة والعفن مالية المكان. قدامي كان قاعد راجل عجوز برضه، بس وشه مليان غل وقسوة، وماسك سبحة في إيده. أول ما فتحت عيني, ضحك ضحكة سخرية وقالي بلهجة صعيدية شديدة: نورتي يا ست ندى.. بقا حتة بت صصّيعة من شوارع وسط البلد، تبقا هي نقطة ضعف مراد الدالي؟
صوتي كان رايح، بس قولتله: أنت مين؟ وعايز مني إيه؟ وقف وقرب مني، وقالي: أنا منصور المنياوي.. ومراد الدالي داسلي على طرف، وأخد مني شغل بملايين.. واديكِ شايفة، الديب مبيتعلمش عليه، بس لما عرفت إن والدك الحاج كامل مبياكلش ولا بيشرب غير من إيدك، وإن مراد نقلك من الفقر للغنى.. عرفت إنك الصيد الثمين اللي هكسر بيه مناخيره.
طلع تليفونه، وطلب رقم.. وفتح الإسبيركر. الخط فتح، وجالي صوت مراد.. بس المرة دي مكانش بارد، الصوت كان طالع زي زئير الأسد المجروح: منصور.. لو لمست شعرة منها، هحرق الصعيد باللي فيه.. أنت عارفني مبرحمش.
منصور ضحك بجبروت: تؤ تؤ يا مراد يا دالي.. الشغل اللي أخدته مني يرجّع، ومعاه نص أرض الملاحات.. وإلا، البت دي هتقرأ عليها الفاتحة الليلة.. قدامك ساعتين. وقفل السكة في وشه.
الساعتين عدوا وأنا بموت من الرعب، منصور ورجالته كانوا واقفين مستنيين. وفجأة.. النور انقطع عن المخزن كله! صوت ضرب نار حي وبكثافة بدأ يضرب من كل حتة برة.. الرجالة جوة المخزن بدأوا يجروا ويتلخبطوا. الباب الخشب الكبير بتاع المخزن اتهد بالكامل.. ودخلت منه عربية جيب شيروكي، كشّافاتها عمت الكل.
ومن وسط الكشافات والمطر اللي كان بيدخل من السقف المهدود.. ظهر مراد الدالي. كان ماسك سلا..حه في إيده، وعينيه كانت بتطلع شرار. في أقل من دقيقة، رجالة مراد كانوا مصفين ومكتفين كل رجالة منصور.
مراد قرب من منصور المنياوي، اللي كان واقف مرعوب وسلا..حه اتهز في إيده. مراد خبط السلا..ح من إيده بضربه واحدة، ونزل فيه ضرب لغاية ما بقاش ناطق، وبص للرجالة بتوعه وقالهم: تاخدوه.. وميطلعش عليه نهار.
مراد جري عليا، وبإيديه اللي كانت بتترعش لأول مرة، فك الحبال اللي حاطة على إيدي ورجلي. أنا أول ما فكني، من كتر الخوف والانهيار، رميت نفسي في حضنه وأنا بعيط بهيستيريا.
مراد شدد من مسكته ليا، وحط راسه على راسي وقال بصوت واعي ومليان حنية عمري ما تخيلت إنها جواه: أنا آسف يا ندى.. أنا اللي جبتك لعالمي الضلمة.. بس وحياة غلاوة أبويا عندك، ما هسمح لحد يمسك بظلم طول ما أنا عايش.
خرجنا من المخزن، والمطر كان لسه بينزل.. بس المرة دي، مكانش مطر خوف وضياع زي أول ليلة. المرة دي كنت عارفة إن وسط كل الضلمة والمافيا والشر اللي في العالم.. أنا لقيت حمايتي، ومراد الدالي لقى طوق النجاة بتاعه.
