ورود دبلت في وسط المية حكايات شروق خالد
بعد ما سارة رجعت البيت، الدنيا اختلفت تماماً. محمود مابقاش يطيق يشوف حد غريب في البيت، وحتى “إنعام” نالت جزاءها وبقت قضية رأي عام بعد ما محمود صمم يرفع عليها قضية تعذيب واستغلال، واكتشف إنها كانت بتسرق مصروف البيت كله وتجيب لسارة أرخص وأسوء أكل.
لكن الدرس الحقيقي كان جوه قلب محمود.
في ليلة، سارة كانت نايمة وتعبانة من الحمل، محمود قعد في الصالة اللي كانت من كام يوم بس مسرح لجريمة في حق مراته. مسك تليفونه ولقى عشرات المكالمات من البنك، زمايله بيكلموه عن صفقات وعن ترقيات.. بص للتليفون وابتسم بسخرية، وعمل “وضع الطيران”.
دخل الأوضة بالراحة، وقعد على طرف السرير يتأمل سارة. لاحظ إن لسه فيه أثار بسيطة للعلامات اللي كانت على دراعها، قلبه وجعه وقرب باس إيدها. سارة فتحت عينها ببطء وابتسمت له:
“لسه منمتش يا محمود؟”
رد عليها وهو بيمسح على شعرها:
“مستنيكي تصحي عشان أقولك إني حجزت لنا أسبوع في مكان هادي، بعيد عن البنوك، وبعيد عن الشغل.. مكان مفيهوش غيري أنا وأنتي والبيبي اللي هيشرف قريب.”
سارة دمعت وقالت: “أنا مش محتاجة سفر يا محمود، أنا محتاجة بس أحس إنك هنا.. إنك سندي.”
محمود رد عليها بثقة:
“أنا موجود، ومش هغيب تاني. اكتشفت إن الشغل والنجاح طعمهم مر لو مفيش حد نحبه يشاركنا فيهم، واكتشف إن البيت اللي مفيهوش روح الراجل وحنيته، بيبقى مجرد حيطان باردة مهما كان فيه عفش غالي.”
ومرت الشهور، وجت لحظة الولادة. محمود كان واقف جوه العمليات، ماسك إيد سارة، مش سايبها لحظة. ولما صرخة البيبي الأول طلعت، سارة بكت ومحمود بكي معاها.. بس المرة دي كانت دموع فرح.
سموا المولود “يحيى”، وكأن حياتهم “يحيى” فيها الأمل من جديد. محمود اتعلم إن الرجولة مش إنك تملى البيت فلوس، الرجولة إنك تملى البيت أمان. وبقت حكاية “محمود وسارة” درس لكل واحد فاكر إن الرفاهية تغني عن الحنية، وإن الفلوس ممكن تشتري خدامة، بس عمرها ما تشتري “بيت”.
حكايات شروق خالد
وبعد ما “يحيى” نور البيت، محمود بقى شخص تاني خالص. مابقاش يهمه المناصب ولا الأرقام اللي في البنك، بقى أكبر إنجاز في يومه هو إنه يشوف سارة بتضحك وهي شايلة ابنهم.
وفي يوم، وهما قاعدين في البلكونة بيشربوا شاي وسارة سانده راسها على كتفه، شافت بوكيه ورد “كالا” (Calla Lily) أبيض محطوط في فازة شيك على الترابيزة. سارة سكتت لحظة، كأنها افتكرت اليوم اللي شافت فيه الورد ده مرمي على الأرض وسط مية المسح.
محمود حس بيها، ضغط على إيدها وقالها بصوت هادي:
“الورد ده يا سارة مش عشان يفكرك باللي فات.. الورد ده عشان يمسح الذكرى القديمة. النهاردة الورد ده في بيتنا وإحنا مبسوطين، وبإيدي أنا اللي جبته، ومفيش حد غريب بينا.”
سارة بصت له وقالت: “تعرف يا محمود؟ أنا كنت فاكرة إن الوحدة هي قدري، بس لما شوفتك داخل من الباب اليوم ده، رغم كل الوجع اللي كنت فيه، حسيت إن ربنا بعتلي حقي. أنا مش زعلانة من اللي حصل، لأن لولا اليوم ده، كان زماننا لسه عايشين في كذبة الفلوس والشغل.”
محمود رد عليها: “أنا اللي مدين لك بالاعتذار يا سارة. علمتيني إن البيت بيتبني بالحب، مش بالحيطان. وعلمتيني إن أغلى استثمار هو الوقت اللي بقضيه معاكي ومع يحيى.”
ومن اليوم ده، بقى بيتهم معروف وسط الجيران بـ “بيت البركة”. مابقاش فيه خدم، مابقاش فيه تكلف، بس كان فيه دايماً صوت ضحك، وريحة أكل بيتي دافية، ورجل بيعرف يحمي بيته بقلبه قبل جيبه.
وانتهت حكايتهم بدرس غالي أوي: **”إن الست مش محتاجة قصر تعيش فيه وهي وحيدة، هي محتاجة حضن يطمنها إنها مش لوحدها في الدنيا.”**
