ورود دبلت في وسط المية حكايات شروق خالد

وصلت البيت بدري عشان أفاجئ مراتي الحامل.
لما “محمود” رمى بوكيه الورد على الأرض وشاف مراته “سارة” وهي في الشهر السابع، قاعدة على ركبها، مبلولة بمية وسخة وبتحك في جلدها بهستيريا لحد ما قرب يدمي، في اللحظة دي بس فهم إنه كان غلطان لما افتكر إن الفلوس هي هي الحب.
عمره ما حس إنه زوج مقصر، بالعكس، كان دايماً يقنع نفسه إن طفح الكوت في الشغل ده أكبر دليل على إخلاصه. محمود عنده 32 سنة، مدير بنك، وحياته بقت عبارة عن اجتماعات وتقارير وعزومات شغل وسفر، وكل ده كان في نظره أهم من تعبه الشخصي. كل ما “سارة” تقوله “وحشتني”، يحضنها ثواني ويبوس راسها ويوعدها إن كل التعب ده عشانها، وعشان البيت، وعشان البيبي اللي جاي والمستقبل اللي يستاهلوه.
و”سارة”، اللي مالهاش حد في الدنيا، لا أب ولا أم ولا إخوات ولا حتى قرايب، كانت بتبتسم بوجع هادي، وهو كان بيفتكر إن ده “صبر وتفهم”.
مع تقدم الحمل، الكل قاله إن الست في حالتها دي لازم ترتاح، لا مجهود ولا شيل ولا حط. محمود، عشان يريح ضميره، عمل اللي شافه صح: جاب شغالة مقيمة في البيت اسمها “إنعام”. جات ومعاها شهادات خبرة ممتازة، صوتها واطي، لبسها نضيف، وكلامها يخلي أي حد يصدقها. جاتله عن طريق مكتب “ثقة”، واشتغل قبل كدة عند ناس “كبار”، وده كان كفاية جداً لمحمود عشان يطمن إنه كدة حل المشكلة.
كان بيدي “إنعام” مصروف أسبوعي لكل حاجة: خضار، لحمة، فاكهة، فيتامينات، ومنظفات.. كل اللي سارة تحتاجه. وكان بيوصيها كل يوم زي ما يكون بيصلي:
“أهم حاجة عندي راحة سارة.”
و”إنعام” كانت ترد وهي موطية راسها:
“متقلقش يا سعادة البيه، دي في عيني، هخلي بالي منها كأنها أختي.”
يا سبحان الله، في ناس عندهم قدرة غريبة إنهم يخلوا الكدب يبان حقيقة.
يوم الجمعة ده، في اجتماع اتلغى فجأة. محمود خرج من البنك قبل الليل، ولأول مرة من فترة طويلة حس إنه فرحان زي العيل الصغير. اشترى بوكيه ورد كبير، وعدى على محل لبس أطفال جاب هدوم صغننة وأرنب لعبة. كان سايق وهو بيتخيل شكل سارة لما تشوفه راجع بدري، وقال في نفسه إنه هيبدأ يعوضها عن كل الأسابيع اللي غاب فيها، وإن لسه في وقت يصلح اللي انكسر.
مكمنش يعرف إنه داخل يشوف غيابه ده عمل إيه.
وصل البيت لقى الباب موارب.. دي كانت أول حاجة قبضت قلبه.
دخل بالراحة، ماسك الورد والابتسامة على وشه، وفجأة سمع صوت عياط. ماكنش عياط عادي، ولا نرفزة، ولا صويت.. كان عياط مكتوم، يقطع القلب، كأن صاحبه بيستأذن عشان يتنفس.
قرب من الصالة، والوقت وقف.
سارة كانت راكعة في نص الصالة، لبسها مبلول وماسك في جسمها، وبطنها الكبيرة بتترعش بين إيديها. جنبها جردل مية رمادية وسخة، وفي إيدها حتة قماشة قديمة، وجلد دراعاتها بقى لونه أحمر دم من كتر الدعك. كانت بتدعك نفسها بوجع وهي بتعيط وتقول كلام مش مفهوم:
“خلاص.. قربت.. هنضف.. أنا آسفة.. مش هبقى وسخة تاني.. أنا آسفة..”
وقدامها، قاعدة على الكنبة الجلد بكل برود كأن البيت بيتها، كانت “إنعام”. قاعدة، مربعة رجليها، وماسكة طبق فيه فاكهة مستوردة وبتاكل، ومشغلة التلفزيون، وبتبص لسارة بنظرة حقر وقرف، كأنها بتبص لحاجة مش بشرية.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *