طريق النجاة الأخير#حكايات_شروق_خالد
تعبت سبع أيام بحالها من صداع بيقطع في راسي، وجوزي وأمه قاعدين يحلفوا لي: “ده إرهاق وعادي، بلا دكتورة بلا وجع دماغ.” وفي الآخر، زهقت ونزلت استخبيت وطلبت تاكسي رحت بيه المستشفى لوحدي. الدكتور كان بيقيس لي وبيكشف عليا، وفجأة اتسمّر مكانه وصرخ بصوت عالي لممر الممرضات: “اطلبوا البوليس فوراً!” فضلت نايمة على السرير ونازلة في صدمة، وأنا حاسة ومتأكدة إن اللي جوزي كان مخبيه عني أوسخ وأرعب بكتير م اللي كنت متخيلته.
في سابع يوم من الصداع اللي ملوش آخر، حسيت كأن فيه شق الحيط بيحفر جوه دماغي. قلبت جيوب روب الحمام على كل قرش وكل جنيه ورق مقطوع عشان أجمع ثمن التتاكسي اللي هيوديني المستشفى اللي جوزي حذرني ألف مرة أطأها برجليه.
كنت حافية، ومفيش في رجلي غير شبشب حمام قديم، ولابسة بنطلون ترنج واسع بتاع جوزي فوق قميص النوم. رجلي كانت كأنها كتلتين خشب، وكل خطوة كانت بتشك فيها آلاف الدبابيس.
شوية كده، ودخل الدكتور ميشيل أوضة الكشف في الطوارئ بمستشفى في مصر الجديدة. كان راجل كبير شوية في أواخر الخمسينات، كتافه منحنية، وعينه دبلانة، بس إيديه كانت حنونة بشكل غريب.
نقر ركبتي بالمطرقة الصغيرة بتاعت الفحص. رجلي يا دوب اتحركت حركة بسيطة كادت ما تتبانش.
سألني وهو بيكتب في الورق: “من امتى وأنتِ حاسة بالتنميل والصداع ده؟”
رديت بصوت هامس مسموع بالعافية: “من شهور.. كنت فاكرة عشان زعلانة على أبويا وأمي. بس جوزي فضل يقنعني إن ده كله تهيؤات في دماغي، وإن جسمي عشان متوتر مش أكتر، وكان ديماً يقولي أنتِ مش محتاجة دكتورة ولا يحزنون.”
هز راسه بجدية، وسلط كشاف صغير في عيني، وطلب مني أضغط على صوابعه بكل قوتي.
وبعدين مسك معصمي الشمال بالراحة عشان يشوف النبض.
كم الروب الواسع وقع لتحت فجأة.
وهنا.. الدكتور وقف مكانه كأنه تمثال ومتحركش.
أربع كدمات سودا وبيضاويين كانوا واضحين جداً على باطن معصمي.
كانوا محطوطين في خط واحد مظبوط، وشكلهم بينطق ويقول إن دي علامة أصابع إيد ضغطت بكل غل وقسوة على جلدي.
وش الدكتور انقلب في ثانية وبقى حد السيف:
“مين اللي عمل فيكي كده؟”
نزلت عيني على البلاط الأبيض، وقولت بصوت مكسور:
“جوزي.. هو كان بيساعدني.. يعني لما كنت هاوقع.”
مقيّمش الدكتور ولا كلمة، وعينه نزلت فجأة على أظافري.
خطوط بيضاء رفيعة كانت ماشية بالعرض على كل ظفر في إيدي.
إيده كانت لسه ماسكة إيدي، بس هو بقى ساكن تماماً.
الجو في الأوضة اتقلب وبقى مكتوم وثقيل.
من غير أي مقدمات، لف الدكتور ميشيل ناحية الاستقبال وصرخ بصوت عالي وصارم لدرجة إن الدم جمد في عروقي:
“كلموا الشرطة حالاً! وممنوع.. تحت أي ظرف.. إن الست دي تخرج من الدور ده!”
وفي نفس الثانية بالضبط، تليفوني اللي كان محطوط على رجلي اهتز وربط في بعضه من رسالة جات.
رسالة من “زياد” ظهرت على الشاشة:
أنا عارف أنتِ في أنهي مستشفى.. إياكي تخلي حد يديكِ علاج. أنا وأمي جايين في الطريّق.
فضلت باصة للشاشة، وصوابعي تلجت ومكنتش قادرة أتحرك…
قلبي دق بجنون وخبط في ضلعي لدرجة حسيت إنه هيطلع من مكانه. عينيا فضلت باصة على شاشة الموبايل وهي بتتهز بين إيديا اللي بترتعش. الكلام اللي كتبه زياد نزل عليا زي الصاعقة. هو مش بس عارف أنا فين.. هو بيراقبني، وعارف إني كشفت السر اللي كان مخبيه.
الدكتور ميشيل لاحظ وشي اللي خطف ألوانه وبقى أصفر زي الميت، فوطى عليا بسرعة وقبض على كتفي وقال بصوت حازم ودافئ في نفس الوقت: “ماتخافيش خالص.. أنتِ هنا في أمان، ومفيش مخلوق هيقدر يقرب منك مدام دخلت باب المستشفى ده. سامعاني؟”
هزيت راسي بصعوبة بالغة ودموعي نزلت على خدودي بغزارة وأنا بقول بصوت مكسور: “يا دكتور.. هو جاي في الطريق هو وأمه.. هيق/تلوني لو لقوني هنا.. أنت مش فاهم دول عاملين إزاي!”
قبل ما الدكتور يرد، سمعنا صوت دربكة وخطوات سريعة جاية من ناحية ممر الطوارئ برة الأوضة. ممرضة دخلت تجري وشها متبلور بالرعب وقالت بصوت عالي: “يا دكتور ميشيل! في راجل معاه ست كبيرة دخلوا من باب الطوارئ بيزعقوا بصوت عالي وبيسألوا على مريضة هنا.. وبيقولوا إنهم جوزها وأمه وعايزین ياخدوها غصب!”
الدكتور ميشيل شد على إيدي بقوة وقال بثبات: “أمن المستشفى زمانهم وصلوا.. مش هسيبهم يلمسوا شعرة منك.”
وفجأة، باب أوضة الكشف اتفتح بعنف، وظهرت وشوش زياد وأمه المرعبة وهي مالية المكان غضب وشر..
#حكايات_شروق_خالدزياد دخل الأوضة وعניه بتطق شرار، ووراها أمه (صفاء) اللي وشها كان مليان سم وغضب، وقبل ما أي حد فيهم ينطق بكلمة، زياد صرخ بصوت عالي ملا الأوضة كلها:
“إنتِ اتجننتي؟! إزاي تيجي هنا من ورايا ومن غير ما أخد إذنك؟ قومي معايا حالا، بطلي تمثيل ودلع فاصخ!”
مريم كتمت صرخة ودارت بجسمها ورا ضهر الدكتور ميشيل وهي بتترتعش زي الورقة في الريح، وقالت بصوت مكسور ومرعوب: “ابعد عني.. متخليش يقرب مني يا دكتور! بالله عليك احميني منه!”
الدكتور ميشيل وقف قدام زياد بكل طوله وباسلحه ثبات، ورفع إيده يمنعه وقال بصوت حاد وصارم: “أنت رايح فين؟ اقف مكانك! المدعية مش هتروح معاك في حتة، والشرطة في الطريق وهيوصلوا كمان دقايق!”
صفاء (الحماة) قربت بخطوات واسعة ووشها مقرفص من الغيظ، وقالت بصوت حاد وهي بتزعق: “شرطة مين يا راجل إنت؟! دي مراتي ابني وهي حرّة فيها! دي واحدة مجنونة وبتخرف، وإحنا عارفين مصلحتها أكتر منها.. وسّع كده ملناش كلام معاك!”
زياد مد إيده بعنف عشان يجذب مريم من دراعها ويشدها بره الأوضة، وهو بيقول بصوت واطي ومليان تهديد: “تعالي هنا يا بت الكلب، فضايحك كفاية لحد كده!”
بس في اللحظة دي، قبل ما إيد زياد تلمس مريم، باب أوضة الكشف اتفتح أكتر ودخل منه أمين شرطة وراجل كبير في لبس مدني، ومعاهم اتنين من أمن المستشفى. الأمين حط إيده على كتف زياد بقسوة وزقه لور وقال بصوت خشن: “على فين يا حلو؟ ارفع إيدك من عليها واعدل وقفتك وأنت بتكلم الحكومة!”
زياد اتخض ووشه اتغير لونه، وبص لأمه بتوتر شديد وهو يحاول يبلع ريقه، وقال بتأتأة: “حكومة إيه يا باشا؟ دي مراتي.. أنا بس باخدها بيتها عشان تعبانة!”
الراجل اللي كان واقف جنب أمين الشرطة تقدم لقدام، وكان المقدم هشام من مباحث القسم. بص لزياد نظرة كلها احتقار، وبعدين بص لمعصم مريم اللي كانت عليه الكدمات ولأظافريها، وقال بصوت بارد: “مراتك؟ شكلك نسيت إن الدكتور بلّغ عن شبهة جنائية، والكدمات اللي في إيدها دي بتديك تذكرة مجانية للتحقيق الفوري بتهمة الشروع في الق/تل والتسميم البطيء!”
أمه صفاء لطمت على وشها وقالت بصراخ هستيري: “تسميم إيه وبطيء إيه؟! إحنا ناس محترمة.. دي بنت قليلة الأصل وبتبلي علينا!”
المقدم هشام اشار للحرس ولأمين الشرطة وقال بصوت حاسم: “كل الكلام ده هتقولوه في القسم.. كتفوا الاتنين دول وهاتوا الملف الطبي والحرز بتاع المريضة حالا.”
زياد وهو متكتف واتشد لبرة، بص لمريم نظرة مرعبة ومليانة حقد، وقال بصوت مكتوم: “وحياة أمه لأدفعك ثمن اللي عملتيه ده غالي قوي!”
مريم استندت على ترابيزة الدكتور ميشيل وهي حاسة إن روحها رجعت لها لأول مرة من سنين، ودموع الفرج نازلة على خدها وهي بتهمس لنفسها: “أخيراً.. الكابوس خلص.”
#حكايات_شروق_خالدفي اللحظة اللي كانت واقفة فيها قدام الشباك بتستنشق هوا الحرية، سمعت صوت رزع الباب الرئيسي للشقة اللي كانت مأجرها في منطقة هادية بوسط البلد. قلبها دق بخفة، بس مكنش خوف زي زمان.. كان فضول واطمئنان.
دخل عز الدين وبص عليها بابتسامة دافية وهو بيرمي جاكيته على الكنب، وقال بصوت حنون: “كنتِ فين؟ مش قولتلك ما تقفيش قدام الشباك كتير والجو لسه هواء؟”
مريم التفتت ليه وابتسمت ابتسامة من القلب، وقربت منه بخطوات ثابتة وقالت: “كنت بشم هوا نضيف.. هوا مفيش فيه ريحة خوف ولا سموم.”
عز الدين مد إيده وحضنها بحنان، ومرر أصابعه على شعرها وقال: “خلاص يا مريم، القضية اتقفلت بشكل رسمي، وزياد وأمه ودعوا الحرية للأبد في السجن، ومفيش كائن حي يقدر يضايقك بعد النهاردة.”
مريم رفعت عيونها ليه وقالت بامتنان عميق: “أنا لسه مش مصدقة إن الكابوس ده كله خلص.. لولاك يا عز الدين، ولولا إنك ظهرت في حياتي في الوقت المناسب، كنت زماني في خبر كان.”
عز الدين بص في عيونها بحب وقال بلهجة قاطعة: “أنا مكنتش بعملك فضلة خير، أنا كنت بجبلك حقك.. ومن النهاردة، مفيش غير حياة جديدة لينا إحنا الاتنين وبس.”
قعدوا مع بعض على الكنب، وبصوا لقدامهم في بكرة، وهما متأكدين إن مهما الدنيا قست ودارت، السند والحق دايماً بينتصروا في النهاية.
المقدم هشام مد إيده بحسم وشد على كتف زياد بقسوة، ودفعه قدامه هو وأمه في ممر المستشفى، وسط نظرات الممرضات والدكاترة اللي كانوا متابعين الموقف بصدمة. صوت صراخ صفاء وشتائم زياد كان بيتردد في أرجاء الطوارئ، لحد ما اختفوا تماماً مع رجال الأمن والشرطة في اتجاه العربية اللي بره.
جوه أوضة الكشف، مريم وقعت على الكرسي كأنها فقدت آخر نقطة طاقة في جسمها. جسمها كله كان بيترتعش، ودموعها نازلة بغزارة، بس لأول مرة من سنين طويلة، حست إن الهوا بيدخل صدرها بحرية ومن غير خوف.
الدكتور ميشيل جاب كوباية مية وقرب منها بحنان أبوي، حطها قدامها وقال بصوت دافئ: “شربي شوية مية يا بنتي.. اهدي، خلاص، الشرطة خدتهم، ومحدش هيقدر يإذيكي تاني أبداً.”
مريم مسكت كوباية المية بإيدين بترتجف، وشربت ببطء، وبصت للدكتور بامتنان عميق وقالت بصوت مكسور: “أنا.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا دكتور.. لولاك، كنت زماني ميتة.. هما كانوا بيسمموني بالبطيء، كنت حاسة إن جسمي بينطفي كل يوم.”
الدكتور ميشيل هز راسه بأسف وقال: “الخطوط البيضا اللي على أظافرك وتنميل الأطراف دي علامات واضحة جداً لتسمم معدني أو مادة سامة بتتدرج في الاكل والشرب بانتظام.. التقرير الطبي اللي هعمله دلوقتي هيكون دليل إدانة قاطع ضدهم في النيابة.”
في اللحظة دي، دخلت ممرضة وقالت بجدية: “يا دكتور، المقدم هشام بينادي حضرتك بره عشان يمضي الأوراق الأولية قبل ما ينقلوا المريضة لغرفة المتابعة.”
الدكتور بص لمريم وقال: “ثواني وراجع لك.. ارتاحي دلوقتي خالص.”
مريم قعدت لوحدها في الأوضة الهادية، بصت لإيديها اللي كان عليها آثار الكدمات، وحطت إيدها على بطنها وهي بتفتكر الشهور اللي فاتت كلها.. الذل، الخوف، التهديدات المستمرة، وإحساسها إنها لوحدها في الدنيا دي بعد موت أهلها. بس دلوقتي، كل ده انكشف.. وزياد وأمه راحوا المكان اللي يستحقوه.
بعد شوية، رجع الدكتور ميشيل ومعاه ممرضة جهزت كرسي متحرك وقالت بلطف: “يلا يا مدام، تعالي نققلك في أوضة هادية في الدور اللي فوق عشان ترتاحي وتعملي بقية الفحوصات في أمان.”
مريم ركبت الكرسي، وطلعت لفوق وهي حاسة إنها بتولد من جديد. الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن بداية حياة تانية؛ تحقيقات النيابة أثبتت تورط زياد وأمه في وضع مواد سامة ببطء في أكلها بهدف الاستولي على ممتلكاتها وميراثها بعد وفاة أهلها، والتقارير الطبية دمرت أي فرصة لهم في الهروب من القضية.
وبعد مرور عدة أشهر، وفي يوم مشمس وجميل، مريم كانت واقفة قدام شباك بيتها الجديد، بتبص على الشارع وهي حاسة بالحرية والراحة. الصداع والتنميل راحوا تماماً مع العلاج الصحيح والبعد عن السموم. رجعت تبتسم وتتنفس براحتها، وعرفت كويس إن مهما طال الليل، فجر الحقيقة والعدل لا بد هيبان.
#حكايات_شروق_خالدمرت السنين وبقت أيام الخوف والسم مجرد كابوس بعيد في الماضي، ذكرى مرة مريم تجاوزتها بفضل سند حقيقي وقوة جديدة لقتها جواها. الشقة في وسط البلد بقت عامرة بالدفى والحياة، وعز الدين كان دايماً ضهرها وسترها اللي بتحتمي فيه من غدر الدنيا.
وفي يوم هادي، وهما قاعدين بيشربوا الشاي في البلكونة، مريم بصت لعز الدين وبابتسامة مليانة رضا قالت: “عارف يا عز الدين؟ أنا حاسة إني ولدت من جديد.. كأن كل سنين العذاب دي كانت حلم وحش وصحيت منه على حقيقة أجمل بكتير.”
عز الدين مسك إيدها وباسها بحنان وقال: “لأنك إنسانة قوية تستاهلي كل حاجة حلوة.. وماضيكي ده كان مجرد محطة صعبة، لكن الجاي كله لينا.”
حضنته مريم وهي باصة للسماء الصافية، وعرفت بقلب مرتاح إن مهما الليل طول، فجر الأمان والحب الصادق بيبان في النهاية، وإن القصة الحقيقية لمريم ما انتهتش بوقوع الظالم، دي دوبك كانت البداية.
طريق النجاة الأخير
حكايات شروق خالد