لغز شريف الهواري حكايات شروق خالد
«لقيت جوزي القديم بيدور في الزبالة في وسط شارع زحمة طحن. وبعد عشرين دقيقة بالضبط، بص في عيني طوالِي وقال لي إنه دمر حياته بإيديه عشان ينقذني أنا.
في الأول افتكرته بحوّر وبيكذب..
بس بعدين شفت الرعب في عينيه.
وفجأة، لقيت نفسي مش فاهمة أي حاجة عن عيلتي وأهلي أصلاً.
أنا اسمي مريم شريف، وده كان اليوم اللي كل حاجة كنت مصدقاها عن الماضي بتاعي بدأت تتهد فوق دماغي.
كان يوم حر يموت في التجمع، القاهرة. العربيات واقفة زي الفسيخ، والكلكسات شغال ضرب ما بيبطلش، والصهد طالع من الأسفلت يلغوش على العين. كنت قاعدة في عربيتي الجيب مستنية الإشارة تفتح، ولفت نظري واحد واقف جنب الرصيف بيبطط كانزات الحجة الفارغة برجله ويحطها في كيس زبالة أسود كبير.
ما ركزتش معاه في الأول..
بس لما لف وشه..
نَفَسي اتدبح!
لا.. مش معقول.. مستحيل يكون هو!
“طارق؟”
الكلمة طلعت مني غصب عني قبل ما ألحق ألم لساني.
الراجل اتسمر في مكانه.
ولحظة واحدة عيني جت في عينه.. قلبي كان هيقف من الصدمة!
كان هو.. جوزي السابق!
طارق الشناوي نفسه اللي كان بيدي تاريخ في أكبر مدرسية خاصة في البلد.. نفس الراجل اللي كان بيكوي قمصانه بمسطرة كل حد بالليل.. نفس البني آدم اللي كان بيقعد بالساعات مع العيال الضعيفة عشان يساعدهم من قلبه.
دلوقتي؟ ما تعرفهوش خالص!
هدومه متبهدلة ومزيتة..
دقنه كشة ومش متساوية..
والسواد تحت عينيه حافر غويط..
باين عليه أكبر بعشرين سنة من يوم ما اتطلقنا!
ولما عرفني، ما ابتسمش ولا اتعدل.. ده اترعب!
ومن غير ولا كلمة، كربس الكيس في إيده وجري على حارة ضيقة جنب عربية كبدة.
“طارق! استنى عندك!”
ركنت العربية أي كلام جنب الصيدلية وجريت وراه، ولا هممني الوجع اللي في رجلي من الكعب.
وهو ماشي ومش راضي يقف.
“عشان خاطري اتكلم معايا!”
في الآخر وقف.. بس برضو مش راضي يحط عينه في عيني.
“سيبيتي في حالي يا مريم.. مش لازم تشوفيني وأنا بالمنظر ده.”
صوته كان ناشف ويوجع.
الدموع زغزغت في عيني على طول: “إيه اللي عمل فيك كده؟!”
هز كتافه بقلة حيلة: “الدنيا.. أهو اللي حصل حصل.”
“أنت عايش فين؟”
صوابعه اتعصرت على كيس الزبالة: “في ملجأ في وسط البلد.”
الكلمة نزلت عليا زي القلم على وشي.. ملجأ؟!
ده الراجل اللي كان عنده بيت ومستقبل ومركز.. دلوقتي بيلقط كانزات عشان يعرف يأكل لقمة؟!
من غير ما أفكر، فتحت الشنطة وطلعت رزمة فلوس: “خد دول..”
رجع ورا خطوة بسرعة: “لا!”
“يا طارق—”
“مش عايز زفت من حد!”
“عشان خاطري خد..”
“قلت لك لا!”
صوته ما كانش زعلان.. كان مكسور. كسرة من النوع اللي عمرها ما بتلم.
“بلاش نشفان دماغ بقى!”
ولأول مرة بص في عيني طوالِي: “دي مش نشفان دماغ يا مريم..”
وشه اتشد وقال: “ده كل اللي فاضلي من كرامتي.”
الكلمة كانت كفيلة تكسرني. وبعد غلب ومحايلة، بالعافية وافق يقعد معايا في كافيه قريب.
ركب معايا العربية وهو خايف، وتمتم بصوت واطي: “العربية دي شكلها أغلى من حياتي كلها.”
بلعت ريقي بصعوبة: “بطل كلام فارغ بقى!”
ابتسملي ابتسامة تكسر القلب: “بس دي الحقيقة.”
في الكافيه، طلب قهوة وفطيرة.
الطريقة اللي كان بياكل بيها كانت بتقول كل حاجة.. بياكل بالراحة وبحذر، كأنه مش ضامن هل هيشوف أكل تاني بكرة ولا لأ!
كنت ببص عليه من الناحية التانية وأنا مش مستوعبة إن الراجل المكسور ده هو نفس البني آدم اللي حبيته زمان.
ما قدرتش أمسك نفسي أكتر من كده: “طارق.. إيه اللي حصل؟”
سكت خالص.
بره الكافيه، الناس ماشية عادي ومحدش حاسس بينا ولا حاسس بيه.
همست: “فهماني.. إزاي حياتك توصل لكده؟”
تعبيرات وشه اتقلبت في ثانية.. مش حزن ولا كسوف.. ده رعب! رعب بجد يخلي شعر جسمك يقف!
بص ناحية الشباك، وبعدين بص على الباب، كأنه بيتكتم وخايف يكون حد بيمشط الوراه.
“أنا عملت اللي كان لازم يتعمل.”
“يعني إيه الكلام ده؟!”
وشه حجر، وسكت كام ثانية.. وبعدين وقف فجأة والكرسي اتهبد على الأرض عمل صوت عالي!
الناس في الكافيه كلها اتلفتت تبص علينا.
قلبي بدأ يضرب في صدري زي الطبلة: “طارق؟!”
بصلي من فوق.. والكلمتين اللي قالهم بعد كده جمدوا الدم في جسمي:
“اسألي عيلتك.”
برشت بعيني ومش فاهمة: “إيه؟!”
عينيه كان فيها ميكس بين الندم والتحذير: “أنا خسرت كل حاجة في حياتي بسبابك أنتِ وعيلتك.”
حسيت الدنيا بتلف بيا: “أنت بتقول إيه؟!”
بس كان خلاص بيبعد ورايح ناحية الباب، وقبل ما يختفي قال لي جملة أخيره.. جملة لسه بتطاردني في كوابيسي لغاية النهاردة:
“أنا عملت كل ده عشان أنقذك أنتِ من الموت.”
وقبل ما ألحق أنطق ولا أسأله كلمة زيادة، كان خرج واختفى وسط الزحمة والدوشة في الشارع.. وسابني واقفة ببص على الكرسي الفاضي، ومش فاهمة إيه السر الأسود اللي أهلي مخبينه عني.. وليه الراجل اللي حبيته ضحى بحياته وبكل حاجة يملكها عشان يحميني منه!
