بنت المليونير حكايات شروق خالد

“إزاي بنتي بتنقي أكل من الزبالة وأنا بحول خمسين ألف جنيه كل شهر عشانها؟”
صوت فيكتور، اللي هنسميه عادل، هز الممر الخلفي لقاعة الفندق الفخم في قلب جاردن سيتي، في الوقت اللي كانت فيه جوة القاعة احتفالات عيد ميلاد أمه السبعين شغالة ومولعة.
عادل كان واحد من أشهر المطورين العقاريين في التجمع والشيخ زايد. بدلة كحلي غامقة، ساعة ماركة غالية، عربية جيب مصفحة، وصوره بتنزل في مجلات البيزنس. بالنسبة لكل الناس، هو الابن المثالي وقصة نجاح وبطل عصامي. بس في اللحظة دي، كان راكع على ركبه قدام طفلة صغيرة خاسة، لابسة فستان بينك قديم ومقشر، وماسكة في إيدها صينية فيها عيش وفينو لسه مطلعاهم حالا من كيس زبالة كبير.
البنت رفعت عينيها. كانت عندها تمان سنين، عينيها واسعة وضفيرتها متبهدلة ومش ملمومة كويس.
همست بصوت واطي: “بابا…”
عادل حس إن الدنيا اتفتحت نصين تحت رجليه.
دي كانت هناء. بنته.
ما شافهاش من تلات سنين، من ساعة ما مراته كاترينا، اللي هنسميها هالة، سابته فجأة واختفت، وسابت وراها جواب بارد وورقة طلاق. أمه، الحاجة ماريا، اللي هنسميها الحاجة ميرفت، قالت له وقتها إن هالة هربت مع راجل تاني، وإنها مش عايزة أي حاجة تخصه، ومش عايزة عادل يدور على بنته كمان.
عادل من وجعه وصدمته صدق الرواية دي وقفل على نفسه. بس عمره ما بطل يبعت فلوس. كل شهر، من غير ما يتأخر يوم، كان بيحول خمسين ألف جنيه على الحساب اللي أمه قالت له إن هالة بتستخدمه عشان تصرف على هناء.
ودلوقتي بنته واقفة قدامه، إيديها متبهدلة، وبتنقذ عيش من الزبالة في نفس الفندق اللي جدتها عاملة فيه حفلة عيد ميلاد أسطورية وبتصرف فيها ألوفات.
عادل قال لها وهو بيحاول يكتم صوته عشان ما يزعقش: “هناء، قولي لي الحقيقة.. هي أمك بتبعتك تدوري على أكل؟”
البنت هزت راسها بسرعة وهي مرعوبة: “لأ يا بابا.. ماما متعرفش إني جيت هنا. أنا شفتهم بيرموا الأكل، وقلت آخد شوية البيت.. ماما مابتأكلش تقريباً.”
عادل حس بنغزة ووجع في صدره كأنه جلطة.
“يعني إيه مابتأكلش؟ أنا ببعت لها فلوس كل شهر!”
هناء كشرت باستغراب وعدم فهم: “فلوس؟ ماما عمرها ما دخل لها أي فلوس.”
عادل اتجمد في مكانه.
“ما تقوليلش كده يا حبيبتي، أنا ببعت مبالغ كبيرة عشان تعيشوا مستريحين.”
البنت نزلت عينيها الأرض وحضنت الصينية جامد في صدرها: “بس تيتة ميرفت طردتنا من البيت وأنت مسافر في شغل برة مصر. ماما عيطت كتير قوي.. ومن ساعتها وإحنا عايشين في أوضة إيجار قانون جديد في عزبة النخل.”
دوشة الحفلة والمزيكا اللي جوة اختفت تماماً من ودان عادل. مابقاش سامع غير صوت بنته اللي بترتعش.
“جدتك طردتكم؟”
هناء هزت راسها: “قالت لماما إنها متستاهلش تبقى من العيلة، وقالت لها كمان إنك مابقتش تحبنا.”
في حاجة انكسرت جوة عادل في اللحظة دي.
شال هناء بين إيديه ودخل بيها دايركت على القاعة الكبيرة بتاعة الحفلة. الترابيزات كانت مليانة رجال أعمال، مسؤلين، قرايب، ومعارف العيلة. الحاجة ميرفت، ليرد أصلها بفستان سواريه شيك وعقد لولي، كانت واقفة بتضحك جنب تورتة من تلات أدوار.
#حكايات_شروق_خالد
بس الضحكة دي طارت من على وشها أول ما شافت ابنها داخل وشايل هناء.
الهمس والوشوشة بدأوا يملوا القاعة بين المعازيم.
عادل مشي لحد ما وقف في نص القاعة وبص لأمه في عينيها علطول: “أمي، أنا عايزك تجاوبيني على حاجة قدام الناس دي كلها.”
وش الحاجة ميرفت جاب ألوان: “عادل، بلاش فضايح.. دي حفلتي.”
“من تلات سنين، أنتِ طردتِ هالة وبنتي من البيت؟”
القاعة كلها سكتت، ومفيش نفس طالع.
أمه ضغطت على نفسها ورسمت ضحكة كدابة: “البنت دي مخبطة ومش فاهمة حاجة.. هالة مشيت بمزاجها ولأنها عايزة كده.”
هناء استخبت ورا رجل أبوها وقالت: “تيتة قالت لو ماما ممشيتش، بابا هيخسر كل فلوسه وشغله.”
عادل بص لأمه كأنه بيشوفها لأول مرة في حياته.
“والفلوس؟ فين الخمسين ألف جنيه اللي كنت ببعتهم كل شهر؟”
الحاجة ميرفت جزت على سنانها وقالت بصوت مكتوب: “أنا كنت بشيلهم عشان أحميك.”
“تحميني من إيه؟” عادل سألها وصوته بيتشرخ من الصدمة: “تحميني من مراتي التعبانة؟ ولا من بنتي اللي بتاكل بواقي الأكل والزبالة؟”
الوشوشة زادت قوي، وفي قرايب نزلوا عينيهم في الأرض، وناس تانية طلعت موبايلاتها وبدأت تصور.
في اللحظة دي، ظهر عم إبراهيم، السواق القديم بتاع العيلة، الراجل اللي شغال معاهم بقاله أكتر من عشرين سنة.
قال بصوت مرعش: “يا عادل بيه.. أنا مابقاش ينفع أسكت أكتر من كده.”
الحاجة ميرفت بصت له برعب: “إبراهيم! اطلع برة الموضوع ده مالكش دعوة.”
بس الراجل كمل كلامه: “المدام هالة عمرها ما طلبت الطلاق. والدتك هي اللي جبرتها تمشي وتهرب. والجواب اللي جالك.. مش هي اللي كاتباه، ده خط متزور.”
عادل حس إن الدم هرب من وشه، ومبقاش مصدق الوش التاني لأمه اللي عاش معاها طول عمره.
ومكانش يعرف إيه اللي هيحصل بعد ثواني…

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *