ليلة فرح بنتي حكايات انجى الخطيب

بنتي جاتلي البيت في ليلة دخلتها… عشان حماتها ضربتها علقة موت عشان رفضت تمضي على شقتها بنتي خبطت على بابي الساعة 3 الصبح وهي لابسة فستان فرحها وغرقانة في د*مها وقبل ما يغمى عليها بين إيديا همست وقالتلي يا أمي حماتي ضربتني 40 قلم عشان مش راضية أتنازل ليها عن شقتي….
لثانية واحدة مكنتش قادرة أتحرك وفضلت واقفة مكاني مريم كانت واقفة في مدخل عمارة في مصر الجديدة وفستانها الأبيض مقطوع من ورا و مفتوح وخدها وارم عليه علامات زرقا وموف معلمة على دراعاتها نفس البنت اللي كنت بساعدها تجهز لفرحها الصبح كانت واقفة قدامي كأنها هربانة من معركة حربية قبل الشروق يا أمي اترجتني وهي ماسكة في إيديا اوعي تطلبي الإسعاف قالوا لي لو بلغتي هنق..تلك ومسكتني الرعب وحسيت الأرض بتلف بيا مين اللي قال كده مريم غَمضت عينيها وقالتلي كريمة أم حازم الإسم ده خلا دمي يتجمد في عروقي كريمة دي دخلت بيتي من تلات شهور وهي غرقانة دهب وريحة برفن غالي ومن نوع الستات اللي بتفصل الشقة وتثمنها بعينيها قبل ما تبص لِـ بني آدم ابنها حازم كان باين عليه لقطة ومالوش غلطة على الورق مهندس شاب وعربية أحدث موديل وبدل شيك وضحكة نضيفة وصوت كله أدب ومريم كانت واقعة في حبه ومكنتش عايزة أكون الأم النكدية اللي تبوظ فرحة بنتها وسعادتها رغم إن في حاجة جوة قلبي مكنتش مريحة من العيلة دي من أول يوم وتاني مرة كريمة زارتنا فيها قعدت تبص في الصالة عندي كأنها بتثمن العفش وقالتلي ببساطة كده أنا سمعت إن والد مريم عنده أملاك تقيلة وإن مريم عندها شقة في الزمالك وأنا رديت عليها بنشافية وقولت الشقة دي بتاعة مريم ومحدش ليه دعوة بيها وده كان حقيقي طليقي أحمد كتب الشقة دي باسم مريم بعد طلاقنا شقة فاخرة تمنها يدخل في 40 مليون جنيه وهي الحاجة الوحيدة والأمان اللي بنتنا تملكها باسمها……
#انجى_الخطيب
كريمة ابتسمت ببرود وقالتلي طبعاً طبعاً أنا بس بسأل عشان أعرف عيلة إيه اللي ابني هيناسبها وبعدين جه بقى اللي سموه مساهمة في الفرح كريمة كانت عايزة فلوس ودهب وضمانات وأمان كأن بنتي داخلة صفقة شغل مش جواز وأنا رفضت بس مريم عيطت وقالتلي إن حازم بيحبها وإن عيلته ناس بتوع أصول وأنا اللي بكبر المواضيع وبخلق مشاكل من مفيش وفي الآخر وافقت على فرح كبير وأكبر من اللي كنت عايزاه بس قولت كلمة واحدة وكنت واضحة فيها الشقة مش هتتنقل لاسم أي حد ودلوقتي بنتي قاعدة بتترعش على الكنبة وضهرها كله علامات ضرب مريم بكت وقالتلي بعد الفرح حازم خدني على جناح الفندق وكنت فاكرة إننا أخيراً هنكون لوحدنا وغطت وشها بإيدين بتترعش وقالت بس بعد كده قاللي إنه وراه مشوار لازم يخلصه ونزل وبعد عشرين دقيقة دخلت أمه ومعاها ست ستات وقفلوا الباب وراهم وأنا حطيت إيدي على بقي من الصدمة وصوت مريم اتقطع وقالت مسكتني من شعري وسألتني هتمضي على الشقة لعيلتي إمتى وقولت ليها عمري ما هعمل كده وبلعت ريقي بصعوبة ومريم كملت وقالتلي وفضلت تضرب فيا بالأقلام ورا بعض ورا بعض أنا عديت أربعين قلم والستات التانين كانوا بيضحكوا ويقولوا العروسة الناشفة لازم تتربى من أول يوم وجسمي كله قشعر وسألتها وحازم مريم عيطت أكتر وقالت كان واقف ورا الباب وسمعته بيقول يا ماما متضربيهاش جامد في وشها عشان الناس متلاحظش بكرة وغضب عمري ما حسيت بيه في حياتي كلها ولع في صدري زي النار وافتكرت جوازتي من أحمد وأمه اللي كانت بتمشي كلامها على الكل وسكوتي وخوفي والسنين اللي راحت من عمري عقبال ما قدرت أمشي بس المرة دي الموضوع مختلف دول هانوني وضربوا بنتي وقسموها وأنا مسكت تليفوني فمريم حاولت تمنعني وقالتلي يا أمي بابا مبيكلمناش من سنين وبصيت لوشها الورمان وقولت لها إنتي لسه بنته….
#انجى_الخطيب
وطلبت الرقم اللي مكلَمتوش من عشر سنين أحمد رد عليا بصوت كبس عليه النوم وقالي إلهام وأنا خدت نفسي وقولت له بنتك كانت هتموت في ليلة دخلتها وكان فيه سكون تام على الخط وبعدين صوته اتغير تماماً وقالي ابعتيلي العنوان أنا جاي وقَفلت السكة وحضنت مريم وهي بتترعش في حضني ولأول مرة من ساعة ما جت شفت حاجة بتلمع في عينيها مش الأمل مش دلوقتي بس شرارة غضب وبعد تلاتين دقيقة جرس الباب رن ولما فتحت لقيت أحمد واقف قميصه متبهدل ووشه خاطف وعينيه أبرد وأقسى من أي مرة شفته فيها وفي لحظة ما شاف مريم رمى نفسه على ركبه جنب الكنبة وقال يا بنتي يا حبيبتي ومريم فتحت عينيها وقالت بابا ولما أحمد شاف الكدمات والضرب اللي في جسم بنته فهمت حاجة واحدة في ساعتها إن العاصفة الحقيقية لسه هتبدأ حالا لأن كريمة كانت فاكرة إنها كسرت عروسة صغيرة وهتخاف تتكلم ومكنتش تعرف إنها صحّت الراجل الوحيد اللي يقدر يهد عيلتها كلها فوق دماغهم قبل ما شهر العسل حتى يخلص……..
أحمد قام وقف، طوله وعرضه ملوا الصالة، وملامحه اللي كانت هادية زمان اتحولت لكتلة غضب مكتوم يرعب. عينيه كانت بتلف في المكان كأنه بيدور على سل..اح، لحد ما استقرت عليا وصوته طلع واطي ومتحشرج بس يقطع النفس:
​”الكلاب دول فين دلوقتي؟ في الفندق ولا رجعوا بيتهم؟”
​مريم، بصوت يدوب طالع ومخنوق بالدموع، ردت وهي بتترعش:
​”حازم… حازم خدني من الفندق بعد ما أمه والستات مشيوا… رماني في عربيتهم وقاللي اطلعي على بيت أمك فكري، وقدامك لحد الصبح، يا تمضي يا الجاي هيريحنا منك خالص.. هم في شقة الزمالك يا بابا.. حازم وأمه هناك.”
​أحمد جز على سنانه لدرجة إن صوت الفك بتاعه سمعته وأنا واقفة بعيد. طلع تليفونه من جيبه، وضغط على كام زرار بعصبية، وحطه على ودنه. ثواني وصوته رجع يرن في الصالة زي الرعد:
​”اسمعني يا متر.. تجيلي حالاً على شقة الزمالك.. ومعاك اتنين رجالة من اللي بنثق فيهم.. فيه محضر شروع في قت..ل وعدم تعرض لازم يتعمل من قلب الشقة هناك، والبوكس مش هيمشي من غيرهم في إيده.. اخلص!”
​قفل السكة وبصلي، ولأول مرة من عشر سنين أشوف في عين أحمد نظرة الحماية اللي كنت مكنتش بلاقيها زمان، قالي بنبرة حاسمة:
​”إلهام.. خدي مريم ادخلي جوه.. غيري لها الفستان ده واغسلي وشها، واوعي تلمسي أي علامة في جسمها، أنا كلمت دكتور صاحبي جاي في السكة يعمل تقرير طبي شرعي من هنا قبل ما نتحرك.. بنتك مش هتروح في حتة، حقها هيجي لحد رجليها.”
​مريم مسكت في قميصه وهي بتبكي بانهيار:
​”بابا.. أنا خايفة.. حازم معاه ناس واصلين، وأمه ست قادرة ومش هتنزل على مفيش..”
​أحمد وطى عليها، باس راسها بحنية وطمأنينة عمري ما شوفتها فيه، وقالها بصوت هادي بس مليان تهديد يهد جبال:
​”تكون واصلة زي ما تكون يا قلب أبوكي.. كريمة دي فاكرة إنها اشترت حتة أرض هتاخدها بوضع اليد.. مكنتش تعرف إن الأرض دي ليها صاحب، وصاحبها واقف على رجليه.. نامي وارتاحي، وصوت الأربعين قلم دول، أنا هخليهم أربعين سنة أسود من قرن الخروب على عيلتها كلها.”
​أحمد لف ضهره ومشي ناحية الباب، وفتحه وخرج وقفل وراه برزعة هزت الحيطة. في اللحظة دي، مريم رمت راسها في حضني وبدأت تبكي بحرقة، بس الرعشة اللي في جسمها بدأت تهدأ.. الخوف اللي كان كاسرها بدأ يتحول لانتظار، وأنا قعدت جنبها، حاضناها بكل قوتي، وباصة للباب.. وعارفة إن الليلة دي مش هتعدي بالساهل، وإن كريمة وابنها فتحوا على نفسهم طاقة جهنم اللي مش هتقفل غير لما تحرقهم كلهم.
………
دخلت بمريم الأوضة، قلعتُها فستان الفرح اللي بقى زي الكفن، ولبستها ترنج واسع ميريحش جسمها الوجعان. دقايق وجرس الباب رن، كان الدكتور صاحب أحمد. دخل من غير ما ينطق كلمة، عينيه كانت مليانة أسف وهو بيكشف على الكدمات ويسجل كل علامة زرقا وموف في تقريره، وصوت كاميرا تليفونه وهي بتصور دراعاتها وضهرها كان بيقطع في قلبي. أول ما خلص، بصلي وهز راسه: “التقرير ده يودي السجن مرتاح يا مدام إلهام.. ربنا مع أحمد، هو كلمني وطمنته.”
​في نفس الوقت، تحت عمارة الزمالك، عربية أحمد فرملت بصوت عالي سَمع الشارع كله. نزل منها ومعاه المحامي واتنين رجالة من اللي شغالين معاه في السوق، ملامحهم تقطع الخميرة من البيت. أحمد مسمّاش، طلع الدور التالت وضرب جرس الشقة بوجع قلب مخليهوش يستنى ثانية، وفضل ضاغط على الجرس لحد ما الباب اتفتح.
​حازم فتح وهو لابس تيشيرت خفيف وفي إيده كاس، ملامحه كانت باردة ومستفزة، وبأدب مصطنع قال:
​”عمي أحمد؟ أهلاً وسهلاً.. عاش من شافك، بس مش ميعاد يعني يا فندم، ومريم تلاقيها عندك..”
​قبل ما يكمل كلمته، أحمد قبض على ياقة التيشيرت بتاعه وبحركة واحدة زقه لجوه الشقة، ودخل وراه والرجالة قفلوا الباب. من الصالة، طلعت كريمة وهي لامة شعرها ولابسة عباية بيت غالية، وقالت بزعيق وصوت جوهري:
​” جرا إيه يا راجل أنت؟ أنت فاكر نفسك داخل زريبة؟ أنت بتتهجم على بيت مهندس محترم؟”
​أحمد ساب حازم اللي كان بيكح ومفزوع، ووقف قدام كريمة، حط إيديه في جيوبه وبصلها من فوق لتحت ببرود يرعب، وقال:
​”المهندس المحترم ده وأمه الحيزبونة، ليلتهم سودا.. شقتي اللي واقفين فيها دي، تطلعوا منها بهدومكم اللي عليكم حالاً، والـ 40 قلم اللي علموا على وش بنتي، هيدفع تمنهم ابنك من عمره في الحبس.”
​كريمة ضحكت بسخرية ولفت دراعاتها:
​”حبس إيه يا حبيبي؟ بنتك اللي غبية ومبتفهمش في الأصول، وإحنا بنربيها.. ومفيش مليم ولا شقة هتطلع من هنا إلا بمزاجنا، وأعلى ما في خيلكم اركبوه.. إحنا ناس واصلين ولولا ابننا حب يلم بنتكم مكنتوش حلمتوا بالناسب ده.”
​أحمد ماردش عليها، بص للمحامي بتاعه وشاور له. المحامي طلع الأوراق الرسمية وعقد الشقة المسجل، وبص لكريمة وقال بنبرة قانونية جافة:
​”يا مدام.. الشقة دي ملك الآنسة مريم أحمد، ووالدها معاه توكيل رسمي عام بإدارتها وتصرفاتها. وبما إن العروسة لسه مدخلتش قانوناً ومفيش قسيمة جواز اتسجلت في المحكمة لحد الساعة دي، فالأستاذ أحمد طردكم حالاً بصفته الوكيل، وقوة الشرطة تحت العمارة معاها أمر إخلاء ومعاينة لإثبات حالة التعدي والشروع في القت..ل.”
​حازم وشّه جاب ميت لون، وبص لأمه برعب:
​”ماما.. إيه الكلام ده؟”
​كريمة ملامحها اتهزت لأول مرة، بس حاولت تكابر وصوتها علي:
​”شرطة إيه؟ أنت بتهددني في بيتي؟”
​في اللحظة دي، أحمد قرب منها خطوتين، وعينيه بقت زي الدم، وقال بصوت واطي ومرعب:
​”بيتك إيه يا لِـمّة؟ أنتِ جيتي هنا غرقانة دهب قشر ومفكرة إنك تقدري تشتري أسيادك؟ بنتي ضفرها برقبة عيلتك كلها.. وديني وما نعبد، يا كريمة، لو ما لميتي حاجتك وابنك المعفن ده وخرجتوا في خلال خمس دقايق، لأخلي الرجالة دول يفرجوكم مقامكم في وسط الشارع، والمحضر شغال والتقرير الطبي الشرعي طلع.. اختاري.. تخرجي على رجليكي، ولا في البوكس بفضيحة؟”
​حازم جرى على الأوضة يلم هدومه وهو بيترعش ويقول: “يلا يا ماما.. يلا نمشي من هنا الراجل ده مش هيسيبنا”، وكريمة وقفت مكانها، ريحة البرفن الغالي اختفت وظهرت على وشها حقيقتها الكاحلة، وبقت تبص لأحمد وهي عارفة إن اللعبة اللي خططت لها شهور، اتهدت فوق دماغها في ليلة واحدة.
………..
كريمة بصت لأحمد بنظرة كلها غل وشر، وجزت على سنانها وهي بتقول بصوت مكتوم:
​”ماشي يا أحمد يا نصار.. الخروج هنخرج، بس وحياة حرقة قلبي على طردتي من الشقة دي، لاهخلي بنتك تلف حوالين نفسها، والطلاق ده مش هتشوفه ولو انطبقت السما على الأرض، وهتفضل معلقة لا طايرة ولا نازلة، والـ 40 مليون جنيه بتوع الشقة دول هيبقوا تمن غالي أوي هتدفعوه من راحة بالكم!”
​أحمد مالتش شعرة من راسه، وبصلها بابتسامة سخافة وبرود يقهر، وقال:
​”مؤخر الصداق اللي حازم مضى عليه في القايمة كام يا متر؟”
​المحامي رد بسرعة وجاهزية:
​”نص مليون جنيه يا فندم، غير قايمة المنقولات بمليون ونص، والدهب اللي اتسجل في الشبكة.”
​أحمد سحب كرسي من السفرة وقعد، حط رجل على رجل وبص لحازم اللي كان طالع من الأوضة شايل شنطة هدموم ووشه أصفر زي الليمونة، وقال:
​”سمعت يا حيلتها؟ الطلاق هيحصل وبكرة الصبح في المحكمة خلع أو طلاق للضرر بالشروع في الق..تل، والفلوس دي كلها هتدفعوها مليم ينطح مليم.. وإلا السجن المحترم مستنيك يا بشمهندس، والشركات اللي بتشغل معاها بره وجوه هتوصلها نسخة من المحضر والتقرير الطبي قبل الظهر، عشان يعرفوا بيشغلوا معاهم مين.. مهندس ولا بلطجي؟”
​حازم الشنطة وقعت من إيده وبص لأمه بانهيار وزعيق:
​”انطقي يا ماما! قولي حاجة! مش كنتِ بتقوليلي البنت غلبانة وأمها مكسورة وهتمضي في ثانية؟ أدينا هنضيع.. شغلي ومستقبلي هيروحوا!”
​كريمة لفت وشها لابنها وضربته بشنطتها في كتفه بعصبية:
​”اسكت يا خايب! ارفع راسك!”
​أحمد قام وقف فجأة، وبص لرجالتة وشاور للباب:
​”بره.. مش عايز أشوف وشكم في ملك بنتي ثانية واحدة زيادة.. ارموهم بره.”
​الرجالة هجموا عليهم، وزقوا حازم وكريمة لبرة باب الشقة وسط صريخ كريمة وشتيمتها اللي مالية السلم، وحازم اللي كان بيحاول يدراي وشّه من بواب العمارة والجيران اللي بدأوا يفتحوا الأبواب يتفرجوا على الفضيحة. المحامي قفل الباب وراهم بالمفتاح، ولف لأحمد وقال:
​”كده تمام يا فندم، الشقة اتقفلت، والقوة اللي تحت أثبتت الحالة وبكرة الصبح المحضر هيكون في النيابة.”
​أحمد هز راسه، وطلع تليفونه ورن عليا. أنا كنت قاعدة في الصالة ومريم راسها على رجلي ودموعها مش راضية تقف، وأول ما شوفت اسمه فتحت السكة بلهفة:
​”إيه يا أحمد؟ طمني؟”
​صوت أحمد جالي عبر الخط، تعبان بس فيه نبرة انتصار وراحة، قالي:
​”حق بنتك رجع يا إلهام.. الشقة اتقفلت وكلاب السكك طردتهم منها بنفسي.. حازم وأمه بكرة في النيابة، ومريم مش هتشوف الوشوش دي تاني طول عمرها.. أنا جاي في السكة.”
​قفلت السكة وبصيت لمريم، مسمحتش دموعها، طبطبت على كتفها وقولت لها:
​”قومي يا مريم.. قومي يا بنتي واغسلي وشك.. أبوكي جابلك حقك، ومن النهاردة مفيش كسر تاني.. العيلة اللي افتكرت إن مالناش ضهر، اتكسر ضهرها في ليلة واحدة.”
…………
مريم بصتلي وعينيها لمعت بدموع تانية خالص، دموع حد كان غرقان وفجأة لقى اللي بيشده لفوق. قامت معايا، دخلت الحمام وغسلت وشها، ولما رجعت الصالة كانت ملامحها هديت، بس علامات الضرب كانت لسه واضحة وبتفكرنا باللي حصل.
​بعد نص ساعة، الباب خبط. جِريت فتحت لقيت أحمد واقف، صِدره بيعلو ويهبط من المشوار، بس عينيه كانت صافية. دخل الصالة وبص لمريم اللي وقفت أول ما شافته. أحمد قرب منها خطوتين، مد إيديه وحضنها جامد، ومريم دَفنت وشها في كتفه وبكت، بس المرة دي كانت بتعيط في أمان.
​أحمد طبطب على ضهرها وقال بصوت حنين بس كله قوة:
​”خلاص يا قلب أبوكي.. الكابوس انتهى. الشقة اتقفلت بالمفتاح، وحاجتهم اتمستحت بره، والمحامي بتاعي مش هيرحمهم بكرة في النيابة. المحضر اتعمل شروع في ق..تل وسرقة بالإكراه عشان الستات اللي كانوا معاها، والتقرير الطبي بتاع الدكتور قفل القض..ية وضمن لي حقك.”
​مريم رفعت راسها وبصت له:
​”وحازم يا بابا؟ حازم وافقهم على كل ده.. ده كان واقف ورا الباب!”
​أحمد جز على سنانه وعينيه لمعت بشرار:
​”حازم ده انتهى يا مريم. أنا كلمت صاحب الشركة اللي هو شغال فيها، الراجل حبيبي ومن بره مصر، ولما عرف اللي حصل وعمل إيه في بنتي، قالي بكرة الصبح قرار فصله هيكون على مكتبه، ومفيش شركة محترمة في مصر هتقبله بعد الفضيحة دي. هخليه يلف حوالين نفسه مش لاقي لقمة العيش، وأمه الحيزبونة دي هتشوف ابنها وهو بيضيع قدام عينيها ومفيش في إيدها حاجة تعملها.”
​بصيت لأحمد وقولت له بنبرة كان فيها عتاب قديم بس مخلوط بشكر حقيقي:
​”كتر خيرك يا أحمد.. أنا مكنتش هعرف أتصرف مع الناس دي لوحدي، كريمة كانت جاية وفاكرة إننا حيطة مايلة.”
​أحمد بصلي ونظرة الندم كانت باينة في عينيه، وقال:
​”أنا اللي آسف يا إلهام.. آسف إني بعيد عنكم من سنين وسبتكم لوحدكم لحد ما الكلاب دول افتكروا إن مريم مالهاش ضهر يحميها. بس من النهاردة، أنا مش هغيب تاني.. وبنتي خطوتها هتبقى بمليون خطوة، واللي يفكر يمس طرفها، ههده من على وش الأرض.”
​مريم ابتسمت وسط دموعها، ولأول مرة من ساعة ما خبطت على الباب الساعة 3 الصبح، حسيت إن البيت رجع فيه الروح، وإن الشمس اللي طالعة دي بتعلن نهاية ليلة كانت سودة، وبداية لحياة جديدة بنتي هتفوق فيها وتعرف إنها غالية، وغالية أوي كمان.
……….
أحمد قعد على الكنبة، وطلب من مريم تقعد جنبه، مسك إيديها المرتعشة وبصلي وقال بنبرة عملية مفيهاش تراجع:
​”إلهام، جهزي نفسك إنتي ومريم، الساعتين اللي فاضلين على الصبح دول هتلموا فيهم أهم حاجتكم، مش هتقعدوا في الشقة هنا ولا يوم كمان.”
​أنا اتخضيت وبصيت له باستغراب:
​”ليه يا أحمد؟ هنروح فين؟ والشقة هنا مالها؟”
​أحمد رد وعينيه فيها نظرة حذر وثعلبة:
​”كريمة دي ست الحقد عماها، والقرص اللي قرصتهالها الليلة دي هتخليها تلف زي الفارة المزنوقة، وممكن تيجي تتبلطج هنا أو تعمل أي شوشرة عشان تضغط علينا نتنازل عن المحضر. أنا هاخدكم معايا في بيتي في التجمع، هناك حراسة وأمان ومحدش يقدر يخطى عتبة الباب، لحد ما نخلص من قرف المحاكم والنيابة ده نهائي.”
​مريم بصت لأبوها وبصتلي، وكأنها كانت مستنية الإذن مني. أنا هزيت راسي بالموافقة، وقلت لأحمد:
​”عندك حق.. الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح، وإحنا مش حمل قرف من العيلة دي تاني.”
​دخلت أنا ومريم الأوضة وبدأنا نلم الهدوم في الشنط، ومريم كانت كل ما تبص لفستان الفرح اللي مرمي في الأرض، تتنهد تنهيدة طويلة كأنها بتطرد الهم من صدرها. على الساعة 7 الصبح، كنا جاهزين والشنط في إيد أحمد ورجالته اللي كانوا مستنيين تحت العمارة.
​نزلنا وركبنا العربية، والشمس كانت بدأت تطلع وتملى شوارع القاهرة بنور جديد. طول الطريق، أحمد كان عينه على الطريق وبيتكلم في التليفون مع المحامي بيتابع معاه تحريات المباحث اللي نزلت شقة الزمالك وسألت البواب، واللي أكد إنه شاف حازم وأمه وهما خارجين بشنط ومتبهدلين، والشرطة أثبتت وجود كسر خفيف في كالون الباب والتقرير الطبي وصل النيابة.
​أول ما وصلنا بيت أحمد في التجمع، انشرح صدري.. المكان كان هادي وكبير، وأحمد دخلنا أوضة واسعة تطل على جنينة صغيرة، وقالي:
​”ارتاحوا هنا.. وناموا، إنتوا منمتوش من امبارح.”
​مريم رمت نفسها على السرير وراحت في النوم من كتر التعب الجسدي والنفسي. خرجت الصالة لقيت أحمد واقف في البلكونة بيشرب قهوة، قربت منه وقلت بصوت واطي:
​”تفتكر حازم هيسلم نفسه ولا هيجيبوا واسطة؟”
​أحمد لف وبصلي، وخد بوق من فنجان القهوة وابتسم ابتسامة ثقة:
​”يجيبوا اللي يجيبوه يا إلهام.. القضي..ة متقفلة ميري، شروع في قت..ل، واحتجاز، وسرقة بالإكراه، وتقرير طبي شرعي من دكتور حكومي تابع للنيابة سجلناه الصبح.. حازم دلوقتي في القسم بيتحقق معاه، وأمه بتصوت في الطرقات ومش لاقية حد يعبرها.. الكبار اللي كانت بتتمسح فيهم، أول ما عرفوا الفضيحة وقض..ية الضرب والبلطجة رفعوا إيديهم عنهم.. عيلتها انتهت خلاص، وبنتك هتاخد حرية نضيفة تليق بيها.”
………
مرت تلات شهور وكأنها تلات سنين، بس الأيام كانت بتعدي بتغسل وجع مريم وبترجع لها ضحكتها اللي كانت غايبة.
​المحكمة مأخرتش حقنا؛ التقرير الطبي الشرعي وشهادة الجيران والبواب في شقة الزمالك كانوا حبل المشنقة اللي لف حوالين رقبة حازم وأمه. المحكمة حكمت على حازم بالحبس تلات سنين مع الشغل والنفاذ بتهمة الشروع في ق..تل والاشتراك في الاحتجاز، وكريمة أخدت خمس سنين بتهمة هتك العرض والضرب المفضي إلى عاهة مستديمة خفيفة في دراع مريم، والستات اللي معاها اتجابوا واحدة ورا التانية ولبسوا نفس الحكم.
​والأهم من ده كله، إن القاضي حكم بطلاق مريم للضرر وبطلان أي ادعاء ليهم في الشقة، مع إلزامهم بدفع المؤخر والقايمة مليم ينطح مليم، والشركة اللي حازم كان شغال فيها طردته وفضحته في السوق كله، وبقى اسم عيلة “كريمة الهانم” على كل لسان في مصر الجديدة والزمالك كأكبر فضيحة بلطجة وسرقة.
​في يوم النطق بالحكم، كنا قاعدين في جنينة بيت أحمد في التجمع، الهوا كان يرد الروح ومريم كانت ماسكة كتاب بتقرأ فيه، ولأول مرة أشوف عينيها صافية ومفيهاش أي خوف. أحمد دخل علينا وشايل في إيده ورق الحكم الرسمي، ملامحه كانت مرتاحة وفرحانة زي العيل الصغير.
​قرب من مريم، داس على كتفها بحنية وحط الورق قدامها وقال:
​”مبروك يا قلب أبوكي.. ورقتك وصلت، وحقك جه تالت ومتلت.. كريمة وابنها دلوقتي في الترحيلات، والشقة رجعتلك ومحدش يقدر يهوب ناحيتها تاني.”
​مريم بصت للورق، ودمعة واحدة نزلت من عينيها بس كانت دمعة راحة.. رفعت راسها وبصت لأبوها وقالت بصوت مليان ثقة وفخر:
​”ربنا يخليك ليا يا بابا.. أنت رجعتلي حياتي اللي كانت هتضيع.”
​أحمد بصلي وبص لها وقال بنبرة كله وعود:
​”أنا المرة دي مش هسيبكم تاني يا مريم.. الشغل بتاعي كله نقلته هنا، وإحنا من النهاردة عيلة واحدة ومش هسمح لأي كلب في الدنيا يكسر بخاطركم.”
​أنا اتنهدت ودموعي غلبتني، بس كانت دموع فرحة.. بصيت للسما وشكرت ربنا إن الليلة السودة دي، اللي بدأت بدم وكسرة الساعة 3 الصبح، انتهت بنور شمس جديد وحرية، وعرفت إن الست مهما كانت ضعيفة، لما بيكون وراها ضهر راجل بجد، مبتنكسرش أبدًا.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *