حورية بين يدي شيطان بقلم رحمة سيد الثالث
الفصل الرابــع عشـر :-
وقبل أن تخطو معه خطوة واحدة خارج بوابة المنزل كانت تقف متجمدة مكانهـا… والعهد الذي قطعته لعاصي يمر على عقلها كشريط للذكريـات التي تُحيي او تُميت نبتة الحيـاه….!!
بدأت تهز رأسها نافية وهي تنظر لذلك الرجل :
-لا، لا لن افعل… انتظرني هنا
ثم استدارت وكادت تذهب ولكنه اوقفها متساءلاً بحروف قلقة متوجسة من تلك الاجابة التي تنتظرها :
-إلى أين تذهبين سيدتي ؟؟
تنهدت وهي تخبره ببراءة :
-سأذهب لأخبر زوجي ثم اعود لك سريعًا…
لم تلحظ نظرة عينـاه التي خلعت عنها ستـار البراءة لتتمركز الشياطين في محوريه…..!!
وقبل ان تتركه حور كان يُخرج من جيب سرواله “مُخدر” وقطعة قماش صغيرة ثم كمم فاهها قبل ان تستطع الصراخ لتسقط حور بعد دقيقة فاقدة الوعي بين ذراعـاه….
لتتسـع ابتسامته الساخرة وهو يهمس جوار اذنها:
-هل تعتقدين أن دخول المرحاض كخروجه يا سيدتي !!؟
ثم حملها بين ذراعيه برشاقة ليغادر حاملاً اياها وهو ينظر حوله يمينًا ويسارًا خوفًا من عودة حارس المنزل وبدقائق معدودة كان يضعها في احدى السيارات لينطلق السائق بهما الى مكان مجهول…….
بعد فترة عادت والدة عاصي إلى المنزل تنظر هنا وهناك بحثًا عن “حور” ولكن لم تجدهـا فنادت الخادمة التي أتت بسرعة لتسألها مستفسرة :
-أين السيدة حور ؟؟؟
عقدت “فاطمة” ما بين حاجبيهـا ثم رددت مستنكرة :
-كيف !!؟ أنا رأيتها عندما خرجت مع احدهم واخبرتني أنها لن تتأخر… وذهبت أنا للمطبخ واعتقدت انها عادت لا ادري اين هي تحديدًا !!!؟
إتسعت حدقتـاها بقلق وهي تحدق بها… فـر السكون هاربًا… وبقي الثبات خاضعًا لسطوة التوتر رغمًا عنها…. لتقول بسرعة وهي تسير باحثة عنها :
-ابحثي عنها معي بسرعة، واسألي الحارس إن كان رآهـا.. هيا بسرعة يا فاطمة
وبالفعل ركضت فاطمة تفعل كما امرتهـا… لم تستطع سوى أن تظهر قلقها وذعرهـا الذي سيطـر على خلفية روحهـا المعهودة بالصلابة….. بالرغم من عدم حبها لحور ولكن تبقى الفطرة هي مكنون الفعل ورد الفعل…
إلى أن ذهبت للحارس الذي اجابها بجدية :
-لم ارها سيدتي اطلاقًا…
زمجرت فيه بانفعال :
-بالتأكيد لم تخرج بطائرة، مؤكد خرجت من تلك البوابة اللعينة وأين كنت أنت ؟؟؟
ابتلع ريقه وهو يجيب بتلعثم :
-لقد آآ كنت أشتري بعض احتياجات فاطمة للمطبخ كما طلبت مني، وعندما عدت لم يكن هناك شيء مُريب..!!!
سارت بسرعة وهي تضرب الحائط بانفعال صارخة :
-اللعنة عليك وعلى ارتيابك… ماذا افعل الان اين ذهبتي يا حور… كيف سأخبر عاصي كيف ؟!!!!!
******
وعلى الطرف الآخـر……
إنفعـال “علي” الذي أحرق اوردته وقوته الجسمانية تفاعلا بشكل قاسي ليصبح كالأعصار الذي انفجر بوجه هذان الرجلان ليدفعهما علي بعنف وهو يركض تجاه ثامر الذي انتبه له للتو ثم دفعه عن أسيل وهو يضربه بكل الغل الذي اشتعل داخله…. بكل الحُرقة الذي أهدرت شظايا من روحه العاشقـة… بكل الغيـرة التي زادت من نسبة الادرينالين بعقله فجعلته كالفتيل…..!!
وقبل ان يصل ان يستطيعا الرجلان التحكم به مرة اخرى كان عاصي يقتحم المكان هو ورجال الشرطة التي دوى صوتها في ارجاء المكان مما جعل الجميع يقف متصنم بقلق عدا علي الذي كان كالثور الهائج وأسيل التي لم تكن تدري في تلك اللحظات المُعتمة الا البكاء كمعنى…..
ركض عاصي يضرب ثامـر وهو يسبه بأبشع الألفاظ مزمجرًا فيه بجنون :
-أنا تفعل بشقيقتي كل هذا يا حقير ؟؟؟ تفعل بـ أسيل ؟؟؟ أسيل التي قبلتك رغم عيوبك ووقفت ضدنا جميعًا لأجلك… يا **** يا **** اقسم انني سأقتلك.. سأقتلك أيها اللعين….
بينما “علي” ركض نحو أسيل ودون ان يفكر مرتان كان يخلـع سترته ليغطيهـا بها بسرعة وهو يدفنهـا بين احضانه…. يا الله….. كلما تخيل أن ذلك اللعين رأى جسدها وتقرب منها ولمسها وامام عينـاه ود لو يقتله في التو واللحظة لتلتقط روحه انفاسها بارتياح….!!!
بينما ازدادت شهقات أسيل المتقطعة التي تقطر ألمًا وهي تلف يداها حول ظهره وتردد بهيسترية :
-علي… اعتذر علي… اعتذر ارجوووك خذني من هنا اتوسل اليك اعتذر لن افعلها لن اهرب منك مرة اخرى ولكن لا تتركني هنا ارجوووووك..
كان قلبه يتلوى بقسوة مع كل حرف يخرج منها… ولكن رغم ذلك رد بصوت مبحوح حنون :
-لن اتركك لن اتركك يا روح علي… أقسم بالله أنني سأجعله يدفع الثمن غاليًا، بحق تلك الرعشة المرتعدة التي تصدر عنكِ بين احضاني وشهقاتك التي تصم اذني !!!!
وفي اللحظة التالية كان عاصي يقترب منهما مناديًا بأسم أسيل بلوع متألم :
-أسييييل…
انتفضت أسيل ترتمي بين احضانه وهي تنجرف في بكاء عنيف متشبثة بملابسه وتستطرد بنبرة متحشرجة :
-آآهٍ يا عاصي…
ظل عاصي يهز رأسه نافيًا بأسف وهو يهمس :
-يا وجعي منكِ يا حبيبة قلب عاصي….!
استمر الوضع كما هو لدقائق حتى بدأت أسيل تهدأ نوعًا ما وهي تدرك أنها بين راحتي مَن تحب… !!!
رفعت عيناها الحمراء من كثرة البكاء لتسأل عاصي :
-من أين علمت مكاننا عاصي ؟؟
حينهـا تنحنح بحرج متذكرًا لينظر لـ علي الذي كان يراقب حديثهم بصمت :
-أنا لن اشكرك لأنك السبب وأنت الذي وضعها في ذلك الوضع
حينهـا إنفجرت كل خلية مشحونة مضغوطة داخله كان يحاول كتمانها ليصرخ مزمجرًا بعصبية :
-لستُ أنا مَن جعلتها تضربني على رأسي بالمزهرية لتهرب فتقع بين مخالب ذلك الذئب.. لستُ أنا مَن جعلت ذلك الندل يتجرأ عليها !!!
اشتدت يدا أسيل على سترة عاصي وهي تؤيد علي بصوت واهن :
-نعم.. هو معه حق فيما يقوله عاصي، يكفي أنه أخبرك بمكاننا ولم يخاطر ويأتي وحده !!!
عقد عاصي ما بين حاجبيه وكان الشك متغلغلاً حروفه وهو يتابـع متساءلاً :
-ولكن حتى تلك اللحظة لا اعلم اي شيء.. كيف تزوجتي علي الجبوري وما الذي دفع ثامر ليفعل ما فعل !!!؟؟؟؟
كانت تسبل اهدابها الكثيفة وهي ترد بأرهاق :
-سأخبرك بكل شيء عاصي ولكن ارجوك خذني من هنا
بدأ يربت على خصلاتها بحنانه المعتاد وهو يخبرها :
-اهدأي اسيل، اصبح بين قبضتا الشرطة ولن اسمح بالأفراج عنه ابدًا….
وقفت أسيل مع عاصي بالفعـل ولكن حينهـا تدخل علي متمتمًا بصوت أجش وهو يمد يداه لأسيل :
-زوجتي لن تبتعد عني يا سيد عاصي
كز عاصي على أسنانه بغيظ حقيقي حتى اصدرت صوت صكيك عاليًا ولكن أسيل تدخلت بسرعة وهي تردف كقطة وديعة :
-اهدأ ارجوك يا عاصي… قسمًا بالله أن علي لم يمسني بسوء منذ ان تزوجته بل على العكس تمامًا اعطاني كل النقوص التي كانت تملأ حياتي وعاملني وكأني ملكة متوجة على عرش !
هدر بعنف بينما عيناه تقدح شرارة تود إحراق علي حيًا :
-تزوجك لأجل انتقامه الحقير مني فقط يا أسيل !!!
هزت رأسها نافية بسرعة :
-ربما ذلك… ولكنه لم يستطع اذيتي.. لم يتغلب شيطانه عليه اقسم لك!!
للحظة إنتفض قلب عاصي متأوهًا بألم حقيقي…. لحظة انتفاضة أسيل وهي تلقي بنفسها بين احضان علي رغم انها ترى شقيقهـا لا تذهب من باله ابدًا…. تنغر وتؤرق جذور ممتدة رسمها منذ دخول “حور” لحياته !!!
تُرى إن كانت حور مكانها لكانت ارتمت بأحضانه كما حدث الان ام فرت نفورًا منه من معاملته التي أرهقت روحهـا بكل الطرق والعصور….!!
انتبه لتوسل أسيل الخافت :
-ارجوك اخي.. لا تجعله يدخل المنزل ولكنه سيأتي معنا لحين تقرير ما سيحدث ارجوك أنا اقف على قدماي بصعوبة
ضغط على كرامته المتلوية ارضًا وغضبـه الدفيـن الذي يغلفه من كل جانب ليومئ موافقًا على مضض…..
*****
توجهت ريم للباب الذي كان يُطرق عدة مرات بسرعة فبدأت تزفر انفاسها بملل وهي تصيح بحنق :
-يكفي أتيت ها أنا اتيت انتظر …
وبمجرد أن فتحت الباب وجدت إعصـار أمامه تشكل على هيئة ظافر المنفعـل الذي كان صوته كـتراتيل ترسم غضبه وهو يهتف :
-ريم… أين الموظف والملف ؟؟ هل أتى لكِ ؟!!!
رفعت كتفاها وهي تخبره بتوتر بدأ يزحف لأعماقها رويدًا رويدًا :
-وما ادراني يا ظافر… نعم لقد أتى ولكن لا اعلم اين ذهب وماذا فعل !!!
بدأ ظافر يمسح على خصلات شعـره والتوتر يحتل خلية بعد خلية داخله… ليسأله بعدها :
-متى جاء وماذا حدث ؟؟ اخبريني بكل شيء ريم.. اخبريني حتى ماذا كان يرتدي
وبالفعل بدأت ريم تسرد له ما تتذكـره وكل ما يحدث ضمن خانة المجهـول بالنسبة لها :
-جاء الساعة الثانية ظهرًا تقريبًا… ولم يحدث شيء فقط احضرت الملف واعطيته اياه واوصيته ان يهتم به لحين وصوله لك لأنه مهم… و آآ…..
عند تلك النقطة صمتت… وهنا تقريبًا كانت فجوة المشكلة التي يتهافت ظافر للأمساك بطرف خيطهـا فحثها بلهفة على الاكمال :
-اكملي ريم ماذا حدث ؟؟؟
ابتلعت ريقها بتوتر ثم همست :
-كان يرتدي ملابس عادية
قالتها ولم تتوقـع أن تنفجر قوقعة غضب ظافر بهذا الشكـل… خرج صوته كالرعد على اذنيها وهو يصرخ فيها :
-ماذاااااا ؟؟؟!!! ملابس عادية؟!! ألم اخبرك أنه سيأتي لكِ من الشركة يا ريم وبملابس الشركة ؟؟ كيف تنسين ذلك كيف…. !!
عضت على شفتاها بأسف ونظراتها تنحسر ارضًا دون رد… بينما ظافر كان كمن تسقط صفعات القدر على وجهه وروحه فتدميهم بقسوة وعنف…..!!!!
ظل يدور حول نفسه وهو يردد محدثًا نفسه :
-لمَ لم أتي بنفسي لمَ ؟!!! كيف أنساه من الاساس عندها…. يا الله !
همست ريم مستطردة بتردد :
-ظافر…..
فحدق بها ظافر بنظرة مُخيفة جعلت أطرافها ترتعش قلقًا ثم هدر فيها بعنف كذئب يعلن مخالبه :
-اصمتي اللعنة على ظافر واليوم الذي عرفك به ظافر… بدأ العد التنازلي للنهاية يا ريم…..!!!!!
ثم استدار ليغادر وهو يصفع الباب خلفه بعنفًا مصدرًا صوت قاسي وقوي جعلها تنتفض وهي تحدق بأثـره بذهـول….
وقد بدت لها اهمية ذلك الملف واسعة…. كبيـرة حتى تمحورت كحفرة تود ابتلاعهم في جوف سوادهـا…!!
مرت دقائق معدودة ووجدت الباب يُطرق… نهضت ولكن ببطء صامت لتفتح الباب فوجدت ورقة مطوية ارضًا… هبطت عاقدة حاجبيها لتفتحها فوجدت في حروف قليلة شخصًا ما يخبرها
” أظن أنكِ علمتي اهمية ذلك الملف بالنسبة لزوجك.. إن كنتي تريدينه يمكنكِ المجيء على ذلك العنوان ….. ”
وشيء واحد كان يتردد بعقلها في تلك اللحظات…. هي من كانت سببًا في ضياع ذلك الملف…. وهي التي ستكون سببًا في عودته….. لذلك ومن دون تردد كانت تفتح الباب وهي تنطلق بسرعة لمصير مجهول…….!
*******
بعد فترة وصلوا جميعهم لمن لمنزل عاصي… بما فيهم علي الذي كان متذمرًا ضاجرًا ولكن ثباته يحتضن ثورة غصبه الجنونيـة بإحكام….
وقبل ان يدلفا وقف عاصي امام علي يسأله مباشرةً :
-ماذا تريد لتترك أسيل ؟؟؟
وعلي هو الآخر بالرغم من اعتراض وارتجاج قلبه العاشق المهووس داخله الا انه قال بوضوح :
-شقيقتي حور !!
صمت عاصي كان يحمل رفضًا واضحًا لكلام علي الذي كان سهام مُصوبة لنقطة كان يظنها عاصي مخفية…. ليخرج من شروده على صوت علي الساخر :
-اترك ابنة القتلة يا عاصي انها لا تهمك بشيء
حينها أتاه رد عاصي الذي كان دون تفكير كافي :
-ابنة القتلة لن تخرج من منزلي الا على قبرها يا ابن الجبوري !!!!!؟
وقبل ان يرد علي كانت والدة عاصي تخترق المكان وهي تصيح بشوق باسم أسيل التي سارعت ترتمي بأحضانهـا باكية هي الاخرى…..
دقائق معدودة وكانت والدته تعود لرشدها وهي تنظر له…. ومن ثقل التوتر على كاحلها لم تعير تواجد علي اهتمام فتابعت تخبر عاصي :
-يجب ان آآ…. تعلم شيء مهم يا عاصي ؟؟؟
عقد عاصي ما بين حاجبيه وهو يسألها :
-وما هو يا امي ؟؟؟
-حور لا نعلم مكانها… اختفت تمامًا ولا نستطع الوصول لها !!!
قالتها بسرعة وهي تغمض عيناها بتوتر متوقعة جنون عاصي الذي سيهدد كل شيء بثورته التي تنجم عن صمت وصمت وصمت مُرهق لروحه……!!
وبالفعل قد كان ما توقعت ولكن لم يكن عاصي وحده الذي جن جنونه بل كان علي هو الاخر يردد بعدم تصديق وهو يسير يمينًا ويسارًا :
-ماذا تعني ؟؟؟ هل كانت تعيش بغابة ؟!! كيف يحدث ذلك كيف….
ووسط تلك الضوضاء اصدر هاتف عاصي صوت يعلن وصول مكالمة فأجاب بلهفة لم يستطع اخفاءها :
-نعم مَن ؟؟!!!
لم ينطق المتصل سوى بسؤال واحد جامد ومُخيف :
-امرأتك ام طفلك يا سيد عاصي ؟!!!!
ورد عاصي كان صادم للجميع…. ذاهـل ويحوي داخله الكثير والكثيـر من علامات الاستفهام………..!!!!
******
يتبـع….
رأيكم ؟؟؟ ♥
روايات وقصص نوتيلا للكاتبه سحر فرج
حورية بين يدي شيطان
الفصل الخامس عشـر :-
كان علي متصنمًا مكانه وجملة عاصي تتردد على اذنيه كالرعد الذي يدوي مفجرًا شظاياه
” طفلي.. هي لا تعني لي شيءً !! ”
حقيقة كان يعلمها الجميـع… ولكن عندما سقطت مصطدمة بصخرة الواقع اصدرت ضيجًا عاليًا قاسيًا……!!
ثم صرخ فيه بانفعال :
-ماذا تريدون ومن انتم من الاساس ؟؟!
جاءه الرد باردًا هادئًا :
-لا يهم مَن نحن.. اما ماذا نريد فـ لا شيء !!!!
كز عاصي على اسنانه بعنف يحاول تمالك اعصابه التي كادت ان تنفجر من كثرة الانفعال :
-ماذا تريدون لتتركوها ؟؟!!!!!
-لا شيء… السيدة ستعود قريبًا جدًا لكم
وببساطة أغلق الخط… لنقض علي على عاصي يمسكه من تلابيبه وهو يصرخ فيه مزمجرًا بجنون :
-طفلك ؟!!! أوتختار طفلك ببساطة ايها اللعين ؟؟
زفر عاصي ببرود وهو يرد مجادلاً :
-هو سألني أنا سيد علي وانا أجبت بكل سهولة وبساطة !!!
الغضب يتزايد ويتزايد مسببًا ضجيجًا واضحًا بين جوارح علي الذي احتدت نظراته وازدادت شراسة ذئبًا يشهر عن انيابه !!….
فلم يستطع سوى ان يقسم :
-قسمًا بربي ما إن استعيد شقيقتي لن اجعلك تراها مرة اخرى هي او ذلك الجنين
ابتسم عاصي بسماجة محاولاً اسكات ما يرتجف داخله :
-يبدو أنك لم تسمعني.. شقيقتك لا تعني لي شيء اما طفلي سآخذه رغمًا عنكم جميعًا !!!
ظل علي يومئ عدة مرات وهو يتوعده داخله… ليستدير عاصي ليدلف ساحبًا والدته… فكانت أسيل نظراتها معلقة بـ علي الذي كان يتنفس غيظًا….. ليزجرها عاصي بعصبية :
-اسيل هيا الى الداخل
حملت نظراتها رجاءًا حارًا وهي تهمس له :
-ارجوك اخي.. سأفتح له مع فاطمة الغرفة التي تكمن بالحديقة تلك وسآتي خلفك على الفور
قالت اخر حروفها وهي تشير نحو غرفة صغيرة منزوية في اخر الحديقة… ليهدر علي بعنف وهو يخرج من المنزل بأكمله :
-شكرًا جزيلاً لكرمكِ انا سأذهب لابحث عن شقيقتي لن انتظر ذلك الجلف حتى يتحرك مع الشرطة
وبالفعل غادر ليتنهد عاصي وهو ينظر لوالدته بهدوء مغمغمًا :
-يجب انا اذهب انا يا امي.. اهتمي بنفسك واسيل لحين عودتي ربما اتأخر !!!!
…………………………………..
اما عند حور كانت في غرفة صغيرة مغلقة من كل جانب… مُعتمة قاسية على قلب نقي برئ يعكس عتمتها المُخيفة!!….
كانت دموعها تهبط بصمت وهي تهمس بسرها بقلب يرتجف حرفيًا
“اللهم اني لا اسألك رد القضاء ولكني اسألك اللطف فيه” !…
وجدت الباب يُفتح رويدًا رويدًا فبدأت دقات قلبها تتسابق مع عقارب الساعة…. إلى ان وجدت شخص غريب يدلف فسألته بتلقائية :
-من انت وماذا تريد مني ؟؟
هز رأسه نافيًا ببساطة :
-لا اريد منكِ شيء ابدًا
عقدت ما بين حاجبيها وهي تسأله مرة اخرى بتوتر :
-لماذا اختطفتني اذن ؟؟
تجهمت ملامحه المخيفة وهو يخبرها :
-لا يهم… ستعودين لمنزلك قريبًا ولكن يجب ان اتأكد انكِ ستفعلين ما سأقوله لكِ
هزت رأسها بسرعة بلهفة لم تستطع محو سيطرتها:
-سأفعل بالتأكيد إن تركتني !!
لم تهتز ملامحه ولو بشعرة وهو يأمرها بصوت جامد حاد :
-ستبتعدين عن زوجكِ نهائيًا وإن لم تفعلي سأحضرك لهنا مرة اخرى ولكن……
مد يده يتحسس بطنها بطريقة مقززة وهو يهمس بنبرة ضمن أنها تتلاعب بتور حساس داخلها جعل كيانها يرتجف استجابة :
-لن نتجاهل وجود ذلك الصغير مرة اخرى !! أسمعتيني جيدًا ؟؟؟
اومأت مؤكدة بسرعة وهي تستطرد بصوت مختنق :
-نعم سمعت.. سأبتعد
ابتسم ساخرًا ثم تشدق بانتصار :
-جيد
ثم استدار ليغادر تاركًا اياها تبكي بدلاً من الدموع المقهورة دم ملتهب بحرارة وقسوة المشاعر التي تصفعها…..
*****
وصلت “ريم” امام منزل “ظافر” الذي يأتي له احيانًا ليجلس بمفرده دون تدخل والداه…..
كانت تلهث وهي تحدق بالباب المغلق… لم تكن ريم يومًا متهورة او بلهاء بدرجة تجعلها تذهب لمصير ذو طابع جهنمي بقدماها !!…..
تنهدت ثم بدأت تطرق الباب اكثر من مرة…
دقيقة ووجدت الباب يُفتح وظافر يطل بملامحه الجامدة فكادت تنطلق ريم في الحديث :
-ظافر لقد آآ…..
ولكن الحروف سقطت عن وضع الاستعداد بمجرد أن رأت كابوسها الدنيوي “أطياف” امامها……
فلم تستطع سوى ان تنطق مستنكرة :
-ماذا تفعل هذه هنا يا ظافر ؟؟؟!!!!!
كان ظافر صامت… كان كالذي تدور حرب عنيفة فكرية داخله فأصبحت النهاية والحكم هدف صعب المنال….!!
ولكنه قال واخيرًا بهدوء به لفحة باردة :
-المحكمة حددت الجلسة بعد غد يا ريم واطياف اتت بنفسها لتخبرني ذلك !!
هزت ريم رأسها ببلاهه تردد :
-يعني ؟؟؟؟؟
استقام في وقفته وهو يخبرها بوضوح قاسي :
-قررت أن ارد اطياف لعصمتي.. ولكن هذه المرة قرار لا رجعة فيه…. يمكنكِ ان تقرري ايضًا ماذا تريدين الاكمال هكذا ام الانفصال!!!!!
وعندما وجد ريم متصنمة مكانها اكمل بنفس النبرة :
-لا يمكنني خسارة طفلي وعملي وكل شيء فقط لأجلك ريم !!!!!
ظلت ريم تهز رأسها نافية وهي تعود للخلف ببطء فبدأت تصرخ فيه بهيسترية :
-اللعنة عليك وعلى عملك وعلى تلك الحقيرة !
ثم استدارت لتغادر راكضة وهي تحبس تلك الدموع بصعوبة….. ايًا كانت اسبابه.. طرق تفكيره…او حتى مسالكه واهدافه لا يحق له وضعها في ذلك الموقف ابدًا ……..
وعندما كانت تركض اصطدمت بصديقها القديم “اسامة” الذي صُدم وهو يسألها :
-ريم ما بكِ ؟؟؟!!!!
وريم زادت “الطين بلاً” كما يقولون وزادت صدمته رنينًا وهي تخبره :
-هل تتزوجني اسامة ؟؟؟؟!!!!!!…….
*****
بعد ساعات عديدة………
وصل علي لمنزل “عاصي” بعد ان هاتفته أسيل تلح عليه أن يأتي لتخبره بشيء ثم يغادر لأينما يريد….!
ولم يستطع سوى الخضوع لألحاحها المُحبب لقلبه الملتاع بعشق كاد ان يٌذاب…….!!!
دلف الى الغرفة معها فأغلقت هي الباب بسرعة ليسألها هو :
-خيرًا اسيل ماذا حدث ؟؟؟
بللت شفتاها المكتنزة بتوتر… جالت عيناها تتفحص ملامحه الجامدة بصلابة رجولية اسقطت قلبها في رعشة سببها مجهول….. ثم هتفت اخيرًا بتوجس تسأله هي :
-لو آآ… اقصد عندما تعود حور.. وتتحدث انت واخي عن وضعنا،،، ستطلقني كما قلت له ؟؟!
في البداية كاد علي ان يتوتر… أن يسارع لينفي تلك التهمة عنه صارخًا بعشقها الأزلي…. ولكن بمجرد ان يتذكـر شقيقته… أن يتذكر الكره الذي كان يضخ من عينـا عاصي له…. أن يتذكر عدم ثقة اسيل به وتفضيلها الهرب على الاقامة معه يعود لخشونته ويجيب :
-نعم اسيل سأفعل
لم يتوقع اهتياجها وصراخها المجنون وهي تضرب صدره بيداها :
-ماذا تعني ستفعل ؟؟! ماذا عن ذلك العشق والغرام الذي كنت تتغنى به ؟؟؟!!!! ذهب في مهب الريح ؟
امسك يداها بقبضتاه معًا وهو يصرخ مقابلاً لها :
-لا لم يذهب ولكنه يجب ان يختفي قليلاً حتى يجد له مقابل.. انا تعبت من المجازفة وحدي يا اسيل.. تعبت من عدم ثقتك بي وكرهك لقربي !!!
فلتت منها التواءة ثغر ساخرة وهي تهمس بصوت يحمل بحة ضعف اتضحت كعين الشمس :
-وانا ألا اتعب يا علي ؟!!! ألا أستحق أنا يجازف شخصًا ما لأجلي وعندما اخطئ التصرف يجبرني على العودة تحت ضلوعه؟!!! يخبرني انه لن يتركني مهما حدث ومهما حاولت الهرب ؟؟؟
كانت تتحدث عن امنياتها التي بدت له بدأت تتصدع بقبضة اليأس….!!
وخاصةً عندما بدأت تكمل :
-استحق فقط الذي يهتم لنفسه ؟؟؟ يهتم بذاته وكيانه..!؟
ثم عادت لتضربه على صدره باهتياج مزمجرة :
-لمَ خُلقت اذن يا علي ؟!!!!
وبلحظة واحدة حدث كل شيء… جذبها من ذراعاها له ليبتلع باقي حروفه بين شفتاه التي ماتت شوقًا لتقابل شفاه جعلت الشوق يذيبها لوعًا وعشقًا……
كان يقبلها بجنون وكأنه يُثبت لها أنها خُلقت لتكون له..جواره… بين ذراعاه شاءت ام ابت كما كانت تقول ؟!!!……
النار تلتهم المتبقي من ثباته واستجابتها الطفولية لا تعاونه على الاستكانة ابدًا بل تشعل داخله مشاعر كالأعصار……
واخيرًا استطاع الابتعاد ليسند جبينه على جبينها ويردد بصوت لاهث :
-خُلقتي لأسحق شفتاكِ بين شفتاي عشقًا ثم اخبركِ أنكِ لن تبتعدي عني مهما فعلتي اسيل……….!
*****
بعد ساعات اخرى…….
عاد عاصي واخيرًا بعد يأس تملك منه وبعد اصرار الجميع ليرتاح قليلاً ثم يعاود البحث مرة اخرى….
ولكن فجأة وجدوا حارس المنزل يصيح بصوت عالي مهللاً :
-سيد عاصي… لقد أتت السيدة يا سيد عاصي !!!!
شعر عاصي في تلك اللحظات أن عقله الباطن يحقق له احدى امنياته ليس إلا…. ولكن عندما دلفت حور بالفعل لتخترق الساحة بهيئتيها المزدردة هب متتصبًا يركض نحوها بلهفة اثبتت للجميع انه مجرد كاذب بشأن ما قاله للمتصل ولــ علي !!…..
وهي الاخرى بمجرد ان لامست يداها يده الممدودة له وارتمت بين احضانه اخذت تشهق ببكاء عنيف تُخرج به كل كتمان الساعات الماضية……..
احضتنها بعنف… يود لو يخبئها بين ضلوعه… يشم رائحتها التي غابت عنه لساعات مرت عليه كالدهر الطويل…. يشبع الشوق الذي اضناه في بعدها القصير……..
بينما هي تبكي وتبكي وهي تردد بلا توقف :
-عاصي… عاصي……
ليتابـع هو بتلقائية متأوهًا :
-يا قلب عاصي وروحه التي غابت عنه…..
في خضم المشاعر والاشتياق والجنون لم تنتبه لمَ قاله… ولكن علي واسيل ووالدته الذين كانوا يراقبون ذلك المشهد اخترقت تلك الجملة اذنيهم…….!!
دفن عاصي وجهه عند رقبتها ينعم بدفئها وهو يهمس لها بصوت اجش :
-هل انتِ بخير ؟؟ هل لمسك احدهم ؟؟ طفلنا بخير ؟!!!
اومأت مؤكدة بسرعة وهي تعود لتدفن نفسها بأحضانه… حينها استطاع علي استعادة نفسه والتدخل ساحبًا حور نحوه بلهفة :
-ماذا حدث حبيبتي ؟؟ هل اذاكِ احدهم ولو بالحديث ؟؟؟
بدت وكأنها ادركت وجوده للتو فهمست مذهولة :
-علي….
ثم رمت نفسها بأحضانه وهي تكمل بكاءها…….
استمر المشهد هكذا ما بين صامت شارد كعاصي مذهول مما نطقه قلبه دون ارادة عقله فبدا وكأنه يعيد حساباته…. وما بين صامت ساكن كأسيل ووالدتها يراقبان فقط…….
واخيرا انتهى ليتنهد علي وهو يمسك يد حور قائلا بجدية :
-ستأتين معي لنعود لن تظلي هنا دقيقة اخرى واريد ان ارى من سيجرؤ على المعارضة
حينها نطق عاصي ببرود ينافي فورة مشاعره منذ قليل :
-لو على الجرأة لدينا ولكني لم اعد اريدها !!
فأردف علي بتحدٍ :
-ارمي يمين الطلاق اذن؟!!!!
ابتسم عاصي بسماجة خبيثة ثم قال ببساطة :
-شقيقتك طالق يا علي………
*****
حورية بين يدي شيطان
الفصل السادس عشر و السابـع عشر :-
الدقائق التالية كانت مجرد هامش لتلك الحياه التي ضيقت جدرانها على روح تلك المسكينة…!!
كانت تحدق به مذهولة مصدومة… تتمنى لو يخبرها احدهم انه مجرد كابوس…..
ولكن بدا واقع مرير قاسي على القلب عندما هزها علي وهو يسحبها متمتمًا بصوت جاد :
-هيا حور
ولكن حور نفضت يداه عنها وهي تصرخ فيه بجنون :
-اتركني علي.. لم أخبره ما اريد قبل ان ارحل
تنهد علي وهو يتركها مضطرًا…. لتتقدم هي ببطء تجاه عاصي الذي كان يجاهد للحفاظ على ثباته.. هو ادرك تمام الادراك أن حور اصبحت نقطة ضعفه…. واصبح هو ضعيف امامها وهذا اخر ما يتمناه….
اصبحت امامه تمامًا… كانت عيناها تنطق بالكثير ولكن فاهها لا ينطق بشيء… يلتزم الصمت الذي يقتل كل خلية به…….
ودون مقدمات كانت تصفعه بعنف صفعة دوت في الارجاء… صفعة لم تكن مجرد ألم جسدي بل كانت اكبر من ذلك بكثير…. كانت نقطة تحول…نقطة انهيار شيء وتصلب شيء اخر……
شهقات مختلفة صدرت عن الجميع…لتهدر حور بحرقة دون ان تبالي بأي شخص :
-لم اندم على شيء بحياتي بقدر ما شعرت بالندم على موافقتي على الزواج منك عاصي !!!
اغمض عاصي عيناه يحاول اسكات ذلك الجنون الذي تخلقه الشياطين داخله…. ليزمجر فجأة بصوت عالي في حور :
-خذ شقيقتك يا علي قبل ان ارتكب جريمة يندم جميعنا عليها
وبالفعل تقدم علي بسرعة يسحب حور…. صحيح انه لا يحب عاصي ولكنه يعلم جيدًا أن حور تجاوزت كل الحدود عندما ضربته وفي منتصف منزله !!
فقال عاصي بجدية آمرة :
-ارمي يمين الطلاق يا علي
حينها رد علي بكل برود يعرف له معنى :
-لن افعل.. أسيل ستظل زوجتي مادمت حيًا.. وسيأتي يوم وأخذها
-اذن المحاكم بيننا وسأطلقها منك رغم ارادتك
صرخ بها عاصي بحدة وحنق واضحان ولكن قابلهما علي ببرود فـ كور عاصي قبضتاه معًا وهو يستطرد بغل تراقص في حدقتاه:
-لو تعلم الرغبة العمياء داخلي لقتلك لما قلت ذلك.. الشيء الوحيد الذي يمنعني عن قتلك هو طبيعتي الغير سادية بالاضافة إلى أن شقيقتك تحملت عقابك بقدر كافي
بينما حور اكملت صراخها المنفعل بـ عاصي :
-سأخرج وبأرادتي كما جئت لذلك المنزل بأرادتي..ولكن إن دخلته مرة اخرى لن ادخله كأول مرة ابدا !!!!
وفي اللحظة التالية كانت تستدير وهي تخبر أسيل برأس مرفوعة وكبرياء جعل قناع الكسرة يتصدع ببطء :
-اخبري الخادمة أن تأتي لي بكل ما يخصني من فضلك أسيل.. لأنني لن اخطو للداخل بنفسي
زفرت أسيل عدة مرات بضيق ثم اومأت موافقة بهدوء :
-حسنا انتظري دقائق
ثم توجهت للداخل بالفعل… لتشير حور نحو علي مرددة ببرود :
-اجلس يا علي.. اجلس حتى تنتهي طمطم (فاطمة) من اعداد حقائبي
وعلي كان يثق تمام الثقة أن كل ثبات حور وصلابتها تل تخفي في بواطنها انهيار مُعلن في عيناها اللامعة بدموع القهرة……!!
………………………………
وبالفعل بعد فترة انتهت وغادرت مع علي… لم تنطق بحرف واحد بل كانت ملتزمة الصمت وما اصعب الصمت عندما يكتم فوران ربما ينهي ذلك الانفجـار الكامل إن تصدع……!!
وصلا اخيرا لمنزلهم بعد فترة…. وبمجرد أن طرقا الباب فتحت ريم التي تصنمت مكانها ما إن رأتهم امامها ثم سرعان ما صرخت وهي ترتمي بأحضان حور :
-حور…. يا الله كم كنت احتاجك انتِ دائمًا تأتي بالوقت المناسب يا صديقتي الصدوقة
بينما حور برغم مخالب الألم التي لاتزال تجعل جراحها تنزف الا انها ابتسمت وهي تحتضن ريم باشتياق حقيقي متابعة :
-اشتقتُ لكِ كثيرا يا مشاغبة !
رددت ريم بتوق حقيقي :
-اشتقت لكِ اكثر ياروح المشاغبة
حينها تدخل علي متنحنحًا بمرح خفيف يحاول تلطيف الجو به :
-يبدو أنني غير مرغوب هنا
فضحكت ريم وهي تحتضنه بمودة تلقائية اعتادتها في تعاملها مع علي وشقيقه الاخر المختفي حتى الان….
ولكن لم يستمر الجو المشحون بالحب حين أتى ابراهيم “والد حور” وهو يغمغم بصوت مصدوم :
-حور !!!!! وعلي ؟!!!
ثم تقرب منهم بسرعة وهو يتشدق مستنكرًا :
-من أين لك الجرأة لتعود يا ابن الجبوري ؟؟؟
رد علي بصوت أجش :
-من والدي.. انا لم افعل شيءً خاطئًا لقد كان دفاع عن النفس
صاح فيه ابراهيم بحدة :
-لم هربت اذن ولم تقف كالرجال وتقول هذا ؟؟؟!!!
اجاب علي بهدوء بارد :
-لانني اعلم انني لو قلت الف مرة لن يستمع لي شخصا !!
نظر ابراهيم تجاه حور نظرة متفحصة تحمل سؤال واضح يتلهف للحصول على اجابة
” ما الذي اتى بكِ ” ؟!!!!
فقالت حور مستأنفة بسخرية دفينة :
-سأجيب قبل ان تسأل… عاصي طلقني يا ابي ولن اعود له مرة اخرى
لم تتوقع ابدا رد فعله الذي زاد من رنين روحها وآلام جراحها التي تنزف…. لم تتوقع أن يسحبها من يدها كالطفل الصغير وهو يخبرها بحدة مفرطة :
-ستعودين يا حور… كيف لكِ أن تقولي هذا ؟؟؟
ثم نظر لـ علي صارخًا :
-وانت كيف تفعل ذلك وهي لم تكمل الثلاث اشهر حتى متزوجة ؟؟؟ تود تطليقها بعد شهران زواج يا علي
سحب حور معه للخارج يدفعها نحو السيارة وهي لا تردد سوى كلمة واحدة :
-لا تفعل يا ابي ..ارجوك اتركني
بينما علي يود تفليتها من بين يداه ولكنه كان كالذي تناسى كل شيء….تناسى انها ابنته…. تناسى أن كرامتها المهدورة من كرامته….تناسى كل شيء لم يتذكر سوى وصمة العار التي ستُلصق به حتمًا ما إن يعلم الجميع أن ابنته لم تكمل الثلاث اشهر متزوجة وأتت له مُطلقة!!…….
*****
بعد فترة……
كان عاصي يجلس امام الشرفة بشرود تام… عيناه تموج بشتى المشاعر… الألم…. الهدوء… والاضطراب النفسي الذي يعتمل داخله…!!
لا يدري ما فعله صحيح ام لا ولكن ما يعرفه حاليًا أنه لا يمكنه الاستسلام لتلك العائلة بتلك السهولة…..!
دقيقة ووجد أسيل تقترب منه هامسة برقة:
-اشتقت للجلوس معك عاصي
ارتسمت ابتسامة حانية على ثغره وهو يجيب :
-وانا اكثر
جذبها من يدها لتجلس امامه وهو يسأله بصوت بدأ يلونه الخبث :
-والان ستخبريني لماذا لم تؤيدي طلاقك من ذلك الرجل
عضت أسيل على شفتاها بحرج وأخفضت رأسها تفرك أصابعها بتوتر… بدأت الحمرة تزحف لوجنتاها ببطء فكانت تلك خير علامات لأجابة رفضت السطوع…. فهمس عاصي بابتسامة حانية :
-وقعتي في عشق ذلك الثور يا أسيل
استغرقت أسيل دقيقة واحدة وكأنها تقنع نفسها المتقلبة بتلك الحقيقة المرفوضة داخلها…. لتومئ مؤكدة بصوت مبحوح :
-نعم.. لقد فعلت وعشقت ذلك الثور يا اخي ماذا عساي افعل !!
ثم رفعت رأسها ببطء لتتابـع بمكر انثوي توزع حروفها بمهارة لانتشال الاجابة :
-كما وقع اخي في عشق روحه التي غابت عنه مع غياب احدهم
صمت عاصي ينظر للجهة المقابلة… يا الهي…عندما يقع احدهم بعشق شخص… يصبح القلب رهن اشارة ذلك العشق… يتحكم به…. يفرض سيطرته على منقطة القلب الضعيفة فيصبح الانسان على مهب ذلك العشق…..!!
واخيرا خرج صوته اجش وهو يخبرها :
-ربما…. ولكني لا يجب ان افعل.. لا يجب أن اسقط يا اسيل !!
صمتت أسيل تعلم صراعه النفسي فصمت هو الآخر… ثم انتبه عندما سألته أسيل بهدوء تام :
-عاصي.. ماذا كان سيحدث إن كان علي لم يقتل شقيقنا حسين ؟؟؟!!!
رفـع كتفاه وهو يرد بتلقائية :
-لا اعلم… ولكن بالتأكيد لكانت تغيرت اشياء كثيرة
امسكت اسيل بيداه وهي تربت عليها بحنان مرددة بحكمة تفوق عمرها عمرًا :
-تمسك بحبك ياعاصي…حور تعشقك ولا يعشق كلا منا احدهم كل يوم ولا يجده بسهولة
حينها زفر عاصي بصوت مسموع ثم نظر لها وشعر في تلك اللحظات انه لا يحدثها بل يبرر لحور التي لا تغيب صورتها المنهارة من امام عيناه حتى تلك اللحظة :
-انا لم اتخل عنها… لا تنسي أن العدة تسعة اشهر..انا احتاج أن افكر جيدا في تلك الفترة هل سأستطيع نسيان الشرخ الذي بيننا ام لا… لانني لو قررت الان لن يكون قراري في صالحها وصالحي ابدا وسأستجب لعقلي !!!
اغمض عيناه بأرهاق نفسي يفوق كل القدرات وهو يستطرد :
-ولا اعلم ايضا ماذا سأفعل حيال امر طلاقك او زواجك من ذلك الـ علي ولكن ما اعلمه اننا نحتاج لمعجزة تغير كل شيء…..!!
******
بعد فترة اخرى……
كان “ظافر” مع اطياف امام المأذون… يقف جامد صامت…. لا يعلم هل يسير خطوة صحيحة ام يتم خطوة مدمرة ستقضي على المتبقي من ربيع حياته….!!!!
ولكن على اي حال الكارثة اصبحت قيد التنفيذ !…..
دلفا معا نحو المأذون وبدأت بالفعل اجراءات الزواج…… كان ظافر شارد بتلك الصغيرة التي تثبت له في كل مرة انها صغيرة بالفعل ولن تنظر للامور من زاوية اخرى ابدا……
انتبه من شروده على صوت أطياف وهي تصيح بفرح فيه :
-لقد عدت زوجتك ظافر
تلقائيا اشمئز من تلك الحقيقة التي تثير غريزته العنيفة ولكنه تماسك عندما قال بابتسامة باردة :
-نعم لقد كنت حاضر… مبارك لكِ
تجاهلت بروده الواضح وهي تقنع نفسها أنه طبعه المعتاد…. دقائق معدودة وبمجرد ان انتهوا تماما وجدته ينهض وهو يخبرها بخشونة :
-هيا لنحضر عمار
ولم تستطع سوى ان تومئ مؤكدة بهدوء وتسير معه ليغادرا سويا…….
……………………………..
وعندما احضروا عمار من المكان الذي كان يقطن به.. توجها نحو منزل ظافر وكان ظافر سعادته لا توصف بقربه من طفله الوحيد عمار مرة اخرى… بالرغم من ان سعادته تلك ينقصها صغيرته الغاضبة عليه…..!!
ظل عمار يلعب حولهم بسعادة لتستغل اطياف ذلك وهي تقترب من ظافر ببطء حتى اصبحت ملتصقة به فمدت يداها تتحسس صدره الصلب هامسة :
-اشتقت لك كثيرا يا ظافر
رسم ابتسامة غريبة على شفتاه وهو يهمس لها بعبث :
-وانا ايضا
نهضت بلهفة تمسك يداه لتسحبه معها وهي تقول بخبث انثوي لا يعرف للحياء معنى :
-هيا عمار منشغل بالألعاب والتلفاز
-هيا .. ولكن لا تتعجلي كثيرا افضل
قالها ظافر وقد ألقى ظافر نظرة اخيرة على عمار ثم تنهد اكثر من مرة ليومئ موافقا لها…. دلفا للغرفة معا فبدأ ظافر يقترب منها ببطء…. مد يداه يحيط خصرها وهو ينساب تحت ظل صوت اخر داخله…. ليطبع قبلة بطيئة على شفتاها سرعان ما كانت هي تبادله لتصبح قبلة مجنونة مغموسة برغبة قطعت كل حبالها بالعشق…….!!
تجرأت يداه اكثر واكثر وبدأ يجردها من ملابسها وهو يميل بها نحو الفراش ……..
*****
وصل”ابراهيم الجبوري” مع حور وعلي الى منزل عاصي… كانت حور في قمة انهيارها…. لا تستطع التصديق انها ستسير على ذلك العهد الذي قطعته في نفس المكان…. ستفعل ولكن تلك المرة ستدون دماء روحها خطاها لداخل المنزل……!!
خرج عاصي على صوت الحارس وهو يناديه :
-سيد عاصي…. يا سيدي
ولكنه توقف متجمدا مكانه وهو يرى حور امامه… ووالدها يلقي بها كقطعة رخيصة نحو عاصي مرددًا بصوت أجش قاسي :
-تفضل زوجتك يا سيد عاصي.. ردها الان وامامنا..انا اعلم ان علي هو مَن اجبرك ولكن انت تعلم انه ليس لدينا بنات تعود مطلقة لبيت والدها بهذه السرعة. !!!
كان الصمت هو الطريق الوحيد الذي اتخذه عاصي… ولكنه كان طريق ملغم بأشواك الحيرة وضربات الجنون داخله….. يود لو يخنق والدها الحقير ذاك ويخنق نفسه بعدها لانه تسبب في تلك الكسرة التي تلفح بكيانها كله…….
تردد كثيرا ولكنه لم يستطع النطق سوى بـ :
-ولكني طلقتها.. لو لم اكن اريد لما طلقتها من الاساس ولا يستطع اي شخص اجباري
للمرة الثانية يقتل كبرياء الانثى داخلها بخنجر جملته الباردة
” لا يريدها…..” !!!
ولكن كفى للصبر حدود…. نظرت له بعيناها الحمراء تزمجر بهيسترية :
-ومن قال لك أنني اريدك من الاساس !! هو اجبرني على العودة الى ذلك المنزل
صفعها حينها والدها بكل القسوة والجبروت الذين تربوا داخله مع مرور الزمن ليصرخ فيها :
-اخرسي ايتها اللعينة… عندما يتحدث الرجال لا تتحدثين ابدا
حينها تدخل عاصي وهو يهدر فيه بعنف وقد برزت عروقه منتفضة لقلب تلوى ألمًا :
-ابراااااهيم… اياك ان تفعلها مرة اخرى.. هي لا تزال زوجتي وانا لا اسمح لاي شخص بأهانة زوجتي حتى والدها
وما بين الشد والجذب ذاك انتبهوا لحور التي كانت تنظر له بتشوش ثم في اللحظة التالية كانت تسقط على الارض فاقدة وعيها…. فانتفض عاصي يصرخ بأسمها بهلع وهو يهبط نحوها ولكن ازدادت صفعة الصدمة قسوة عندما انتبه للدماء التي بدأت تتدفق من بين قدماها فشعر وكأن نفس المشهد يتكرر ولكن باختلاف الزمن…..وربما النتيجة !!!!!!
*****
شخصا ما يجلس في غرفة صغيرة يضم جسده له بيداه وعيناه مسلطة على اللاشيء… يهتز بعنف صامت غريب !!!
دلف شخصا اخر له وهو يحمل صينية طعام مرددا بصوت يائس حانق :
-الى متى ستظل هكذا؟!!!
خرج صوته شارد.. هائم وكأنه من عالم آخر :
-الى أن يصحو الميت ليخبرني انه قد عفا عني او….
هز الاخر رأسه نافيا بسرعة وهو يخبره بحدة وكأنه ينتشل فكرة الموت النفسي وليس الجسدي من رأسه :
-لا لا.. لن يحدث ما تفكر به ابدا
رفع له نظره ليجد نظرة قُتل انسان داخلها الف مرة وهو في ذلك السجن المهلك… ليقول :
-ولما ؟؟ أليس افضل ان اعترف بذنبي من ان اظل سجين طيلة حياتي هكذا
سارع الاخر بالتبرير له :
-انت لست سجين.. انا فقط اخشى عليك من تهورك وجنونك هذا
صدحت ضحكة ساخرة منه… ليلعن الاخر نفسه وهو يتمتم معتذرا :
-لم اقصد سامحني اخي
اشاح عنه بناظريه ثم هتف بخشونة:
-ولو تقصد… انا فعليا مجنون.. انا مريض نفسي مصاب بالأنفصام في الشخصية
لم يتحمل شقيقه فنهض وهو يصيح بانفعال انفجر من كثرة الكتمان :
-ماذا افعل لتصمت عن تلك الهراءات !!
صرخ به الاخر في المقابل :
-تتركني اعترف لهم بذنبي
ازداد صراخه المذهول الذي شابه التهكم وهو يخبره مستنكرا :
-تخبرهم ماذا ؟!!! تخبرهم انك الذي قتلت حسين الشهاوي وليس علي الجبوري ؟!!!!!! ستذهب لعاصي الشهاوي لتقول اعتذر انا مريض نفسي وعندما ذهب علي وشقيقته من مقر الحادث كان ابنكم مصاب فقط في جانبه الايمن فأكملت انا وقتلته تماما……………..!؟
******
يتبـع ..
الفصل الثامن عشر :-
كان “عاصي” أمام غرفة الطوارئ بالمستشفى.. ينتظر والقلق يستوطن كل خلية حية بخلايـاه…. والندم يشوبه مدمرًا ثباته الشعوري !!……
يتمنى لو لم يفعل… يتمنى لو كان تركها معه وعاملها بجفاء كما كان….. يتمنى ويتمنى فتصبح الامنيـات على قيد خيوط العقل ليس إلا…!!!
انتبه للطبيب الذي خرج يمسح وجهه بأرهاق فسأله عاصي بلهفة لم يستطع اخفاءها :
-ماذا حدث لها ؟؟ إنها المرة الثانية التي تُصاب بنزيف فيها!!
هز الطبيب رأسه بأسف وهو يخبره :
-اعتذر سيد عاصي ولكن للاسف فقدنا الجنين.. عوض الله عليكما
ثم ربت على كتفه عدة مرات وهو يتخطاه بهدوء…. وكم كانت ثقيلة كلماته على ذلك القلب الذي يستجدي تخفيف ضغط ضربات القدر عليه….!؟
نظر بأعين زائغة لوالدته التي طالعته بأشفاق مرددة بهمس :
-قدر الله وماشاء فعل…
شعر بنصل حاد ينغرز بصدره كلما زاد ادراك الحقيقة داخل ثنايا عقله…. هو فقد طفله…. فقد النبتة المزروعة لتُحيي عشق محكوم عليه بالموت….. فقد طفله من المرأة التي عشقها دون ارادته….. فقد طفله من حوريته !!!!!…..
سار دون أن ينطق بحرف للغرفة… وهنا نطق ابراهيم بنبرة جافة :
-لا افهم ما كل هذه الدراما.. كيف يصبح الحال إن كان طفل عمره سنوات وليس اسابيع ؟!!!!!!
وهنا لم يستطع علي أن يتمالك نفسه أكثـر… فانقض عليه يصرخ فيه مزمجرًا بجنون ولكن دون أن يمسه :
-من ماذا انت مخلوق!!! أليس لديك لا شعور ولا احساس ؟؟ ألا تشعر ببعض الشفقة على تلك المسكينة؟؟؟ لا ادري ماذا فعلنا ليكن شخص مثلك والدنا
رفـع ابراهيم يده ودون تردد كان يصفعه بعنف غير مبالي بالحشد الذي تجمع على صراخ علي !!!!….
شهقات مختلفة صدرت عن الجميع واولهم أسيل التي لم تتوقع أن يهين أب رجل مثل علي وامام الجميع بهذه الطريقة !!….
بينما علي كان يحترق داخليًا…. بدا وكأن النيران تتصاعد من بين عيناه التي احتدت فبدا الشيطان ساكنًا فيها وعروقه التي كادت تخترق جسده……!!!
خاصةً مع صراخ ابراهيم المنفعل وكأنه على حق :
-اصمت ايها اللعين.. كيف تجرؤ ان تصرخ على والدك بهذه الطريقة ؟!! ولكن العيب ليس منك بل من التي لم تستطع تربيتك كالرجال
وهنا تدخلت أسيل بسرعة وهي تسحب علي من ذراعه متمتمة بصوت خافت :
-علي ارجوك تعالى معي ارجوووك
وبالفعل سار معها دون نطق كلمة لتنظر والدة اسيل للجميع وهي تصيح بضيق واضح :
-انتهى الفيلم هيا من فضلكم كل شخص يعود كما كان !!!
………………………………………
سارت أسيل مع علي بصمت حتى دلفا إلى المصعد ليهبطـا للدور الارضي…. وبمجرد أن اُغلق الباب عليهما اقتربت أسيل من علي حتى وقفت على طرف أصابعها وامسكت وجهه بيداها ثم طبعت قبلة عميقة على وجنته التي صفعه والده عليها……
في البداية تجمد علي مكانه وعقله يحاول ترجمة لمساتها التي تلهب مشاعره كالعـادة… خاصةً وهمسها الذي كان كترنيمـة تثير داخله شتى المشاعر التي تجعله يود الانقضاض عليها تخترق اذنيه :
-انا أعشقك علي……
كلمة واحدة كانت كفيلة ان تُطلق سراح الشياطين التي اختُزنت داخله لتحل محلها عاطفة مهتاجة وعشق موقد يحتاج للهيب الشعور بها لتكتمل البراكين اشتعالاً…..!!
كادت تبتعد ولكن يداه كانت الاسرع لتحيط خصرها ببطء وهو يُقربها منه اكثر ويده قبضت على خصرها بينما الاخرى تزيح الخصلة التي ظهرت من اسفل حجابها الصغير وهو يهمس بصوت أجش :
-عيدي ما قلتيه الان أسيل
كان يتحدث بهدوء وهو يضغط على الزر الذي يُعطل المصعد…. لتبتلع اسيل ريقها بتوتر وهي ترى تأثير كلمتها الصغيرة يزداد عن المتوقع…
بللت شفتاها بتوتر ثم همست بتلعثم :
-لقد قلت…. آآ قلت أني….. أني أعشقك علي
أغمض عيناه وهو يستمتع بطرب الكلمة على مسامعه.. أصبح ملتصق بها وأنفه تلتقط رائحتها التي يعشقها فأردفت اسيل بصوت يكاد يسمع :
-علي نحن بالمصعد !!
هز رأسه بلامُبالاه وهو يأمرها بهدوء تام :
-عيديها مرة اخرى
رمته بنظرة شك ولكن زفرت بتوتر وراحت تكرر :
-أعشقك علي.. اعشقك وبجنون ولا اريد سواك
دفن وجهه عند رقبتها يملأ رئتيه بعبقها الذي يسكره وهو يهمس بأنفاس سريعة :
-همسك ذاك يجعلني اود فعل اشياء وجودنا بالمصعد يمنعني من فعلها
ضربته على كتفه بحرج واضح :
-علي
امسك يداها الاثنان بيد واحدة وهو يقترب من شفتاها بحركة خاطفة متمتمًا بصوت خشن من فرط عاطفته :
-تبًا لعلي واليوم الذي وُلد به
والتهم باقي حروفها المعترضـة ليُسكت اعتراضها بطريقته… شفتاه تتناغم تلقائيًا مع رنين شفتاه بينما هي كالمسحورة لم تستطع سوى ان تستكين بين يداه… مرت دقائق وهو لا يريد ترك شفتاها وشهدها إلى أن دفعته أسيل هامسة من وسط لهاثها :
-يكفي علي ستفضحنا
اومأ عدة مرات مؤكدًا وهو يمسك يدها ويعتدل في وقفته :
-نعم معكِ حق يجب أن نذهب لغرقة الحديقة ونُشهدها على ملحمة عشق من نوع آخر…
قال اخر كلماته وهو يغمزها بطرف عيناه بمكر لتغزو الحمرة وجهها الصغير،،،،فعضت على شفتاها بتلقائية ثم تابعت :
-أنت قليل الادب وبلا حياء ايضًا
تلاعب بحاجبيه وهو يردد بعبث بينما يقترب منها ببطء وكأنه على وشك تذوق شفتاها مرة اخرى :
-اعلم حبيبتي ولكن الشوق يحرقني وانتِ لا تشعرين….
وبحركة مفاجئة كانت تضغط على الزر ليعمل المصعد مرة اخرى فابتسمت بانتصار طفولي….
ليبادلها هو الابتسامة ولكنها غامضة تناسب الافكار التي تتأرجح بعقله وقد وجد انسب حل ليمنع عاصي من محاولة طلاقه هو واسيل………..
******
بدأت “أطياف” تفتح عينـاها ببطء وهي تحك رأسها بتلقائية متألمة من الصداع الذي يكاد يفتك بها… بمجرد أن تفرق جفناها اخترق عيناها الضوء فعقدت حاجباها وهي تنهض ببطء… ولكن بمجرد أن نهضت شهقت بعنف وهي تدرك أن الذي بجوارها ليس ظافر بل رجل آخر تراه لأول مره……..!!!!
ارتجف جسدها بخوف وهي تحاول ان تتذكر الذي حدث فبدأت بعض المقتطفات تأتي بذاكرتها كنوع من اشفاق القدر عليها…..
فلاش بــاك##
مال بها ظافر نحو الفراش وهو فوقها يقبلها نعم ولكنه يشعر أنه سيتقيء وهو يقبلها ولكن للضرورة احكام…!
نهض عنها بسرعة وهو يغمغم بصوت ماكر خبيث بدا لها عبث متوقع فقط :
-انتظري لا اريد أن تنتهي تلك الليلة بهذه السرعة
ابتسمت أطياف باتسـاع وهي تومئ مؤكدة :
-وانا ايضًا
غمزها ظافر بمكر ثم سار متجهًا نحو المطبخ وهو يردد لها بحزم :
-انتظريني هنا سأتي لكِ بمشروب سينال اعجابك
اومأت موافقة بلهفة وبالفعل بدأ ظافر يسكب بعض من الخمر ولكنه وضع به “منوم” وابتسامة شيطانية تحتل ثغره.. انتهى ثم سار عائدًا لها….
اقترب وهو يمد يده لها قائلاً بخشونة :
-تفضلي على شرف عودتنا لبعض
ومن حسن حظ ظافر أن تلك البلهاء لم تشك به ولو للحظة….!!!
بل شربته كله بحماس والرغبة والانتصار المعتوه يظللا عيناها فلم تعد ترى الواقـع….!
اقترب منها ظافر مرة اخرى يعطيها شعور أنه سيقترب منها ولكن ما هي الا دقائق معدودة وبدأت اطياف تغفو في نوم عميق ليخلع عنها ظافر كل ملابسها ويضعها في الفراش ويغطيها بأحكام ثم امسك هاتفه يتصل بأحدهم وهو يهتف بهدوء :
-هيا اصعد بسرعة
وبالفعل صعد ذلك الرجل الذي أجره ظافر ليحتل مكان ظافر ويغادر ظافر وعمار بسرعة ليكمل مخططه……!
باك###
هبت اطياف منتصبة لتغادر الفراش بسرعة ولكن خاب ظنها عندما فُتح الباب فجأة على مصرعيه وتدلف الشرطة وخلفهم ظافر الذي شهق بصدمة مصطنعة وهو يصيح كأي رجل شرقي :
-ايتها الخائنة ال**** ماذا فعلتي يا حقيرة
اتسعت حدقتاها بفزع وهي تقول بسرعة :
-ظافر لقد كنا آآ…..
هز رأسه وهو يقترب من الرجل الاخر وكأنه على وشك قتله:
-نعم كنا متفقان أن اتي لأخذك للمنزل الذي كنت انوي الاقامة فيه معك ومع طفلي
ثم بدأ يضرب الرجل ليمسكه الشرطي بسرعة وهو يردف بجدية :
-اهدئ سيد ظافر نحن ادرى بالتعامل معهم
ثم اشار لباقي العساكر نحو اطياف التي كانت تلف جسدها بغطاء الفراش:
-خذوها
وهنا ظلت اطياف تصيح بجنون
“لم افعل شيء لم افعل”….
حينها اقترب ظافر من الضابط ليخبره بنبرة رسمية:
-لا اريد اي فضائح يا حضرة الضابط انت تعلم هذه قضية زنا
اومأ مؤكدًا له وسار بسرعة ومعه ذلك الرجل ليُكتم صوت اطياف بالفعل وتغادر الشرطة بهدوء كما اتوا فجلس ظافر يتنهد بعمق وهو يشعر بالثقل خف عن كاحله…. فلم يكن هناك حل آخر ليتخلص من تلك الكارثة نهائيًا ويضمن أن حضانة عمار ستكون له….!
بعد فترة من الشرود انتبه على صوت الباب يُطرق فنهض بهدوء ليفتح فتفاجئ بـ ريم التي كانت غريبة فسألها مستنكرًا :
-ريم ! ماذا تفعلين هنا ومابكِ ؟؟
حاولت استجماع شجاعتها وهي تخبره :
-انا اتيت لأخبرك انني رفعت قضية خُلع يا ظافر لأنني أحببتُ شخص وسأتزوجه !!!!…..
*****
واخيرًا بدأت حور تستعيد وعيهـا رويدًا رويدًا لتجد عاصي يجلس جوارها كما هو منذ أن دخل منتظرًا استيقاظهـا….ولكن تلقائيًا أشاحت بوجهها عنه وهي تنهض ببطء متأوهة ثم قالت :
-ماذا تفعل جواري
لم ينطق سوى بكلمة واحدة هادئة :
-انتظر زوجتي ان تستعيد وعيها
حينها صرخت فيه بانفعال حاد :
-لم اعد زوجتك لا تنسى انك طلقتني
تنهد عاصي تنهيدة عميقة تحمل في طياتها الكثير والكثيـر… ثم حاول امساك وجهها وهو يرد بحنان :
-أعدتك لعمصتي حور.. أنتِ ستظلين زوجتي لحين موت احدنا !!!
ولكنها نفضت يداه عنها بسرعة لتشهق متذكرة وهي تسأله بنبرة متوجسة :
-هل حدث لطفلي شيء ؟؟!!!
اغمض عاصي عيناه عند ذكر تلك السيرة التي تُهلك روحه… لتزمجر حور بجنون :
-لا تصمت هكذا اجبني هل حدث لطفلي شيء ؟؟؟!!!
ثم بدأت تهز رأسها نافية ليمسك عاصي يداها وهو يستطرد بنبرة تفوح ألمًا يعاوده وكأن شقيقه قُتل للتو :
-حور أنتِ مؤمنة بقضاء الله وآآ……..
ولكنها قاطعته عندما نفضت يداه عنها باشمئزاز وبدأت تصيح بنبرة عالية لو كانت صاحت بها منذ فترة لكان صفعها بلا تردد ولكنه لأول مرة لا يفعل بل يتمنى أن تصرخ وتصرخ لتطرد أشباح الألم من داخلها…..!!
إلى أن هدأ صياحها فبدأت تبكي بصوت منخفض حينها جذبها عاصي لأحضانه رغم ارادتها لتتلوى روحه ألمًا عندما سمعها تهمس بحروف متقطعة :
-أردت ذلك الطفل عاصي… اردته ولم ارد سواه واعتقدت أنه الشيء الجيد الوحيد الذي خرجت به من ذلك الزواج ولا انكر احببته لأنه منك أنت…….
حينها بدأ عاصي يُقبل رقبتها بعمق وهو يضمها له اكثر متمتمًا بصوت خشن يضخ حنانًا وعشقًا دفينًا :
-اعدك حور أنني سأملأ تلك الدنيا أطفالاً منكِ أنتِ فقط حتى تصرخين أنكِ اكتفيتي ومع ذلك لن أكتفي وسأجعلك حامل مرة اخرى واخرى واخرى
بدأت حور تبكي بأحضانه رغم أن وعده ذاك لو كان بوقت اخر لكان جعلها تلحق في السماء…….
ظلا هكذا حتى ابتعدت عنه حور وهي تدفعه مرددة بصوت مبحوح :
-أين اخي.. اريد علي
هز رأسه نافيًا بحزم وهو يشير نحو الباب المغلق :
-انظري اغلقت الباب بالمفتاح.. لن يساعدك اي شخص غيري.. حتى ملابسك انا مَن سيساعدك لتبدلينها !!!
تأففت حور بضجر :
-عاصي ارجوك اغرب عن وجههي
هز رأسه نافيًا ببرود فلم تستطع سوى ان تخضع له بيأس فلم يعد لديها طاقة ابدا لتلك المناورة…..
وكلما لامست يداه جسدها وهو يساعدها حاولت اسكات تلك القشعريرة الباردة التي تُصيبها…وفجأة وجدته يحتضنها من الخلف ويدفن وجهه عند رقبتها لتصفعها انفاسه وهو يقول بصوت رجولي خشن :
-اقسم لك بالله أنني لم اشعر انني اعشق ذلك الطفل الا الان…. !
تنهدت حور ولم تجيب بل قررت تجاهله واسكات تلك المشاعر الصاخبة داخلها…..لحين اشعار اخر…….!!
******
بعد ساعات…….
كان نفس الشخص “القاتل” ينظر على الباب الذي أغلقه شقيقه للتو ثم نهض بسرعة ليدفع الشرفة بذكاء ثم بدأ يتسلق ليهبط منها وبمجرد أن هبط بدأ يركض بسرعة نحو الشارع الرئيسي ومن استقل سيارة اجرة وهو يخبره بعنوان منزل عاصي الشهاوي بلهفة…..
هو لا يدرك انه في خطا الجحيم بالنسبة لمسار حياته وخطا اخرى ستصك صفحة جديدة في مسار حياة اخرى…….!!!!!
وصل فهبط من السيارة بسرعة وهو يعطي السائق الاموال التي اخذها من شقيقه بصعوبة ليدلف للبوابة فقابله الحارس يسأله بحذر :
-من انت وماذا تريد ؟؟
رد بجدية حادة :
-اريد السيد عاصي بامر هام جدًا
نظر له الحارس بشك ثم اومأ له وهو يسير للداخل بهدوء:
-انتظرني هنا سأبلغه
اومأ موافقا ليسير الحارس بسرعة وبالفعل خلال دقائق كان عاصي يتقدم منه بشموخه وحديته المعتادة فبدأ هو يشعر بالتوتر يغزو كيانه كله و…………
*****
يتبـع…
الفصل التاسع عشر :-
وقف عاصي أمام ذلك الرجل يطالعه بتفحص.. بينما الآخر شعر أن الحروف فرت هاربة من بين شفتاه… والجرأة التي دفعته نحو منزل عاصي أصبحت مجرد رياح ضربته بعنف ثم فرت هاربة أدراج الرياح……!!
ولكنه حاول فك عقدة لسانه وهو يقول بنبرة يلوح منها التوتر :
-أنا آآ… أنا أكون…. أكون آآ مُـ…….
ولكن من دون مقدمات كان شقيقه يقتحم المكان ويسحب شقيقه من ذراعه بسرعة وهو يغمغم بصوت حاول سرقة بذور التوتر منه :
-نعتذر سيد عاصي شقيقي مريض ولا يدري ماذا يفعل !!
عقد عاصي ما بين حاجبيه بعدم استيعاب ثم اردف بتلقائية مستنكرًا :
-مريض !!! ولكنه لم يبدو لي كذلك ابدًا
اومأ الرجل مؤكدًا ثم اخبره باختصار :
-نعم لانه مريض بالانفصام في الشخصية.. وعندما يعود لشخصيته الطبيعية سيتعجب من مجيئه لهنا
ثم سحب شقيقه وهو يتجه للخارج بينما الآخر يردد بحنق واضح وكأنه انتشله من جنة الخلد :
-اتركني ماذا فعلت اتركني يا قاسم اتركني
-تمهل ايها السيد ما بك؟!!!!
قالها عاصي مذهولاً ولكن ذاك الرجل تجاهله وهو يغادر بخطى سريعة اشبه بالركض مع شقيقه….
واستمر صياح الاخر ولكن ذلك المدعو بقاسم لم يكن يهتم لأيًا مما يردده.. كل ما كان يشغل تفكيره أن شقيقه كان علي وشك الانتحار الروحي إن لم يكن الجسدي….!!
وبالفعل غادروا ليعقد عاصي ما بين حاجبيه… يشعر أن هناك شيء مُريب بالأنر ولكنه لا يستطع الوصول لرأس الخيط….!
وعندما خرجوا من بوابة المنزل نظر عاصي للحارس بسرعة ثم قال بنبرة آمرة :
-اذهب خلفهم بسرعة اريد أن اعلم أين يسكنون
اونأ موافقا بسرعة :
-امرك سيد عاصي
وبالفعل ركض خلفهم بسرعة بينما عاصي زفر بعمق وهو يمسح على شعره البني الناعم… كاد أن يدلف ولكن فجأة وجد “علي” الذي كان يبحث عن فندق متوسط ليقيم به يدلف من البوابة فتجهمت ملامحه وهو يقترب منه متساءلاً بخشونة :
-ماذا تريد ؟؟
أجاب علي ببرود :
-أتيت لأرى شقيقتي و زوجتي إن لم يكن لدى حضرتك مانع ؟!
كور عاصي قبضتـاه معًا… يشعر بالغليان الذي كان فتيله رؤية علي الجبوري امام عيناه…. ورغبة عنيفة بالقتل تتولد داخله !!!! …….
اقترب منه عاصي ليمسكه من تلابيب قميصه وهو يستطرد بحدة مُخيفة قاسية كمخالب الشيطان :
-لا تحاول استفزازي لانني ابحث عن سبب حتى ابرر قتلي لك… قسمًا بالله أني امنع نفسي بصعوبة شديدة عن قتلك
وفجأة غامت عينـاه بأفكاره التي تنضح من عقله فجذب علي من ذراعه بعنف وهو يقول بخشونة :
-كن رجلاً وتعالى معي
وبالفعل سار علي معه دون أي محاولة للفرار بل كان باردًا صلبًا وهو يسير معه بينما الاخر جمرة من النيران…..!!
دلف معه علي الى غرفة صغيرة مُغلقة.. وما إن دلفا حتى عاجله عاصي بلكمة عنيفة جعلت علي يرتد للخلف بقوة من المفاجأة ليظل عاصي يضربه بحركات عشوائية تعبر عن غله الذي يحتجزه بحاجز من الثبات،،، فظل يزمجر بجنون وكأنه انفجر :
-لن استطع التعامل بشكل طبيعي مع شقيقتك ما دمت لم انتقم منك شخصيًا… لذلك تحمل إن كنت رجل لأستطع انا التحمل وأنسى كل ما جرى
وبالفعل علي لم ينطق بحرف ولم يحاول الدفاع عن نفسه حتى بل كان يتلقى ضرباته بصدر رحب…. وفجأة اشار لعاصي بيداه وهو يلهث بألم :
-انتظر انتظر….
ضيق عاصي عيناه بتنمر وهو يسأله :
-ماذا تريد ؟؟؟
فسأله علي بنبرة مستفزة مبتسمًا :
-هل ستترك أسيل معي إن ضربتني ام هذا فوق الحساب ؟!!!
ازداد جنون عاصي الذي ازدادت ضرباته عنفًا وهو يهدر فيه بعنف مستنكر :
-هل قالوا لك أننا نلعب ؟؟؟ يا الهي أنت تثير غريزة العنف داخلي بشكل لا يُطاق.. كيف تحبك هذه البلهاء !!!!
وبالرغم من الألم الذي حط بجسد علي الذي ارتمى ارضًا من كثرة ضربات عاصي… إلا أن ابتسامة صغيرة شقت طريقها لثغره عند ذكر سيرة معشوقته……!
لتظل هي نقطة لنوره في بحر الظلمة….
استمر عاصي بضربه في اماكن متفرقة في جسده.. وكأنه مع كل ضربة يقتل خلية من خلايا كرهه لحور وعائلتها عدا هذا اللعين الذي مازال يكن له الكره…..!!
كاد علي أن يفقد وعيه فعليًا مع ذلك لم ينطق بحرف ولم يخبره أن يتركه حتى…. إلى أن دلفت أسيل متعحبة من تلك الاصوات :
-عاصي ماذا هـ……..
ولكن فجأة صمتت وهي تشهق بعنف عندما اخترقت صورة علي الدامي الساقط ارضًا مخيلتها لتركض تجاهه وهي تصرخ باسمه بفزع حقيقي لا يحتل الا جوانب عاشقة :
-علي…. علي…..
حينها همس علي بصوت يكاد يسمع :
-أسيل…..
قال أسمها ثم غاب عن الوعي تمامًا…. بدأت أسيل تمسح دماءه بملابسها بلهفة بينما تصرخ بعاصي الذي كان يشاهد بصمت :
-ماذا فعلت لقد كدت أن تقتله عاصي ؟!!!
مط عاصي شفتاه بلامبالاة :
-يستحق ولو لم تأتي لكنت تركته بنفس الحالة التي ترك شقيقي بها !!!!
تركته أسيل وركضت تجلب بعض العطر والاسعافات الاولية بينما تنهد عاصي ببعض الارتياح وهو يتمتم لنفسه :
-الان لأذهب واطمئن على زوجتي….
وبالفعل غادر بكل هدوء وكأنه لم يفعل أي شيء….!!
………………………………………
بعد قليل عادت أسيل راكضة وهي تهبط لمستواه لتضع بعض من العطر عند أنفه ثم حملت رأسه لتضعها بين أحضانها وهي تردد بلا توقف بصوت مبحوح :
-علي.. علي ارجوك هيا لا تفزعني اكثر من ذلك… هيا حبيبي انت قوي لن يحدث لك شيء !!!!
وبالفعل بدأ علي يفتح عيناه رويدًا رويدًا وهو يتنفس بصوت مسموع… وبمجرد أن استعاد وعيه بدأت أسيل تبكي بصوت مسموع وهي تحتضنه بلهفة :
-كدتُ أموت رعبًا سامحك الله
سألها علي بصوت مشاكس وهو يتأوه من الألم :
-ماذا كنتوا تطعموه في صغره أسيل ؟؟؟ لقد جعلني كالكرة المُبسطة…..!
ضربته أسيل على كتفه وهي تضحك من وسط دموعها ليصيح هو بألم وهو يقول بمرح :
-بدأتُ أصدق أنني اثير غريزة العنف !!!
ضحكت أسيل بنعومة ثم بدأت أسيل تخرج الاسعافات الاولية ثم عادت لتفتح ازرار قميصه بتركيز لتسمع صوته الماكر وهو يتابـع :
-ولكن أتعلمين… يجب أن اشكره لم يجعلني اراكِ فقط بل ……..
ولكن قبل ان يكمل كانت أسيل تحذره بجدية مصطنعة :
-علي..
عض علي شفتاه السفلية وتشدق بعبث متحسرًا :
-الود ودي أنهض لأقول اللعنة على علي واليوم الذي وُلد به والتهم تلك الشفاه ولكن شقيقك كسر لي ضلعان ليضمن أنني لن اتحرك من الان لعشرون يومًا
توردت وجنتا أسيل تلقائيًا وصدحت ضحكاتها الانثوية الناعمة… ثم أمرته من بين ضحكاتها :
-حسنًا هيا حاول أن تجلس لأستطع مداواة تلك الجروح
وبالفعل بدأ علي يحاول الجلوس وهو يتأوه مغمضًا عينـاه… إلى أن جلس بالفعل فتنهد بارتياح وكأنه قد فعل شيء عظيم…. اقتربت منه أسيل تنوي تنظيف جرحه ولكنه أشار لها بيداه بهدوء :
-انتظري دقيقة دقيقة….
عقدت ما بين حاجباها وهي تحدق به متساءلة :
-ماذا حدث ؟؟؟
وبحركة مباغتة كان يجذب رأسها له ليستطع أكل شفتاها براحة… يروي ظمأه الذي يزداد يومًا عن يوم حتى تأكد أنه لن يرتوي من شفتاها ابدًا بل سيشتعل شوقه اكثـر…… وهي كالعادة كانت مستسلمة تشعر بفراشات تدغدغ معدتها لتتشبث بقميصه الدامي تلقائيًا…. لم يبتعد إلا عندما شعر بحاجتها للهواء فقال بمكر مرح من وسط لهاثه العالي :
-أيرضيكِ أن افوت “علي” تلك بدون قبلة تُذكر ؟؟ الناس ستأكل وجههي….!
عضت أسيل شفتاها بحرج مبتسمة ابتسامة واسعة كادت تتحول لضحكات خافتة على مرح علي الذي بالرغم من أنها تعلم انه يداري ألمه بذلك المرح إلا انها تشعر ان هناك جزء مرتاح نوعًا ما داخله………. !
*****
بمجرد ان اخترقت جملتها أذن ظافر شعرت بالندم يتآكل اطرافها ولكن لم يعد له مكان من ساحة الموقف حيث جذبها ظافر من ملابسها من الخلف “كالمخبرين” وهو يصيح فيها بذهول :
-ماذا ؟؟؟ ماذا قلتي عيديها ؟؟!!!!!
هزت ريم رأسها نافية بخوف :
-لا ابدًا…. لم أقل شيء
ثم سألته بنبرة طفولية وكأنها مدهوشة :
-هل قلت أنت ؟؟؟
لم يعلم ظافر أيضحك ام يبكي على تلك الطفلة التي تثير جنونه لقتلها ثم تعود وتخمده بطفوليتها التي تعطي المساحة لمنابت عشقه لتتربـع على قلبه……
ولكنه رسم الحدة والخشونة على ملامحه الرجولية وهو يمسك ذراعها ضاغطًا عليه بقوة وهو يسألها :
-ريييييم… ماذا حدث وقضية ماذا ؟؟
بللت شفتاها والتوتر يزحف لكافة جوارحها ببطء ثم خرج صوتها مبحوحًا يتحجزه القلق :
-كنت اكذب اقسم لك… قضية ماذا وهل يتركني زوج أمي افعلها من الاساس ؟؟؟
بالرغم من أن كلامها هدأه نوعًا ما ولكنه جذبها بعنف من ذراعها لتصطدم بصدره العريض ثم زمجر فيها بغيظ :
-وهل كنتي ستفعلينها لو تركك ؟!!!!
ازدادت ضغطته على ذراعها فتأوهت بصوت مسموع بينما هو الغيرة تنهشه كأعنف الوحوش ليعيد سؤالها بحدة عالية :
-ومن هذا الذي تحبينه ؟؟
مطت شفتاها للأمام بطريقة كوميدية وهي تقول :
-حب ماذا يا رجل !؟ وهل ينظر لي قرد حتى…
جذبها ببطء وهو يسير نحو الاريكة مرددًا بصوت ماكر لم تغادره الغيرة المشتعلة :
-كاذبة يا صغيرتي وسأضطر لمعاقبتك !
اتسعت عيناها بفزع وهي تسأله :
-أي عقاب هذا ؟؟؟
جذبها بقوة ليضعها على قدماه ثم امسك بعصا صغيرة يعاقب بها عمار عندما يُخطئ… ليرفع حاجبه تزامنًا مع حروفه وهو يستطرد بخشونة:
-هيا افتحي يداكِ
صرخت به مستنكرة بشدة:
-هل تراني طفلة يا ظافر لتعاقبني بتلك الطريقة
اومأ مؤكدًا ببساطة :
-واكثر من طفلة.. الاطفال اكثر ذكاءًا منكِ
ثم نظر لها بحدة مُخيفة جلعت كيانها يرتجف لتستسلم وتفتح له يداها فبدأ هو يضربها ولكن ببعض اللين وفي نفس الوقت ضربات جعلتها تتأوه بألم….
إلى أن انتهى فرمى تلك العصا بينما هي تكاد تبكي كالاطفال تمامًا… لتزم شفتاها مغمغمة بحنق:
-لن اسامحك طيلة حياتي وسأردها لك ذات يوم أيها اللعين
قال هو بابتسامة واسعة وكأنه لم يسمع شيء :
-أطياف خرجت من حياتنا نهائيًا
إتسعت عيناها بعدم تصديق لتهمس تلقائيًا:
-انت تكذب عليّ كالعادة
هز رأسه نافيًا ببساطة لينهض وهو يسحبها خلفه متجهًا بها لقسم الشرطة :
-لا.. تعالي وسأريكِ أنني لستُ كاذب……….!
ومن يصدق أن تلك الطفلة التي كادت تبكي منذ قليل الان تكاد تقفز فرحًا وهي تسير معه كاالبلهاء متنساية كل ما خططت له……….
******
مساءًا………
غادر عاصي منذ الصباح لعمله وحتى الان لم يعد ينهي اعماله التي تراكمت عليه… وحور كانت حبيسة غرفتها ترفض الخروج من الغرفة منذ أن عادت من المستشفى وعلي لم يرد الصعود لها حتى لا يفزعها بمظهره المقلق واكتفى بـ أن طمأنته أسيل عليها….!!
هي حتى لم تتناول الطعام معهم…. بالرغم من محاولات “حماتها” التي اظهرت لها بوضوح مدى تضحيتها لتخرج الحروف من فاهها وتلح على حور لتتناول الغداء معهم……!!!!
ولكن ازداد الجوع عن حده فنهضت بهدوء تخرج من الغرفة وهي تقنع نفسها أن الجميع يغط في نوم عميق الان وعاصي لن يأتي الان…
دلفت للمطبخ وبدأت تبحث عن طعام وبالفعل جلست لتتناوله بشراهة… وفجأة وجدت من يحتضنها من الخلف هامسًا بصوت رجولي جذاب :
-لماذا تفعلين بنفسك هكذا إن كنتي جائعة بهذا القدر ؟!!!
كادت حور أن تسعل من الصدمة… أنفاسه الساخنة تداعب رقبتها وجسدها اللعين ارتعش تلقائيًا من لمسته وكأنه يستشف شوق الاخر الحار له… ولكنها حاولت تجاهل شعورها فتركت الطعام وهي تنهض متمتمة بصوت مكتوم :
-الحمدلله…
أزاحته بعيدًا عنها دون أن توجه كلمة واحدة له… أشعرته أنه منبوذ…. أن عشقها هو من كان يُحيي حياته البائسة ولكنها الان تحرمه منها…. !
جذبها من يدها بسرعة قبل ان تغادر ليهتف بلهفة:
-انا لم اقل ذلك حتى تنهي طعامك حور….
لم تنظر له وهي تتابع بحدة :
-اترك يدي
زفر بعنف وهو يترك يدها بالفعل لتغادر بسرعة نحو غرفتها… نظر هو في أثرهـا وداخله شيء يردد مغموسًا باليقين
” لن تنال غفرانها بسهولة ”
ركض مسرعًا خلفها ليتأكد شكه وهو يراها كادت أن تغلق باب الغرفة بالمفتاح ليدفع الباب ويدلف رغم ارادتها… كاد ينطق ولكنها تجاهلته وهي تتوجه للفراش لترفع الغطاء ثم تسطحت ودثرت نفسها أسفله وكادت تنام……!!
ليسرع هو الاخر يتمدد جوارها ولكنه ابتسم بمكر وهو يغلق الانوار جميعها وهو يعلم انها تخشى الظلام جدًا… ولكنها كانت الوسيلة الوحيدة ليقطع ذلك الصمت بينهما…… وبالفعل تشبثت به حور بسرعة وهي تردد بصوت مرتعد :
-لماذا اغلقت الانوار انت تعلم انني اخاف من الظلام
ردد ببرود مستمتعًا بيداها التي تمسك بقميصه واقترابها :
-وانتِ تعلمين أنني لا احب النوم على الانوار
حينها صاحت به بانفعال :
-انا تزوجتك منذ ثلاث اشهر وكنت تنام على الانوار وفجأة اكتشفت انك لا تحبها
-نعم
اجاب ببرود لتقترب منه اكثر حتى اصبحت ملتصقة به تمامًا تتوسله بصوت منخفض:
-عاصي ارجوك انا خائفة
بينما عاصي شعر بمشاعر شتى وهي بين أحضانه… رائحتها تخدره وقربها يهلكه حرفيًا ويهيج تلك العاطفة الموقدة دائمًا داخله…. ازداد من احتضانه لها يشعر بجسدها المرتعد ويلف يداه حول خصرها…. لتداعب انفاسه وجهها حتى ادركت انه قريب جدًا منها يكاد ينال شفتاها التي يشتاق لها ثم همهم :
-هكذا لن تشعرين بالخوف
حاولت ابعاده بسرعة وهي تردف :
-عاصي… انت تعلم انه ممنوع ما تفكر به بالاضافة انني لن اسمح لك أن تلمسني مجددًا
داعب أنفها بانفه وهو يتابـع مشاكسًا :
-وكيف سأنفذ وعدي واملأ تلك الدنيا باطفال منكِ إن لم تسمحي لي…..؟!
عَلت انفاسها وكلماته تنال تأثيرها عليها ولكنه دفعته بعيدًا لتنام على طرف الفراش تحاول طمأنة نفسها واسكات ذلك الخوف…..
وبالفعل رغمًا عنها من الارهاق غفت في النوم ليقترب هو ببطء حتى احتضنها من الخلف ينعم بدفء احضانها ليغمض عيناه هو الاخر ويغوص في نوم عميق……..
…………………………………..
صباحًا في اليوم التالي……
بدأت حور تفتح عيناها ببطء وهي تتحسس الفراش جوارها بتلقائية لتجده فارغ !!!
نهضت بهدوء متنهدة لترتدي اسدالها كالعادة وهي تخرج من غرفتها متجهة للاسفل….
بدأت تهبط السلم ببطء هادئ ولكن فجاة توقفت على صوت حماتها وهي تحدث عاصي وتسأله وسط حديثها :
-ماذا بشأن ريهام ؟؟؟ هل أحببت حور يا عاصي ؟؟
صمت عاصي وطال صمته… يعلم أن اجابته بالتأكيد ربما تصبح كالسكين ينغرز بقلب والدته المسكينة حين تجد أن اخر اولادها يعشقون اعدائهم…. فاجاب بصوت اجش :
-لا يا امي… ولن أحبها يومًا بحياتي!!!!
فيبدو أن الحظ أختار أن يصبح السكين البارد من نصيب حور لينغرز بمنتصف قلبها بقسوة من اجابته !!!!!!!!………
*****
يتبـع…

