وكان لقاءنا حياة بقلم سهام صادق

 

اَلْمُقَدَّمَة

ظَنَّتْ أَنَّ اَلسَّعَادَة لَنْ تَدُقّ بَابَهَا يَوْمًا إِلَى أَنّ اِكْتَشَفَتْ أَنَّ سَعَادَتَهَا كَانَتْ مُخَبَّأَة لَهَا إِلَى أَنْ يَحِين اَلْمَوْعِد .

جَمَعَتْهُمْ اَلصُّدْفَة وَقَدْ فَرَضَ هُوَ عَلَيْهَا حُبّة.

بِدَهَاء جَعْلِهَا مِنْ رَافِضَه لِمَشَاعِرِهِ لَهَا إِلَى اِمْرَأَه عَاشِقَة.

الفصل الأول

اِحتلت الفَجِيعة ملامح تلك الجالسة و انسابت دموعها في صمت، الصَدْمَة لم تكن من نصيبها وحدها بل كانت من نصيب أبنائها أيضًا.

والدهم العزيز المُحب لوالدتهم التي دومًا ما تغنت بقصة حبهم، له طفلاً من امرأة أُخرى.

الوجوم اِرتسم على ملامح أفراد العائلة يستمعون في صمت إلى ما يُخبرهم به محامي العائلة.

– “أحمد رأفت العزيزي”

ابن السيد “رأفت العزيزي” و مدام “نوره السيد حسن”.

صرخة خرجت من شفتيّ “نورسين” التي نهضت على الفور تلتقط الأوراق التي يمسكها المحامي تبحث عن وثيقة زواج والدها.

– لا مش معقول.

لم تَكُن السيدة “لطيفة” أقل صدمة من ابنتها لكنها ظلت صامتة تعبر عن وجعها بالدموع.

لقد خانها شَريك حياتها في أخر أيامهم ، خانها من تعهد لها في أول ليلة أنغلق عليهم بابًا واحداً أنها ستظل امرأته الأولى والآخيرة إلاَ أن يفارقوا الحياة.

– “نـورسـيـن” كفايه صراخ ، أنتِ مش مستوعبه حالة ماما.

صَاح بها “خالد” الذي خرج أخيرًا عن صمته.

إندفعت نحوه “نورسين” تلقي بنفسها بين ذراعيه تنتحب من الصدمة والحُزن.

– دخلتها بيتنا وعطفت عليها وفي الأخر اتجوزت بابا يا “خالد”.

أنا السبب … أنا السبب.

دفنت رأسها في حضن شقيقها لا تقوى على تصديق الكَارِثَة التي حطمتها.

غَادَرَ المحامي في صمت بعدما أعطاه “خالد” إماءة برأسه بالإنسحاب ، فالوضع الآن لا يُحتَمل.

– ضحكت على بابا واتجوزته ، عضت إيدينا اللي أتمدت ليها.

حديث “نورسين” كان يسقط على قلب السيدة “لطيفة” وكأنه سكين حاد…

حاولت السيدة “لطيفة” النهوض من فوق الأريكة لكن جسدها لم يتحمل في هذا العمر ما عاشته من نَڪَبات في ليلة واحدة.

– مـامـا.

…

– إرفعي راسك ، ضهرك خليه مفرود ، خليكِ واثقه في نفسك وجمالك.

هذه كانت نصائح -والدتها- السيدة “ثريا الدمنهوري” لشقيقتها “ريناد”.

لكن هي بالطبع ليست مرئية وعليها أن تكون دائمًا بالخلف حتى لا تجعل والدتها أُضحوكة بين أقاربها.

” عائلة الدمنهوري باشا ”

تمتمت بها “خديجة” ساخرة ، فأكثر ما تكرهه بحياتها هي تلك المناسبات العائلية التي تُصِر والدتهم على اِصطحابهم إليها لعلّ “ريناد” تحصل فيها على عريس ثري.

– مش عايزاكي تتحركي من مكانك ، الكرسي اللي هتقعدي عليه متقوميش من عليه.

هذا الحديث كان من نصيبها عندما اقتربت من إحدي الطاولات.

– حبيبت ماما، عايزاكي تفضلي حوالين العروسه ، أنتِ عارفه هي متجوزه مين .. ابن مساعد وزير الداخليه…يعني كل اللي في الفرح ناس مهمه.

أماءت “ريناد” برأسها مبتهجة من حديث والدتها ، فهي لن تخيب أمل والدتها فيها وستحصل على عريس ثري مهما كلفها الأمر… هي لن تعيش حكاية والدتها وتتزوج من موظف بسيط كوالدها.

– متقلقيش يا ماما … خليكي واثقه في بنتك.

ابتسمت السيدة “ثريا” بإنتشاء وألقت بنظرة استحسان على ملامح ابنتها التي تُشبهها.

– طالعه جميلة ليا زي ما كنت في شبابي … مش عايزاكِ تخيبي خيبتي يا “ريناد”.

اتجهت عينيّ السيدة “ثريا” شزرًا نحو “خديجة” التي جلست فوق المِقْعَد تضع بكفها على خدها وتتأمل الفتيات من حولها ثم تخرج زفيرًا.

بدأت “ريناد” في تنفيذ نصائح والدتها التي كلما تتبعتها بنظراتها شعرت بالفخر خاصةً عندما تلتهمها أعيُن الرجال لكن عندما تقع عيناها على “خديجة” -التي تلتهي تارة بالنظر إلى هاتفها وتارة أخرى في مطالعه الفتيات اللاتي يماثلونها في العمر- تشعر بالحسرة.

– ستات العيله كلها بيقولولي سايبه بنتك كده إزاي يا “ثريا” ، وياريتك بتحسي ولا بتشوفي نظرات الناس ليكِ.

طبعاً ولا كأنك سمعاني وأكيد بتفكري امتى هيفتحوا البوفية وهتجري زي الجاموسة عشان تملي بطنك وأهو أنتِ مش غرمانه حاجة أنا اللي عماله أدفع فلوس لدكتور التخسيس.

اِستمرت “ثريا” في توبيخها إلاَ أن اِقتربت منهم ابنة خالتها.

اِندمجت “ثريا” مع ابنة خالتها في الحديث ، “ناهد” ابنة خالة والدتها كانت شبيهه تمامًا بوالدتها .. وكأن هذه العائلة تعشق المظاهر والعجرفة.

– مش معقول يا “ثريا” هتسيبي البنت بالشكل ده … كده عمرها ما هتتجوز مين هيبصلها وهي بالجسم ده.

امتقعت ملامح “ثريا” ثم رمقت “خديجة” بنظرة ممتعضه، فأسرعت “خديجة” في اِشاحت وجهها عنهم ثم نهضت من فوق المقعد الجالسة عليه قائلة:

– ماما أنا رايحه الحمام.

باِبتسامة مصطنعه نظرت إليها “ثريا” بنظرة تحمل التوعد.

– روحي يا حبيبتي.

مكثت “خديجة” بدورة المياة قُرابة الساعة ، البعض يدخل ويخرج بعدما يقضون حاجتهن أو ربما للتزين وهندمت هيئتهن أو إلتقاط الصور لكن هي مكوثها كان هَربًا.

أخيراً بعثت لها والدتها رسالة لتأتي إليهم أمام باب القاعة فهم سيغادرون حفل الزفاف.

– مش لو خسيتي كنتي جيتي لينا بسرعه بدل ما بتتحركي زي السُلحفاه.

طالعتها “ريناد” بتهكم بعدما ألقت عليها كلماتها اللاذعه ثم اتبعت والدتها التي أخذت تنفث أنفاسها بقوة لضيقها من تجاهلهم لها بالحفل.

– فاكرة نفسها مين بنت “شاكيره” ، هي نسيت نفسها … أه يا خبتك يا “ثريا” خليتي حُثَالة العيلة تتريق عليكِ …

أهو جوزها ده اللي طالعه بيه السما كان هيموت ويتجوزني بس أقول إيه النصيب اللي وقعني في أبوكم.

هكذا كانت تتذمر “ثريا” دومًا رغم أنها من اختارت السيد “ڪمال” رَحِمَه الله لتتزوجه.

نظرت إليها “ريناد” بنظرة ممتعضه ثم نظرت نحو أظافرها المطلية دون أن تعير والدتها إهتمام.

إزداد مقت “ثريا” كلما تذكرت تلك الكلمات البغيضة التي ألقتها عليها قريبتها وكان عليها أن تُخرج غضبها على أحد.

– “خديجة”
…

أغلق الباب خلفه بعدما اطمئَن على خُلود والدته للنوم.

زفر أنفاسه بقوة ثم بخطوات حملت إرهاق صاحبها اِتجه لغرفة شقيقته.

– لسا صاحيه يا “نور” ؟؟

قالها “خالد” بعدما دلف الغرفة وقد انتبه على صورة والده التي أسرعت شقيقته بإخفائها أسفل وسادتها.

إقترب منها وعيناه عالقة بملامحها الذابلة، فشقيقته كانت شديدة التعليق بأبيهم.

جاورها فوق الفراش ثم رفع كفه نحو خدها يُمسده بحنو.

– “نور” عايزك تكوني قوية عشان ماما.

– مش قادرة يا “خالد”.

قالتها “نورسين” ثم عادت دموعها تتدفق بغزارة فوق خديها.

– ليه بابا شّوه صورته في عينيا ، ليه وجع ماما كده ومع مين يا “خالد” مع أعز صحباتي.

اِرتفعت شهقات “نورسين” عاليًا، فهي مازالت لا تستوعب ما أخبرهم به المحامي ليلة أمس.

ضمها “خالد” إليه بعدما عجز عن إخماد وجع شقيقته.

– ليه بابا خان ماما ؟!!

أربع سنين وهو متجوزها يا “خالد” … خدها فرع دبي عشان محدش يكتشف جوازهم ، كانت صاحبتي يا “خالد”.

أنا اللي شغلتها في الشركة ودخلتها بيتنا، وماما يا “خالد” كانت بتعاملها وكأنها بنتها …ياريتك مكنتش بعدت عننا وسبتنا يا “خالد”.

…

في رُڪن مظلم ، جلست “خديجة” منزوية على حالها قرب البراد بعدما إلتقطت منه عُلبة الشيڪولاته.

دست الملعقة في فَاهِها تتناول الشيكولاته دون شهية حتى فرغت العُلبة تمامًا.

تعلقت عيناها بالعُلبة التي صَارت فارغة تبحث داخلها عن المزيد لكنها كانت بالفعل فارغة.

ثواني مرت وعيناها عالقة داخل العُلبة ثم انفجرت بالبكاء.

بكت “خديجة” كما تبكي كُلّ لَيلة ينغرز فيها سهام تنمرهم بها وبجسدها، بكت على حالها وعلى استمرارها في تناول الطعام، بكت على أشياء دُفِنت داخل قلبها.

اِستمرت بالبكاء إلا أن شعرت بالراحه.

عادت عيناها تتعلق بعُلبة الشيكولاته بحسرة.

…

رحب “خالد” بالسيد “جلال” المحامي وقد تعلقت عيناه بذلك الطفل الذي يحمل دُميته وتحتضنه مربيته.

– أهلًا “جلال” بيه.

ابتسم السيد “جلال” الذي تربطه قرابه وعلاقة قوية بالعائلة ثُمّ تَساءَل عن حال السيدة “لطيفة”.

– “لطيفة” هانم عامله إيه دلوقتي.

– بخير الحمدلله.

أجاب “خالد” بعدما زفر أنفاسه وأشار للسيد “جلال” بالجلوس.

نظر السيد “جلال” للطفل الصغير الذي أنكمش داخل أحضان مربيته ثم زفر أنفاسه قبل أن يُسلط عيناه نحو “خالد” الذي أحتل الجمود ملامحه .

– طبعًا أنت عارف بجواز السيد “رأفت” قبل وفاته بفترة قصيرة.

تعلقت نظرات السيد “جلال” به قبل أن يستكمل حديثه.

– من يوم ما اتولد “أحمد” والسيد “رأفت” الله يرحمه كاتب الوصاية ليك يا دكتور، هو عارف ومتأكد إنك هتحافظ على أخوك وماله.
…

دمعة فاضت من عين والدته بعدما أخبرها بوجوب وجود أخَاه لديهم ورعايته.

والدته لم تكن امرأة سيئة أبدًا حتى أنها لا تستحق ما فعله والده بها لكن حدث ما حدث وانتهى الأمر.

مسح دموع والدته بقلب عجز عن فعل شىء ثم ضمها لصدره يُخبرها.

– لو مش هتقدري تتحملي وجوده أنا ممكن أخده لعمتي يتربى عندها.

ابتعدت عنه السيدة “لطيفة” تهز رأسها رافضة لإقتراحه.

رؤيته لوالدته وهي لا تستطيع الحديث يجعله يشعر وكأن النيران تندلع داخله.

– مين ده اللي هيعيش معانا يا “خالد” ، أنا مش عايزه الولد ده هنا.

إندفعت “نورسين” لداخل غرفة والدتها وعيناها عالقة بشقيقها ثم هتفت صائحة بأنفاس لاهثة.

– ابن الخاينة ديه استحالة يعيش معانا ولا هقبل في يوم إنه يكون أخويا.

نظرة كسيرة اِحتلت عينيّ السيدة “لطيفة” وهي تُطالع عيون ابنتها الحزينة.

– عايزانا نرمي أخونا يا “نـور” …ردي عليا.

-أمه خاينة، خانت العيش والملح… هيطلع زي أمه.

أخفضت “نورسين” رأسها أرضًا وقد انسابت دموعها.

الصدمة مازالت تأسرها ، صديقتها المقربة لها تتزوج والدها بالسر، من فتحت لها منزلها وجعلت والدتها تُرحب بها، من ساعدتها لتتخلص من بطش زوج والدتها هكذا يكون رد المعروف.

– اللي حصل حصل خلاص يا “نور”.

جواز بابا الله يرحمه من ست تانية واقع ولازم نتعايش معاه.

– أنا بكّره بابا، بكّره يا “خالد”…

غادرت “نورسين” الغرفة باكية.

بإرهاق زفر “خالد” أنفاسه ثم تلاقت عيناه بعينيّ والدته التي شحب وجهها وأصبحت أنفاسها ثقيله بعد رؤيتها لحُزن ابنتها التي تعلم مقدار عشقها لوالدها.

– مــامــا

صرخة خرجت من “خالد” وهو يندفع نحو والدته لقياس نبضها.

…

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *