وكان لقاءنا حياة بقلم سهام صادق
– “ريــنــاد”.
عندما اقتربوا بها من المسبح صرخت بكل قوتها.
– لاااا.
ارتفع صياحهم مجددًا بحماس بعدما ألقوا بها في المسبح ثم عادوا لرقصهم وكأن شيئًا لم يَكُن.
توسعت أعيُن حارس الڤيلا وقد شعر بالصدمة مما يحدث.
لم يترك لعقله لحظة للتفكير واندفع بهروله نحو المسبح.
توقف الجميع عن الرقص والتهليل ثم سلطوا أنظارهم نحو المشهد.
بدأ البعض يفيق من حالة اللاوعي التي جعلتهم يستمتعون برؤية أحدًا يُصارع الموت.
بدأت “ريناد” تفيق أخيرًا وهي ترى شقيقتها تلتقط أنفاسها بصعوبة ويُساعدها ذلك الحارس بالخروج من المسبح.
– أنتِ كويسة؟!
سألها الحارس الشاب، فهزت رأسها بضعف له.
الجميع أصبح يسلط عيناه على المشهد، البعض كان متأثرًا والبعض الآخر لا يفرق معه الأمر…
فهم هنا ليستمتعون.
عادت الموسيقى ترتفع مرة أخرى ليستكملوا سهرتم.
– متجيش مكان زي ده تاني، الناس دي مش شبهنا.
قالها الحارس وهو يعطيها غطاء إحدى الطاولات لتلفه حول جسدها.
ارتجف جسد “خديجة” وسُرعان ما خرجت شهقاتها بصوت مرتفع.
طالعها الحارس بشفقة وحزن ثم أخذ يلعن هؤلاء الشباب.
لا يصدق أن استهتارهم وصل بهم لهذا الحد.
– خليكي هنا، هدخل أشوفلك حاجه عندي ينفع تلبسيها عشان تعرفي تروحي.
أشار الحارس بيده نحو الغرفة الصغيرة التي يسكن بها لحراسة الڤيلا التي دائمًا يقوم صاحبها بتأجيرها.
تحرك الحارس نحو الغرفة ليبحث لها عن شىء ترتديه.
تعلقت عينيّ “خديجة” به ومازالت دموعها تنهمر فوق خديها.
غادرت “خديجة” الڤيلا وهي تضع يديها فوق أُذنيها لتمنع صوت الموسيقى الصاخب من إختراق روحها المهشمة.
بخطوات شاردة سارت “خديجة” في ذلك الطريق الخالي من المارة لا تشعر بشىء حولها حتى برودة الهواء التي اخترقت عظامها.
إنها حتى هذه اللحظة لا تُصدق ما عاشته من رعب على أيديهم، جعلوها كالأضحوكة حتى “ريناد” شقيقتها تعاونت معهم.
استمرت دموعها بشق طريقها إلى خديها وارتفعت أنفاسها عاليًا بسبب شعورها بالإختناق الشديد.
…..
شعر “خالد” بالإختناق بعدما أنهى مكالمته مع “هيلين”، إنه بالفعل كان على وشك إعلان رغبته -لوالديه- بالزواج منها فهو وجد حياته بأمريكا ولا يرغب بالإستقرار بالوطن لكن موت والده المفاجئ غَيّر جميع خططه.
أخذته أفكاره لذلك اليوم الذي علم فيه بزواج والده.
كان في مؤتمر طبي بدولة الإمارات وبعد إنتهاء المؤتمر قرر الذهاب لوالده.
« فلاش باك ».
منذ ثمانية أشهر.
– إلى أين أنتَ ذاهب “خالد”؟
تساءَلت “هيلين” التي كانت من ضمن الفريق الطبي المبعوث إلى الإمارات ثم بعدها نظرت لساعه معصمها وأردفت:
– مازال الوقت معنا، ما رأيك أن نتجول بالمدينة إلى أن يأتي موعد طائرتنا.
– اعذريني “هيلين”، يجب عليّ رؤية والدي… أنتِ تعلمين أن والدي لديه أعمال هنا وهذه الأيام هو هُنَا في الإمارات.
مطت شفتيها بحنق بعدما علمت أن أمر تجولهم سويًا قد ضاع.
– سأذهب لرؤيته ،هو لا يعلم بتواجدي هُنَا.
قالها “خالد” ثم نظر إليها آسفًا.
– أنتَ بالتأكيد لا تريدني أن آتي معك.
تمتمت بها “هيلين” وقد أصاب ملامحها الحزن عندما رأت تردده.
– لا بأس “خالد” ، أنا أعلم أن الوقت لم يحن بعد لتعرفني على عائلتك.
حاول “خالد” الهرب من تلك المناقشة ، فهو حتى اليوم مازال لم يحدد مشاعره نحو “هيلين”.
هو بالفعل يريد الإقتران بها لأنها تمتلك الكثير من مواصفات شَريكة حياته لكنه يشعر أن الأمر يحتاج لوقت.
– على العكس “هيلين” أن أريد أن تتعرف عليكِ عائلتي لكن أُفضل أن أخبرهم نيتي بالزواج منك أولًا.
“خالد” لم يكن يوماً بالرَجُل الذي يمتلك القدرة على تزييّن الكلام أو إظهار مشاعره.
غادر الفندق الذي يُقام فيه المؤتمر الطبي لكن بمجرد أن أشار لأحد سيارات الأجرة بأن تتوقف كان هاتفه يرن.
ضاقت عيناه وهو ينظر نحو رقم المتصل ثم أجاب بعدما استقلَّ سيارة الأجرة.
– طبعاً أنت أكيد هتكون نسيتني يا دكتور بعد ما سافرت أمريكا.
– أستاذنا العظيم، مش معقول!!
هتف بها “خالد” وقد ابتهجت ملامحه من السعادة بسبب سماع صوت أستاذة الطبيب “إدريس”.
ابتسم وهو يستمع إلى صوت أعز تلامذته.
– منور الإمارات يا “خالد” ، أنا أول ماعرفت بوجودك هنا حاولت أعرف رقم تليفونك.
– حقك عليا أستاذي، أنا عارف إني مقصر بالسؤال عنك لكن هتفضل طول عمري قدوتي واستاذي الغالي.
التمعت عينيّ “إدريس” بالفخر وهو يتذكر حديث بعض الأطباء هُنَا عن مهارة “خالد” كطبيب عظام متنبئين له بمستقبل باهر.
– أنا فخور بيك يا “خالد” أوي، اسمك بقى واصل ليا هنا.
– مش كنت تلميذك يا استاذي ومازالت تلميذك.
لم تفارق الإبتسامة شفتي “إدريس”، فهو فخور بالفعل بـ” خالد” وبمديح الأطباء به.
– “خالد” مُعلمك محتاجك في استشارة طبيه.
وللأسف ضاعت خطته للذهاب لوالده.
انتهى أخيراً الوقت الذي صَبّ فيه “خالد” كل تركيزه مع الطبيب “إدريس” وبعض الأطباء عن حالة أحد المرضى.
نظرات الفخر التي كان يرمقه بها الطبيب “إدريس” كانت تستحق التوثيق لكن “خالد” لم يكن منتبهًا لها لأن من عادته التركيز في عمله.
– عرض عمل بمبلغ مغري في كام ساعه بس، لا يا دكتور أنت خلاص وصلت.
