عشر دقائق قبل الجمعة ج2#حكايات_شروق_خالد
عدى ست شهور.
الحياة في الحارة الشعبية كانت هادية وبسيطة، عكس القصر القزاز اللي كنت محبوسة فيه. أترقيت في شغلي في المحل، وأجّرت أوضة صغيرة فوق سطوح عمارة قديمة. كنت بصحى كل يوم على صوت الأذان والشمس، مش على صوت أجهزة اللاسلكي وخطوات الحراس.
لأول مرة من سنين، بشرتي أتعافت، والهالات السودا اللي تحت عيني اختفت لأن النوم بطل يهرب مني.
في الناحية التانية، القصر كان بيغرق في السكوت.
عمر ما بقاش يطيق يدخل أوضة النوم. الهدوم الماركات اللي سبتهاله، والألماظ اللي مرصوص جوة الخزنة، كانوا زي العفريت اللي بيطاردُه كل ما يفتح الباب. كان يقعد بالساعات في المكتب، بيبص على السلسلة السيلفر والكارت الأسود المرميين على الترابيزة قدامه.
حسن دخل عليه في ليلة، ولقى الأزاز المكسور مالي الأرض، وعمر قاعد في الضلمة وماسك كاسه.
«عمر.. الرجالة تعبوا، وإحنا بنصرف فلوس في السراب. عدى ست شهور، البنت بخرت نفسها.»
عمر رد بصوت مخنوق ومبشوح: «قلبوا البلد حارة حارة يا حسن.. مش هي اللي تتحداني وتمشي كده! دي كانت بتترعب من صوتي!»
حسن هز رأسه بأسف وقالُه: «هي ما كانتش بتترعب منك، هي كانت بتبقّي عليك.. وأنت بأيدك كسرتا. انسي يا عمر.. أصلًا الجمعة فاتت من زمان، مش أنت قلت هتنساها على الجمعة؟»
عمر بصلُه بنظرة كلها غضب وعجز، وما قدرش يرد.
وف ليلة جمعة—بالظبط بعد سنة كاملة من ليلة هروبي—كنت راجعة بيتي بالليل، وشايل كيس فاكهة بسيط جايباه بفلوسي. وأنا بطالع السلم، سمعت خطوات تقيلة وطالعة ورايا.
قلبي دق بسرعة، ومسكت في إيد السلم.
ولما لفيت.. شفته.
عمر.
بس ما كانش عمر الراجل القوي اللي بيكسر الدنيا بكلمة. كان خاسس، وشكلك مجهد، وعينيه فيها صفار وتعب السنين. كان واقف على السلم وبيتنفس بصعوبة.
«أخيرًا..» قالها وهو بيقرب خطوة.
أنا ما رجعتش لورا، وما صرختش. وقفت مكاني وبصيت له بكل برود، وكأني بشوف حد غريب في الشارع.
«أنتِ فاكرة إنك تقدر تتخفي مني؟» صوتُه كان بترعش، «أنا صرفت ملايين عشان ألاقيكي.. رجعتي تعيشي في الفقر ده بعد ما كنتِ ملكة؟ ليه؟ عشان كلمتين قيلتهم في لحظة غضب؟»
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالتله بثبات: «أنت ما صرفتش الملايين دي عشان بتحبني يا عمر.. أنت صرفتها عشان كبرياءك. عشان ما قدرتش تستوعب إن الست اللي قلت عليها عايشة معاك عشان الفلوس، رمتلك ألماظك وفلوسك تحت رجليكي ومشيت بشنطة هدومها القديمة.»
عمر قرب وقال بصوت شبه التوسل: «ارجعي.. القصر فاضي من غيرك. أوعدك هغير كل حاجة.. الكتب، الكارت، كل حاجة باسمك.»
بصيت له في عينيه وقلتله الكلمة اللي قتلت أخر أمل عنده:
«أنا زمان كنت بفتكر إنك راجل كبير ومفيش منك.. بس لما سمعتك الليلة دي، اكتشفت إنك أصغر بكتير من إنك تملى قلبي. الفلوس تعملك عيشة مريحة، بس عمرها ما تعملك أصل. وأنا بنت أصول.. والجدعان ما بيتباعوش بالملايين.»
لفيت ضهري، وفتحت باب أوضتي، ودخلت.
سمعته بيخبط على الباب وبيصوت باسمي، بس بعد دقائق، خطواته بدأت تبعد.. وتبعد.. لحد ما اختفت خالص.
دي كانت أخر مرة أشوفه فيها.
هو رجع لقصره القزاز المليان دهب وألماظ بس فاضي من أي روح، وأنا كملت حياتي في أوضتي البسيطة، بس وأنا حرة ومرفوعة الراس.



