خاتم المليار وهانم البيت ج2 حكايات شروق خالد

مرت سنتين على الليلة دي، بس المشهد في البنتاهوس اتغير تماماً.
الأبواب الإزاز المطلة على النيل بقت تتفتح كل صباح على صوت بطة وهي بتمارس حياتها الجديدة بطلب ودقة من غير ما تغيّر طبعها الهادي أو بساطتها. الخاتم الألماض اللي في صباعها بقا علامة مسجلة في كل اجتماع أو زيارة، بس هي كانت لسة بتفضل تمشي في البيت وتتابع كل صغيرة وكبيرة بعينها الخبيرة اللي ما بتفوتش تفصيلة.
جابر الديب ما بقاش الراجل الصارم اللي الضحكة مقطوعة من وشه.
في ليلة من ليالي الشتا، كان قاعد في مكتبه، والأوراق والمستندات مفرودة قدامه. دخلت بطة ومعاها صينية الشاي المظبوط اللي بتحبه وبتمسكه بإيدها الثابتة.
حطت الصينية على الترابيزة وقربت منه:
“المعلم جابر لسّه بيفكر في صفقات الموانئ ولا الصداع تعبك تاني؟”
رفع جابر عينيه، وبص لها بابتسامة دافية، ومسك إيدها اللي فيها الخاتم وضغط عليها بهدوء:
“الصداع بيختفي أول ما بتدخلي الأوضة يا هانم. أنا بس كنت براجع العقود الجديدة… وبصراحة كدة، محتاج رأيك الجنائي في بنود الشركة الجديدة.”
ضحكت بطة ضحكة خفيفة وقعدت جنبه:
“بقيت تسأل الشغالة القديمة في عقود بملايين؟”
رد جابر بنبرة حادة بس كلها حب واعتزاز:
“أنا بسأل الست الوحيدة اللي فهمت اللعبة قبل ما المافيا كلها تفهمها. أنتِ مش بس هانم البيت ده… أنتِ الأمان الوحيد اللي طلعت بيه من الدنيا دي.”
بصت له بطة، وافتكرت أيام زمان لما كانت واقفة في الممر بتتمنى بس محدش يلاحظ وجودها عشان تسلم من الإهانة…
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إنها أخيرًا في المكان الصح، مع الراجل اللي ما شافش فيها مجرد وش عادي، لكن شاف فيها روح تسوى الدنيا كلها.

حكايات شروق خالد

في اليوم التالي، كانت الشمس طالعة صافية فوق النيل، وبطة قاعدة في الصالة الكبيرة بتتابع تجهيزات اجتماع مهم هيحضره أكبر كبار السوق ورجال الأعمال اللي كانوا زمان بيتجنبوا حتى ذكر اسم جابر الديب أو بيبصوا للناس اللي شغالين عنده بفوقية.
المرة دي، الدنيا كانت مختلفة تماماً.
دخل جابر الصالة وهو لابس بدلة كحلي أنيقة، وبص لبطة اللي كانت لابسة فستان بسيط وراقي باللون الوردي الهادي، ومزينة بشرطة رقيقة وبسيطة تعكس طبعها، وحاطة الخاتم الألماض في إيدها.
أول ما الضيوف بدأوا يوصلوا، كان جابر بيستقبلهم وإيده في إيد بطة.
واحد من أكبر تجار الشحن في السوق، راجل كبير في السن معروف بتكبره، قرب يسلم على جابر وبص لبطة بنظرة فيها تساءل واستخفاف مستخبي:
“أهلاً يا جابر باشا… مش تعرفنا بالمدام؟ نسمع إنها كانت اختيار مفاجئ للسوق كله.”
جابر ما استناش ثانية. مسك إيد بطة ورفعها بثبات قدام الكل، وقال بنبرة هادية بس ترعب أي حد يفكر يتخطى حدوده:
“دي فاطمة هانم الديب… الست اللي تدير بيتي وشغلي، واللي كلمة منها تقوّم السوق أو تقعده. واللي ما يعرفش قدرها، ملوش مكان على سفريتي ولا في شغلي.”
الراجل وشه اتغير وأحمر من الإحراج، وهز رأسه بسرعة باحترام:
“عفواً يا جابر باشا… الشرف لينا طبعاً يا فاطمة هانم.”
بطة ابتسمت بثقة وهدوء، وقالت بنبرة ذكية وموزونة:
“الشرف لينا يا فندم… وبالمناسبة، بند الشحن البحري اللي في العقد الجديد محتاج مراجعة في نسبة التأمين، عشان الورق يكمل بنظافة ومحدش يتزنق في الحسابات.”
الراجل اتصدم من دقتها ومعرفتها بالتفاصيل، وجابر بص لها بنظرة فخر مشدودة كلها عشق واعتزاز.
بعد ما الاجتماع خلص والضيوف مشيوا، البيت رجع لهدوءه المألوف.
وقف جابر وبطة عند الشباك الكبير المطل على النيل، والهوا الخفيف بيحرك الستاير.
قرب جابر منها وحط إيده على كتفها ببطء:
“تعرفي يا بطة… من يوم ما دخلتي البيت ده وأنتِ مخفية، كنت فاكر إني أنا اللي بحميكي من الدنيا. بس اكتشفت إنك أنتِ اللي حميتيني من نفسي ومن كل الخونة اللي كانوا حوليّ.”
بطة بصت له وعينيها مليانة دفا، ولمست إيده اللي مسكاها:
“أنا ما عملتش غير اللي قلبي قالي عليه يا جابر… أنت شفت فيّ بني آدمة لما الكل كان شايفني مجرد خيال بيمسح التراب. وأنا ما نسيتش ده أبداً.”
ابتسم جابر ونزل على مستوى عينها وقال بهمس:
“ومن النهاردة، مفيش خيال ولا حيطان طوب أحمر تاني… من النهاردة أنتِ أصل الحكاية.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *