عمري

بصّلي كريم البصّة اللي ما يعرفهاش غير اللي متعود دايمًا يبقى المسيطر، وفجأة يكتشف إن الأرض اللي واقف عليها مش بتاعته.
ما قولتش حاجة.
ما احتجتش.
الصمت في اللحظة دي كان أقوى من أي كلام.
مدير المكان هزّ راسه باحترام، وأشار للأمن، وكل حاجة اتحركت بسرعة محسوبة… من غير دوشة، كإن المكان نفسه عارف إزاي يحمي حدوده.
قعدت بهدوء، وأنا شايفة الكراسي بتتشال من على الترابيزة اللي جنبنا، والهمس يرجع صدور أصحابه. ما بصّتش.
رفعت كوباية الميه، خدت رشفة صغيرة، ورجّعتها مكانها بالظبط.
الفستان اللي اتبقّع ما بقاش فارق.
قماشة.
اللي كان فارق إني رجّعت المساحة اللي حاولوا ياخدوها مني قدّام الناس.
قرب معتز تاني، صوته واطي واحترافي.
اعتذر عن “الإزعاج”، وسألني أحب أغيّر الترابيزة ولا نكمّل الليلة في الجناح الخاص.
ابتسمت ابتسامة قصيرة وقلت:
— “الجناح.”
كان فاهم أنا قصدي على أنهي جناح… من غير شرح.
كريم وقف متردد. حاول يتكلم، بس الكلام خانُه.
دخل معانا الأسانسير ساكت، خطواته تقيلة على غير عادته.
في المراية، وشه باين شاحب ومتلخبط… كإنه شايف نفسه لأول مرة من غير القناع اللي لابسه دايمًا.
ما بصّتش له. كنت باصّة للأرقام وهي بتطلع.
في الجناح، اتحط قدّامي فستان بسيط وشيك، على مزاجي بالظبط.
دخلت الغرفة اللي جنب الصالة، بدّلت هدومي، وغسلت إيديا على مهلي.
لما خرجت، كان واقف عند الشباك، ضهره مشدود.
قلت بهدوء:
— “مش هنكمّل العشا.”
ما كانتش تهمة…
كان قرار.
قعدنا قصاد بعض.
أخيرًا اتكلم، متلخبط، بيحاول يرجّع نبرة القيادة اللي متعود عليها.
أسئلة ورا بعض:
إزاي؟
من إمتى؟
وليه ما قولتيليش؟
سيبته يخلص.
وبعدين سألته سؤال واحد بس:
— “هو لو كنت قلتلك… كان أي حاجة هتتغير؟”
سكت.
شرحت له بهدوء، من غير عصبية، إن الاستثمارات دي باسمي، وإنها اتبنت من سنين، وإنّي اخترت أسيب الإدارة اليومية لناس بثق فيهم.
ما كانش سر… بس ما كانش موضوع.
القوة الحقيقية مش بتعلن عن نفسها.
تاني يوم الصبح، طلبت ملف كامل من الشؤون القانونية.
ما كانش انتقام… كان ترتيب.
والترتيب بيحفظ الكرامة أكتر من الصريخ.
راجعت بنود، وقّعت على بنود، وطلبت اجتماع مختصر.
كل حاجة كانت واضحة ونضيفة… من غير
دراما.
سيبت المنتجع الضهر.
في الممرات، الموظفين سلّموا عليّا باحترام ساكت.
ما كنتش محتاجة تصفيق.
عند البوابة، بصّيت للمكان لحظة.
المكان اللي حاول يبقى مسرح لإهانتي… واتحوّل درس.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وركبت العربية.
في الطريق، فكرت قد إيه ستات كتير بيتطلب منهم يصغّروا نفسهم علشان غيرهم يحس بالراحة.
وقد إيه الهدوء بيتفهم غلط ويتحسب ضعف.
الليلة دي ما عليتش صوتي، ما أهنتش حد، وما بررتش نفسي.
حطّيت حدود… ولما الحدود بتتحط بوضوح، كل واحد بيعرف مكانه.
وصلت المدينة مع الغروب.
كان عندي شغل تاني يوم، واجتماعات، وحياة كاملة مش واقفة على عشا واحد.
قفلت الموبايل، وسبت اليوم يخلص.
مش كل القصص محتاجة نهاية مدوية.
أحيانًا
يكفي إن أبطالها يعرفوا…
مين يملك المكان…
ومين يملك نفسه.