حنية الجبل#حكايات_شروق_خالد

ليلى اتعلمت الدرس بوجع، وعرفت إن الست اللي تقول لراجل “لأ” بتدفع تمنها غالي قوي.
وعشان كده، لما همست وقالت: “بيوجعني”، وحست بجسم جوزها الضخم بيشد جنبها، الرعب قفش في زورها وقطع نفسها. وفي الضلمة، فك جابر المليان ندوب اتشد واتعصب.
ليلى كانت فاكرة إنها عارفة إيه اللي هيحصل بعد كده، أو على الأقل… ده اللي ظنته.
تحت فروة الغنم التقيلة، حطت إيدها الاتنين على صدر جابر العريض. كل عضلة تحت صوابعها كانت ناشفة زي الحديد، وحجم جسمه المرعب ده فكرها قد إيه هي غلبانة وما في إيدها حيلة.
بره، كانت عاصفة التلج في شباط بتصرخ في الجبال. التلج بيخبط في شقوق الكوخ الخشبي المقطوع، والشبابيك بتترزع بعنف، والريح غطت طريق التلاتاشر ميل لحد أقرب أثر لبني آدم.
ما حدش يقدر يوصلهم هناك… وما حدش هيسمع صريخ ليلى.
وجنبها كان نايم الغريب اللي دفع تمن تذكرة القطر، وجوزها قدام الشهود، وكتبها على اسمه، وطلع بيها لغريق البرية دي اللي الجبال بتبتلع فيها أي صوت.
همست ليلى: “أرجوك… ممكن نحاول تاني بالليل.”
غمضت عينيها واستنت غضبه.
أصل من سنين، ليلى اتعلمت درس مسبك: الكلمة الطيبة والجدعنة مع الرجالة ليها تمن… والرجالة بياخدوا تمنهم مهما طال الزمن.
من أربع أسابيع بس، كانت بتكح تراب الحرير في منديل مسحوظ جوه مصنع نسيج في المحلة. وهي عندها خمس وعشرين سنة، كانت بتعرف تصلح سيور المكن المكسورة، وتظبط دفاتر الشغل، وترفو الكم المقطع بمهارة تخلي الخياطة تختفي خالص، وتعيش على شفتات أربع عشرة ساعة بعيش ناشف وشوربة مية.
الشغل الصعب عمره ما خوّفها…
اللي كان مرعبها صح هو المعلم بكر.
مشرف المصنع ده كان بيظهر أول ما البتات التانيين يمشوا. يقف وراها قوي وهي شغال، ويسيب إيده تلمس وسطها بصايعة، وصوته يوطى لنبرة تقشعر الجلد.
وفي ليلة، زنقها بين مكنة الغزل الهدارة والحيطة الطوب.
قرب منها لغاية ما شم ريحة سجايره وقالها: “الست اللي عايزة تاكل عيش وتحافظ على شغلها… لازم تتعلم تبطّل تناكة وتبقى طيّعة.”
فهمت التهديد كويس. أصل فيه اتنين بنات رفضوه الشتا اللي فات، وفي أقل من شهر اختفوا من المصنع، وأساميهم اتمسحت من الدفاتر كأنهم ما دخلوش الشغل أصلاً.
ليلى ما كانتش تقدر تقعد من غير شغل. بس كل يوم الصبح، بكر كان بيبصلها بقلة أدب أكتر، وكل يوم بالليل كانت بترجع البنسيون وهي حاسة بغثيان ومترعبة إن صبره يخلص.
بعد تلات ليالي، لقت إعلان جواز ملزوق جنب دفاية البنسيون:
مزارع محترم في الجبال طالب زوجة شغيلة تستحمل عيشة الحتة المقطوعة دي، وتمن السفر مدفوع، والأصل والتربية أهم من الشكل.
سمسار الجوازات، عم صابر، ورّاها الجواب بنفسه. جابر عنده سبع وثلاثين سنة، عنده بهايم وكوخ خشب ومية وأربعين فدان في الجبل. لا بيشرب ولا بيقامر.
وفي جملة لزقت في مخ ليلى وما طلعتش:
“مش هطلب صورة. الصور بتجمل وبتغش… لكن شتا الجبال ما بيرحمش.”
وبعدين ورّاها صورة جابر.
الراجل اللي بيبص من الصورة الباهتة كان ج\ثة وجسم. مناخيره مكسورة، وذقنه خشنة وكثيفة، وندبة باهتة قاطعة خده. ما فيش فيه نقطة من الشياكة والملاوعة اللي كرهتها… مجرد ملامح ناشفة ومترقبة، وعينين تعبانة بوجع.
سألته: “هو طالب مني إيه؟”
رد: “واجبات الست العادية لجوّزها.”
بطنها اتكربست.
كانت عارفة الكلام ده معناه إيه. بس فكرة إنها تقعد جنب بكر كانت مرعبة أكتر مليون مرة من إنها تتجوز واحد غريب في الجبال.
فمضت.
بعد اتناشر يوم، نزلت من القطر تحت سماء مليانة ثلج، ولقت جابر مستنيها لوحده في المحطة المقطوعة.
كان أضخم بكتير من صورته. كتافه كانت سادة باب المحطة، ولما قرب، خيال جسمه غطاها خالص.
بس ما مسكش إيدها بقلة أدب ولا بص عليها كأنه بيشتري بهيمة.
كل اللي عمله إنه قلع طاقيته.
— “الآنسة ليلى؟”
— “أيوه.”
— “أنا جابر.”
اتجوزوا العصرية دي جوه مخزن البقالة، واقفين بين شكاير الدقيق وبراميل اللحمة المملحة. البياع ومراته كانوا الشهود والتلج بيتجمع على الشباك الصغير.
ولما جابر لبسها دبلة فضة واسعة شوية على صباعها، هي جهزت نفسها عشان يبوسها.
بس هو مد إيده في جيبه، وطلع حتة جبنة وبسكوتة باردة، وناولهم لها:
“جعانة؟”
ليلى أكلت الفتافيت كلها.
على الليل، كانت شجر الصنوبر الضخم بلع أي أثر للبشر. جابر سايق العربية وطالع بيها فوق للجبل لحد ما وصلوا لكوخ خشب حواليه تلج غريق وشجر أسود طالع للسما.
جوه، ولع النار، وسخن مية، وورّاها مكان الدقيق واللحمة المملحة، وحط بطاطين زيادة جنب السرير.
وما لمسهاش ولا قرب منها بقلة أدب.
وده بالذات كان مخوفها أكتر!
كانت مستنية صبره يخلص. مستنية اللحظة اللي يطلب فيها تمن تذكرة القطر، والدبلة، والأكل اللي حطه في إيدها.
والليلة دي، كانت متأكدة إن اللحظة دي جت خلاص.
همست تاني: “بيوجعني.”
جابر اتسمر مكانه. فكه اتشد، وإيديه الكبار اتعصروا وعملوا قبضة ناشفة على الفراش. السرير اتهز تحت وزنه، وضربات قلب ليلى كانت عالية لحد ما بقت مش سامعة صوت العاصفة.
قالت بسرعة: “أرجوك… ممكن نحاول تاني بالليل، بوعدك.”
لثانية رعبة، ما حدش فيهم اتحرك.
وبعدين جابر اتحرك…
مش ناحيتها…
ده قام بعيد عنها!
رمى الفرو، ونزل من السرير، ولبس بنطلونه. ومن غير ما ينطق حرف، عدى الكوخ المتلج وقعد على ركبه جنب الدفاية المطفية.
ليلى كانت بتبصله وهي مش فاهمة ومرعوبة ورجليها بتترعش.
رمى خشبتين في النار، فالشرار طلع في المدخنة وملى براد مية وحطه على النار.
— “جابر؟”
ما ردش عليها في ساعتها.
لما المية دفيت، صبها في طشت، وخد حتة قماشة نظيفة من على الرف، ورجع للسرير. ونزل الراجل الجبل الضخم ده على ركبه جنبها.
قال بصوت واطي: “أنا آسف.”
ليلى فضلت باصة له وهي مذهولة.
ما فيش في وشّه غضب. ولا اتهام. بس فيه خجل… وشيء تاني أعمق عامل زي الحزن والوجع.
كمل كلامه وقال: “كان المفروض أوقف من بدري. أنتِ مش ملزمة تحاولي تاني الليلة دي. ولا بكرة. أنتِ مش ملزمة بأي حاجة تخوفك.”
بؤها اتفتح ومفيش كلام طلع.
مش ده طبع الرجالة اللي عرفتهم! مش بكر، ولا الرجالة اللي كانوا بيزنقوا البنات في المصنع، ولا أي راجل قابلته ليلى في حياتها.
جابر وطى عينه وقال:
“أنا وعدت نفسي إني عمر ما هخوف ست تاني في حياتي.”
ست تاني…
الكلام نزل على ليلى زي لطشة برد في وشها.
همست: “مين؟”
وش جابر اتغير. وعينه راحت ناحية الصندوق الخشب المقفول تحت الشباك… الحاجة الوحيدة في الكوخ اللي ما سمحش لليلى تلمسها أبدًا.
“فيه حاجة عن الجوازة دي لازم تعرفيها.”
قوم ببطء ومشى ناحية الصندوق. ومن تحت قميصه، طلع مفتاح حديد صغير مربوط في خيط جلد.
ليلى قعدت وشدت الفرو عليها.
المفتاح دخل في القفل وعمل صوت تكـة خفيفة.
جابر تردد، وحط إيده على الغطا كأن اللي جوه الصندوق ده هيهد الأمان البسيط اللي بينهم.
وبعدين فتحه.
ومد إيده في الضلمة، وطلع حاجة ملفوفة في قماشة قديمة باهتة. إيديه الكبار كانت بتترعش وهو شايلها ومقربها من ضوء النار.
ولما القماشة اتزحلطت واتفتحت… نفس ليلى اقطع في صدرها.
تحت ضوء النار الضعيف، ظهرت حاجة رقيقة جداً وسط الخشونة دي كلها: فستان زفاف صغير ومصفر من الزمن، وعلبه خشب صغيرة منقوشة بحرفية عالية، ومعاهم شريط حرير أزرق دابل ودفتر صغير جلده مهترئ.
جابر سكت لحظة كأن روحه مسحوبة، وعينه كانت باصة للحاجة دي بوجع سنين متخزنة.
قالت ليلى بصوت هادي وقلبها بيدق بجنون: “إيه ده يا جابر؟”
بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مكتوم وخشن: “دي مراتي الأولانية… نورا.”
ليلى فتحت عينها باستغراب: “مراتك؟”
جابر هز راسه ببطء، ومسك القماشة برقة شديدة تناقض خالص حجم إيديه الخشنة والكبيرة: “كانت أصغر منك، وأهزل بكتير. لما جبتها هنا للكوخ ده، كانت خايفة مني زي ما أنتِ خايفة دلوقتي بالظبط. كنت فاكر إن الأكل والستر والبيت الدافئ كفاية عشان تخليها ترتاح لي. بس كل ما كنت بقرب منها، كنت بشوف الرعب في عينيها… كنت جاهل، ما كنتش فاهم إن جسمي الضخم ده وصوتي العالي لوحدهم سجن بيخنقها.”
سكت شوية، والوجع كان باين في كل خط في وشّه المليان ندوب: “وفي ليلة تزلزل الحيطان زي دي، عاصفة تخلّي الحجر ينطق، خافت وقالت لي نفس الكلمة اللي أنتِ قلتيها… بس أنا ما سمعتهاش ساعتها بالقدر الكفاية، كملت… وتاني يوم، لقتها هربت في وسط التلج والريح. لما طلعت دورت عليها ولقيتها، كانت البرودة مجمّدة جسمها… راحت مني للأبد.”
بص ليلى بعينين مليانة دموع محبوسة وقال بوجع قلب: “ومن اليوم ده، خدت عهد على نفسي قدام ربنا، إني عمر ما هخوف ست تاني، ولا هطلب منها حاجة وهي مرعوبة مني… أمانك عندي أغلى عندي من أي حاجة في الدنيا دي كلها، يا ليلى.”
ليلى فضلت باصة له مذهولة، والكلمات دخلت قلبها زي الدفا بعد عز البرد والثلج. كل الشك والخوف اللي جوهها ساح فجأة، وبقت سامعة صوت قلب الراجل ده أصدق بكتير من عاصفة التلج اللي بتخبط في بره الكوخ.
مدت إيدها الباردة بحذر، ولمست إيده الخشنة الكبيرة اللي كانت بتترعش، وقالت بصوت هادي يملاه الأمان لأول مرة: “أنا مش خايفة منك يا جابر… أنا مطمنة معاك.”
جابر اتنهد تنهيدة طويلة كأن جبل اتشال من فوق كتافه، وباس إيدها بحنان غريب، ورجع غطاها بالفروة الدافية، وفضل صاحي طول الليل جنب الدفاية يحرس نومها بعين ما تنامش، لحد ما صبح الصباح وهدأت العاصفة على أبيض التلج النظيف.
#حكايات_شروق_خالدتاني يوم الصبح، الشمس طلعت فوق الجبال، ونورها الأبيض انعكس على التلج اللي غطى الدنيا بره، وسكتت عاصفة امبارح كأن ما كانش فيه حاجة.
ليلى فتحت عينيها ببطء، لقت الدفاية لسه والعة، وجابر قاعد على كرسي خشب قريب منها، ووشه بيبان عليه التعب بس عيونه فيها راحة أول مرة تشوفها. أول ما شافها فتحت عينيها، ابتسم بحب وقال بصوت دافئ:
— صباح الخير يا ليلى… مرتاحة؟
ردت وهي بتعدل نفسها والابتسامة مالية وشها:
— صباح النور يا جابر… أحسن بكتير، هو أنت فضلت صاحي طول الليل تحرسني؟
— ما هانش عليا أنام وأسيبك… أمانك عندي بالدنيا وما فيها.
الأيام بدأت تعدي واحدة ورا واحدة في الكوخ وسط الجبال. الخوف القديم اللي كان ساكن قلب ليلى من أيام المصنع ومن بكر ساح وراح لحاله، وما بقاش له أي أثر. جابر ما بقاش مجرد جوز كتب الكتاب وسافر بيها، بقى سندها وحبيبها وصاحبها اللي بتستند عليه وهي مطمنة تماماً.
بقت ليلى تتحرك في الكوخ بحرية، تطبخ، وتظبط البيت، وتصلح هدومه بإيديها اللي متعودة على الشغل، وجابر كان بيساعدها في كل حاجة وهو عينه بتبص لها بحب وخوف عليها من هوا الطير. وفي الليالي الهادية، كانوا بيقعدوا قدام النار، يحكوا لبعض عن أيام زمان، عن المحلة وزحمة الشغل، وعن حياة الجبال وسكونها.
وبعد شهور، لما الجو بدأ يتحسن والتلج يدوب والربيع يفتح في الجبال، خرجت ليلى يوم قدام باب الكوخ، وخدت نفس عميق من هوا الجبل النضيف العليل. حسّت بإيدين جابر الكبيرة الدافية بتحضنها من ورا بحنان، وهو باصص معاها للمدى الواسع والأرض اللي أخيراً بقت بيت حقيقي ليهم هما الاتنين.
بصت له بحب وقالت بصوت هادي وقلبها مليان رضا:
— كنت مرعوبة وخايفة أوي لما جيت هنا يا جابر… بس دلوقتي مستحيل أكون في أي مكان تاني غير هنا معاك.
شد على حضنها وقال بصوت دافئ كله يقين:
— وأنا عمري ما عرفت طعم البيت ولا الدفا إلا يوم ما دخلتِ الكوخ ده يا ليلى، ومستحيل أخليكِ تخافي تاني طول ما أنا عايش.
الأيام جابت بعضها، والسنة جرت ورا سنة، والجبال اللي كانت في الأول وحشة وبتقبض القلب، بقت بالنسبة لهم الجنة اللي ملاياهم دفا وأمان. ليلى ما بقاش غريب عنها مكان، وبقت شاطرة في عيشة الجبل، تزرع، وتخبز، وتملى الكوخ ضحك وجمال.
وكل ما يرجع الشتا وتجيب العاصفة سيرتها، وتخبط في الشبابيك، ما كانش فيه نقطة خوف واحدة بتدخل قلوبهم؛ بالعكس، صوت الهوا والتلج بقى نغمة حلوة بتفكرهم بأول ليلة جمعتهم، وأزاي الرحمة والحب الصادق هما اللي بيقدروا يمسحوا أي وجع قديم.
وفي ليلة هادية والنجوم مالية السما، وهما قاعدين جنب الدفاية اللي نارها منورة المكان، بص لها جابر بعيون مليانة عشق وقال بهمس دافئ: “عارفة يا ليلى؟ أنا كنت مفكر إن الجبال دي مكان عشان أعيش فيه لوحدي وأنسى العالم، لحد ما ربنا بعت لي اللي نورت لي ضلمتي.”
رفعت عينيها فيه وابتسمت بحب حقيقي، وقالت وهي بتسند راسها على كتفه العريض: “وأنا كنت فاكرة إن الطيبة والجدعنة تمنهم الوجع، لحد ما قابلت الراجل اللي علمني إن فيه رجالة بجد بتصون وتخاف على الست زي روحها.”
وفضلوا قاعدين، ساكتين وسامعين صوت دقات قلوبهم اللي بقت نبض واحد، في بيت دافي حقيقي، ما يقدرش أي تلج ولا أي عاصفة تفرقهم أبدًا.
#حكايات_شروق_خالدبعد سنتين، الكوخ اللي كان في يوم من الأيام ماليان خوف وصمت وقبضة قلب، بقى مليان صوت ضحك وطفل صغير بيجري في أركانه. العوض الجميل اللي ربنا كتبه لليلى وجابر بعد كل السنين دي، عشان يمسح أي ذكريات قديمة ويزرع مكانها الحياة.
في يوم ربيعي جميل، والتلج داب والأرض لبست الأخضر، كانت ليلى قاعدة على دكة خشب قدام باب الكوخ، وشايلة في حضنها ابنهم الصغير اللي سموه “يونس”، عشان يكون علامة إن ليل الضلمة خلاص راح وطلع وراه فجر جديد ونور يملى الدنيا.
جابر قرب منهم، وخطواته الواسعة بتقرب على مهلها، وعيونه بتلمع بدموع الفرح وهو شايف مرته وابنه قاعدين في حضن دفا الشمس والبيئة اللي بقت واحتهم.
قعد جنبهم على الدكة، ومد إيده الكبيرة الخشنة بحنان وداعب وش الصغير، وبص لليلى وقال بصوت مليان امتنان ودموع محبوسة في عيونه: “تصدقي يا ليلى؟ كنت مفكر الحكاية خلصت من زمان وقفلت بيبانها، بس طلعت لسه بتبتدي بجد، ومنورة بينا كلنا.”
بصت له ليلى وهي بتبتسم وبتنزل عيونها بحب على ابنهم، وقالت بصوت هادي يملاه الرضا: “الحكاية يا جابر ما كانتش ناقصة غيرنا… وربنا كملها بأجمل عوض ينسينا التعب كله.”
شد على إيدها، وفضلت عيونهم الاتنين بتبص للبعيد، للمدى الواسع والجبال اللي بقت شاهدة على حب حقيقي ما يموتش، وعمر جديد اتبنى من الصبر والرحمة، وبقى الكوخ ده هو أدفى مكان على وجه الأرض، ما تقدرش أي ريح ولا أي عاصفة تهزّه أبدًا.
سنين العمر كانت بتجري وهي بتضحك لهم، ويونس كان بيخطي خطواته الأولى جوه الكوخ، وصوته الصغير وضحكته بقوا هما النغمة الأساسية اللي بتملى البيت كله حياة وبهجة.
وفي ليلة شتا تانية، والهوا بره بيصفر والتلج بيخبط في الشباك بنفس القوة اللي حصلت ليلة ما جارت العاصفة أول مرة، بس الفرق كان كبير أوي جوه قلبهم. ما بقاش فيه نقطة خوف ولا رعب واحدة؛ بالعكس، ليلى كانت قاعد جنب الدفاية، وفي حضنها يونس اللي كمل تلات سنين وعيونه شبه أبوه بالضبط، وجابر قاعد قدامهم بيصلح لعبة خشب عملها بإيديه عشان ابنه الصغير يفرح بيها.
بصت ليلى لجابر وضحكت بخفة وهي شايفة الشقاوة في عيون يونس وهو بيلعب، وقالت بصوت دافئ يملى المكان أمان: “فكرك يا جابر العاصفة دي بتفكرك بأول ليلة لينا هنا؟”
سكت جابر ثواني، ورفع عيونه اللي مليانة رضا وحب، وبص للست اللي غيرت حياته ولابنه اللي ملأ عليه دنيته، وقال بابتسامة واسعة من قلبه: “أنا عمري ما نسيتها يا ليلى، ولولا العاصفة دي، ولولا إنك قلتيلي ‘بيوجعني’ في الليلة دي، ما كنتش عرفت أبداً إن ربنا كان شايل لي أحسن عوض في الدنيا كلها.”
قامت ليلى وقربت منه، وحطت إيدها على كتفه بحنان، وبصت للثلوج اللي بره وهي مطمنة تماماً، وعارفة إن أي برودة في الدنيا بتذوب طالما فيه قلبين دافيين وبيحبوا بصدق. ويونس فضل يضحك ويجري بينهم، والكوخ وبقى واحة سلام دافية وسط جبال الدنيا كلها، وما بقاش فيه أي مكان للخوف تاني أبداً.
#حكايات_شروق_خالد

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *