الابتسامة الأخيرة#حكايات_شروق_خالد

لما اخدت الضربة العشرين، نور بطلت تعيط أو ترجو حد.
مش الوجع هو اللي كسر حاجة جواها، دي كانت ابتسامة جوزها.
وهي قاعدة على الأرض السقعة في فيلتهم اللي في التجمع وهي حاطة إيدها على كتفها وساكتة، كانت باصة لكريم وهو بياخد نفسه بصعوبة قدامها. وعلى بعد خطوات عند البلكونة، شروق كانت لسه ماسكة كاس العصير وواقفة كأنها بتتفرج على مسرحية.
— يمكن تفكر كويس قبل ما تفتح بقها وتكلمني بالطريقة دي، دي قالت وهي بتضحك.
كريم ضحك ضحكة خفيفة.
نور نزلت عيونها في الأرض.
طول 8 سنين، كانت بتدافع عن الراجل ده قدام كل الناس.
قدام صحابه.
قدام أخوها.
وقبل كل دول، قدام أبوها، الحاج محمود العدوي.
كريم كان فاكر إن الحاج محمود مجرد رجل أعمال قديم عايش بهدوء بين القاهرة وجنيف. مكنش يعرف أصلًا إن مجموعة “العدوي للاستثمار” بتتحكم في مليارات في العقارات والبنية التحتية وتمويل الشركات الكبيرة.
والأهم إنه مكنش عارف إن شركته الخاصة، “مجموعة كريم للإنشاءات”، مكنتش تخصه أصلاً من 3 سنين.
لما شركته قربت تفلس، نور فضلت ترجو أبوها في السر لحد ما اشترى ديونه كلها عن طريق شركات ومحافظ وهمية.
— أنا عايزه ينجح بمجهوده لوحده، ده كان كلامها لأبوها وقتها.
أبوها رد عليها ساعتها وقالها:
— تمام، بس متنسيش أبداً: الرجالة بتبان على حقيقتها لما يفتكروا إنهم خلاص استغنوا عن الكل ومش محتاجين حد.
نور وقتها شافت إن كلام أبوها قاسي ومش في محله.
لحد الليلة دي.
كريم رمى الحزام على الكنبة.
— قومي غيري هدومك، وجهزي أوضة الضيوف.
نور رفعت راسها ببطء.
— ليه؟
شروق ابتسمت بمياعة:
— عشان أنا هقعد هنا شوية.
البيت كله سكت سكوت رهيب.
— في البيت ده؟ سألته نور وهي مش مصدقة.
كريم هز كتفه ببرود:
— بطلي كلمة “البيت ده”، كل حاجة هنا أنا دافع حقها بتعبي وشغلي.
المرة دي نور كادت تضحك بصوت عالي.
قامت ساندة على الترابيزة، وطلعت تليفونها وجابت رقم كانت حلفت إنها عمرها ما هتستخدمه في يوم من الأيام لحاجة زي دي.
كريم رفع عينه للسقف بملل:
— بتكلمي مين؟ المحامي بتاعك؟
— لأ.
أبوها رد عليها في ثواني.
— نور؟
بصت لجوزها وقالت بصوت هادئ:
— يا بابا… كنت صح.
سكت شوية.
وبعدين صوت أبوها اتغير وبقى جاد جداً:
— عمل فيكي إيه؟
نور حست إن ريقها نشف:
— ادعم وقوع كل حاجة كنت أنا بحميها وبمنعها تقع لحد دلوقتي.
كريم ضحك بسخرية.
وشروق ضحكت معاه.
أبوها سألها سؤال واحد بس:
— إنتي في أمان؟
— أيوة.
— طيب، اديني 5 دقايق بالظبط.
قفلت السكة.
وبعد 4 دقايق بالعدل، تليفون كريم رن.
وبعدها بثواني رن تاني.
وبعدها للمرة التالتة.
مدير الحسابات بتاعه.
البنك.
أكبر عميل عنده.
المحامي بتاعه.
كريم رد أخيرًا وهو متعصب:
— يعني إيه الفلوس دي كلها مطلوبة فوراً ودلوقتي؟!
نور فضلت قاعدة مكانها متحركتش.
تليفونه جاب إشعار ورا إشعار.
عقود بتتلغي.
تفتيش ومرور مفاجئ.
تجميد كل القروض.
كريم لف راسه ببطء ناحية مراته ووشه بقى أصفر:
— إنتي عملتي إيه؟!
نور بصتله وهي ثابتة مكانها تماماً:
— أنا؟ مفيش.
وسكتت ثواني وكملت:
— لسه.
علشان اللي أبوها سحبه ده مكنش إلا شبكة الأمان، ومن غير الشبكة دي، كل البلاوي والمصايب اللي كريم كان مخبيها بقاله سنتين هتطلع على الوش وتغرّقه.
#حكايات_شروق_خالدالكلام خلص في الليلة دي على صياح كريم وصدمة شروق اللي بدأت تحس إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد خناقة جوز ومراته. نور سابتهم ودخلت أوضتها بهدوء تام، قفلت الباب وراها، ونامت نومة عميقة لأول مرة من سنين وهي حاسة إن الجبل اللي كان على كتافها اتشال خلاص.
تاني يوم الصبح، كريم صحي على كابوس حقيقي. تليفونه مبطلش رنين طول الليل، ورسايل البنوك والإنذارات القانونية كانت مالية الشاشة. قام من السرير بخطوات مرعوبة وطلع الصالة، وهناك كانت الصدمة الكبيرة مستنياه على الترابيزة.
على ترابيزة الصالة، مكنش فيه فطار، كان محطوط ظرفين رسميين من مكتب محاماة كبير، ومعاهم ورق طلاق رسمي، ومستندات بتكشف تحويلات مالية مشبوهة وحركات بنكية سرية كانت خافية جرايم تانية كتيرة جوه الشركة.
كريم وقف قدام الترابيزة ووشه أبيض زي الكفن، بيحاول يستوعب إزاي إمبراطوريته اللي كان فاكر إنه بناها لوحده انهارت في ليلة وضهرها. شروق طلعت من الأوضة وهي مرعوبة وشافت المنظر، وبصتله وقالت بصوت مكسور:
— إيه ده يا كريم؟ إحنا اتقبض علينا ولا إيه؟
قبل ما كريم ينطق بحرف واحد، سمعوا صوت دقات قوية وعنيفة على باب الفلا الرئيسي. دقات ناس مش بتستنى حد يفتح بمزاج.
كريم فتح الباب وايده بتترعش، ولقى في وشّه ظابط مباحث ومعاه أمناء شرطة ومعاهم إذن رسمي بالتفتيش والقبض.
— كريم ممدوح؟ سأل الظابط بصوت حازم مفيش فيه هزار.
كريم هز راسه بخوف:
— أيوة… أنا، في إيه؟
— متهم بقضايا تبييض أموال، اختلاس من جهات حكومية، وتوقيع عقود وهمية… اتفضل معانا.
في اللحظة دي، شروق صرخت وجريت تستخبى جوه، ونور نزلت على السلم بهدوء وهي لابسة ومستعدة تخرج من البيت ده للأبد. عدت جنب كريم وهو محطوط في الكلابشات، بصتله نظرة أخيرة هادية وقالت بهمس:
— قلت لك زمان… الرجالة بتبان على حقيقتها لما تفتكر إنها خلاص مش محتاجة حد. مع السلامة يا كريم.
#حكايات_شروق_خالدأول ما الكلبشات اتحطت في إيد كريم، شروق جريت على أوضتها بسرعة البرق عشان تلم هدومها وتخلع بجلدها قبل ما البوليس يحقق معاها هي كمان. ولما شافت إن الفيلا اتبهدلت وإن الفلوس والعز اللي كانت طمعانة فيه طار في الهوا، فتحت الباب وطلعت تجري في الشارع وهي مرعوبة، وسبته لوحده يواجه مصيره المظلم.
نور ركبت العربية اللي كانت مستنياها بره، وكان السواق تبع شركة أبوها. راحت على بيت والدها، وأول ما دخلت، الحاج محمود استقبلها بحضن دافئ ومحتوي، وقالها وهو بيمسد على شعرها بحنية:
— حمد لله على سلامتك يا بنتي… النهاردة رجعتي لنورك الحقيقي، وخلصتي من كابوس استمر سنين.
في النيابة، كريم كان بيواجه كابوس حقيقي. التحقيقات أثبتت إن شركته كانت مغرقة في قضايا نصب واختلاس وتبييض أموال، وإن كل التسهيلات البنكية والتغطية القانونية اللي كانت مخلية شركته واقفة على رجلها طوال السنين اللي فاتت، كانت بتتم بفضل شبكة الأمان والفلوس اللي أبو نور كان مسخرها في السر بناءً على طلب نور نفسها، عشان تدي جوزها فرصة يثبت نفسه بالحلال. بس لما الجحود والخيانة وصلوا لحد إهانته وضربها، الحماية دي اتشالت في ثانية واحدة.
المحاكمة مخدتش وقت طويل. الأدلة كانت قاطعة، وحُكم على كريم بالسجن لسنوات طويلة بتهم النصب وتبييض الأموال، وشركته اترمت في مزاد علني عشان تسدد الديون، وما بقاش معاه حتى ملليم واحد يدافع بيه عن نفسه.
بعد بضعة أشهر، كانت نور قاعدة في بيتها الجديد بتهدئة تامة، بتشرب قهوتها الصباحية وهي باصة على الشارع من بلكونتها. ملامحها كان مرسوم عليها السلام والراحة والثقة بالنفس اللي مكنتش موجودة قبل كده. التليفون رن، وكان أبوها بيطمن عليها وعلى شغلها الجديد اللي بدأته في مجموعة العِلاقات والاستثمار.
قالت له وهي بتبتسم بثقة:
— اطمن يا بابا، أنا في أحسن حال… وفتحت صفحة جديدة في حياتي، واتعلمت كويس إن اللي ما يقدرش النعمة والأصل، خسارته هي المكسب الوحيد.
قفلوا السكة، ونور رجعت تبص قدامها وهي عارفة إن الوجع اللي كسرها في الليلة دي، هو نفسه اللي كسر القيود وفتح لها باب الحرية والحياة اللي تستحقها بجد.
الابتسامة الأخيرة
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *