حق اليتيم اللي ميروحش#حكايات_شروق_خالد

رجعت من السفر بدري بيومين، وكنت راجع عاوز أفاجئهم، بس اللي لقيته في البيت كان كابوس مش حقيقة. دخلت لقيت ابني حمزة اللي عنده تلاتاشر سنة نايم في الكراج الساقع المنيل في القاهرة، والجو كان ثلج. مراتي مريم كانت قايلالي إن الحمام بتاع أوضته بيتصلح وفيه بايبس بايظة، بس وأنا داخل الصالة لقيت اتنين أغراب نازلين ع السلم وماسكين الفوط بتوعه!
الواد أول ما شافني نط من مكانه وابتدي يترعش، وقبل حتى ما أقوله “حمد الله على السلامة” ولا أسأله لابس بالطو الشتاء ليه جوه الكراج، وقبل ما أشوف هدومه المحطوطة في كيس بلاستيك تحت سرير حديد، قال لي والدموع في عينه: “يا بابا أرجوك متزعجش من مريم.. أنا اللي قلت لنفسي أنام هنا، وكنت فاكر التخييم في الكراج حاجة ممتعة!”.. وقبل ما أنطق بكلمة صدموني وقال: “مريم قالت لي إنك عارف وموافق أصلاً!”.
موافق على إيه يا جدع؟! أنا لا وافقت ولا دريت بحاجة أساساً! جريت عليه لفيته بمعطفي ودخلته جوه وأنا روحي كانت بتطلع من القهر. وأول ما دخلت المطبخ لقيت ست غريبة ماسكة كيس زبالة وتقولي بكل برود: “أهلاً، هو انت المضيف التاني بتاع التطبيق؟”.. بقيت باصص لها ومش فاهم حاجة، وفجأة جوزها نزل وماسك في إيده الفوط الزرقا والبيضاء اللي مراتي الراحلة رنا كانت شرياها بايدها لحمام حمزة عشان تليق مع لون الحيطة!
هنا العقل طار مني والكلام وقف في زوري.. مراتي الجديدة مريم كانت بتأجر أوضة ابني لناس أغراب يدفعوا فلوس، ومرميه هو ينام في الكراج عشر أيام بحالهم وسط التراب والساقعة!
اسمي ماجد عبد العزيز، مدير عمليات، ورجعت يوم الخميس 29 أكتوبر 2026 من سفرية في ميعاد غير ميعادي. كنت في دماغي أعملهم الصبح بدري وأقعد معاهم، بس دخلت لقيت شريط نور أصفر طالع من تحت باب الكراج وسعال ناشف وموجع. فتحت لقيت حمزة قاعد على سرير سفري بيكتب بلمبة ضعيفة ووشه أحمر وشارب السخونية. لما سألته ليه قاعد هنا قال لي الحمام بايظ، وطبعاً الصدمة إن مريم كانت مَفْهَمَاه كده عشان يبلعها.
افتكرت وعدي لحمزة يوم ما أمه رنا ماتت سنة 2023.. اليوم ده حضنته وقلت له وهي بتزوق له أوضته باللون الأزرق والرمادي وبتعمل معاه خزانة الكتب المعوجة: “هذا بيتك يا حمزة، ومحدش أبداً هيخليك تحس إنك ضيف هنا”.. ويجي الزمن ومراتي التانية تطرده من أوضته عشان تأجرها لناس أغراب على قفاه.
اللطيف إن حتى ابن مراتي الصغير يوسف اللي عنده حداشر سنة، كان مصعب عليه أخوه، وطلعت لقيت جنبه كوباية مية وبسكويت وشرائط دواء كحة كان بيحاول يسنده بيها على قد ما يقدر وهو مستخبي.. يعني العيل الصغير حس بيه أكتر من أمه!
الغرباء لما فهموا القصة واتفاجئوا إن الأوضة بتاعة الولد المريض اللي نايم في البرد، وشهم جاب ألوان واتأسفوا وماكنوش عارفين حاجة عن خبايا مريم وسواد وشتها. وأنا شلت حمزة وجريت بيه على المستشفى عشان ألحقه، وفي طريقي كنت بحاسب نفسي على كل غيابي، وحلفت يمين تالت إن مفيش مخلوق هيقدر يكسر ابني تاني ولا يخليه يضطر يكذب عشان يحmi حد بالغ على حساب صحته في بيته.
#حكايات_شروق_خالدرجعت من المستشفى والدكتور كتب لحمزة على علاج ومضاد حيوي عشان السخونية والبرد اللي اتمكنوا من صدره بعد عشر ليالٍ قضاها نايم على خرسانة الكراج. دخلت البيت والدنيا كانت هادية بشكل يوجع القلب. دخلت يوسف الصغير الأوضة وطمنته، وبسته على راسه وقلت له إنه بطل وربنا يجعله في ميزان حسناته لأنه هو الوحيد اللي حس بأخوه وحاول يساعده.
شوية ولقيت باب الشقة بيفتح ودخلت مريم وهي مبتسمة، شايلة شنطة تسوق وبكل برود بصت لي وقالت: “يا إلهي! جيت امتى يا ماجد؟ مفاجأة غريبة.. مالك باصص لي كده ليه؟”.
ما قدرتش أستحمل ولا أنطق بكلمة عدلة.. الدم كله فار في عروقي لدرجة حسيت إن راسي هتنفجر. طلعت صوت من جوة صدري رج البيت كله: “انتي ليكي عين تنطقي وتتكلمي أصلاً؟! انتي إيه يا شيخة نزعتي الرحمة من قلبك خالص؟! طردتي ابن التلاتاشر سنة من أوضته ورميتيه ينام في البرد والساقعة عشان شوية قروش تقبضيهم من الغرباء؟!”.
وشها أصفر وفقدت النطق لحظة، وحاولت تتهرب وتكدب كعادتها: “يا ماجد اسمعني بس.. الحكاية مش زي ما أنت فاهم.. الواد هو اللي كان بيحب التخييم وأنا..”.
قاطعتها بصوت نزل زي الكرباج على وشها: “اخرسي خالص! متجيبيش سيرة ابني على لسانك الوسخ ده! انتي وصلتي بيه الحال إنك تقنعيه إن أنا اللي موافق وراضي؟! انتي ربيتي في قلبه الخوف لحد ما بقى يداري وجعه ويحميكي وهو بيموت من السخونية؟!”.
حاولت تلف وتدور وتعيط دموع تمساح وتزعق، بس خلاص الس\كينة قطعت اللحم. قربت منها وقلت لها بصوت قاطع مفيش فيه أي فرصة للنقاش: “الشنطة اللي في إيدك دي تلمي فيها كل هدومك.. وتطلعي بره بيتي دلوقتي حالاً قبل ما أعمل حاجة تندمي عليها.. ومسألة الطلاق والمحاكم دي خلصانة من سكتنا من قبل ما تنطقي بحرف!”.
فضلت تعيط وتلطم وتتأسف لما لقيت الجد، بس مكنش فيه أي مكان للرحمة مع واحدة باعت عيل يتيم الأم عشان شوية فلوس إيجار. لمّت هدومها وطلعت وهي منهارة. يوسف ابنها قعد يعيط وكان خايف، حضنته وطمنته وقلت له إنه مالوش ذنب وإنه في عيني زي حمزة بالظبط ومش هيتأذى في بيتي أبداً.
دخلت على حمزة الأوضة بعد ما طهرناها ورجعنا كل حاجة زي ما كانت، ولقيته نايم على سريره في الدفء، وخزانة الكتب المعوجة اللي أمه رنا الله يرحمها سبتهاله باينة قدامه. قربت منه، قعدت جنبه، وبسته في جبهته، وهمست له بصوت دافي: “حقك رجع يا بطل.. ومحدش في الدنيا دي كلها يققدر يخرجك من بيتك ولا يخليك تحس أنك غريب فيه طول ما أنا على وش الدنيا”.
#حكايات_شروق_خالدالصبح طلّع بنور هادي على البيت، كأن عاصفة شديدة عدت وسابت وراها السكون والراحة الحقيقية. حمزة صحي كان تعبان شوية بس السخونية بدات تنزل بفضل العلاج والدفء اللي حواليه، ودخلت عليه لقيته بيبتسم بتباشير الراحة وهو حاطط ضهره على مخدته وماسك كتابه، كأن الأمان رجع لمكانه الطبيعي.
لقيت باب الأوضة بيفتح ببطء، ودخل يوسف الصغير بخطوات مترددة وخايفة، وواقف باصص للأرض وعينيه مليانة دموع وخوف ليكون ملوش مكان معانا بعد اللي أمه عملته. قلبي وجعني عليه، سبت حمزة وقربت من يوسف، ونزلت على ركبي قدامه مسكت وش بايديه وقلت له بحنان: “تعال يا حبيبي.. واقف كده ليه؟ أنت مالكش أي ذنب في أي حاجة، وأنت أخو حمزة الغالي وابني زي ما هو ابني، ومحدش أبداً هيقدر يمسك بسوء أو يغير مكانك في قلبي أو بيتي”.
دموع يوسف نزلت بغزارة من الفرحة والأمان اللي حطهم في كلامي، وجري بسرعة حضن حمزة اللي فتح له دراعاته من غير تردد، وشده لحضنه وطبطب على ظهره بحب، كأنه بيقول له إحنا أخوات بجد والمواقف هي اللي بتبين المعدن الصافي.
الأيام عدت، والجرح بدأ يلتئم بالتدريج، والبيت رجع له دتباه وضحكته اللي كانت ناقصاه. بقينا تلاتة راجل مع ولاده، بنسند بعض ونعوض بعض عن كل لحظة قسوة عدت علينا. والأهم من ده كله، إن حمزة بقى ينام كل ليلة في سريره وهو حاسس إن روح أمه حواليه، وإنه في بيت يحميه ويصونه، ومفيش قوة في الدنيا تقدر تخليه يحس أنه غريب فيه تاني أبداً.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *