سليم العطار: رجل المافيا المتسول ج1 حكايات شروق خالد

“حد ينادي أمن الزفت ده قبل ما الراجل المعفن ده يلمس الباب!”
الست اللي قالت الكلام ده كانت لابسَة كابوتشو فرو أبيض، تمنه يكفّي عيلة كاملة في منطقة شعبية لمدة
تلات شهور وزيادة.
صاحباتها الاثنين قعدوا يضحكوا بتكبر.
برة مدخل مطعم “البرنس” الفخم في قلب الشارع الرئيسي بالزمالك، كان واقف راجل طويل تحت الهوا والتكتكة في قلب شهر فبراير، لابس جاكيت بني مبهدل ومقطع، وجزمة دايبة، ووشه مليان دقن بقالها كام يوم ما اتحلقتش.
محدش كان يعرف اسمه.
أو على الأقل، محدش كان يتخيل هو مين.
الست البلوند قعدت تكمل ضحك ورزالة، ورفعت موبايلها كإنها هتصوره عشان تتسلى بيه: “بصوا عليه بربكم.. ده أكيد مستني حد يرميله أكل بايت!”
الراجل ما نطقش ولا كلمة.
فضلت عينيه باصة في الأرض.
والتلج والهوا الناشف بياكل في كتاف الجاكيت بتاعه.
بالنسبة للستات اللي داخلين المطعم الفخم، هو مجرد شحات صايع قرب زيادة عن اللزوم من منطقة الناس المريشين.
بس اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن “الشحات” ده كان يقدر يشتري مطعم “البرنس” ده باللي فيه قبل ما ينزلوا الشارع حتى.
اسمه الحقيقي كان **سليم العطار**.
تمانية وتلاتين سنة.
صاحب شركات عقارات مجددة، وشركات شحن، وفنادق 5 نجوم، وشركات أمن.. وغير كل ده، كان الريس الخفي لمنظمة تانية في الخفاء، اسمه بس كان بيخلي أكبر لواءات ونيابات يتهامسوا بيه بحذر.
عنده رجالة يرموا نفسهم في النار عشانه.
وأعداء بيموتوا ويشوفوا جثته.
شقة بنتهاوس بتبل على النيل بالكامل.
طيارات خاصة.
فيلا في الساحل وفيلا في شرم وفيلا في التجمع.
فلوس أكتر من إن أي بني أدم يصرفها في خمس أرواح على بعض.
ومع كل ده، سليم العطار كان واقف في السقعة، لابس هدوم واحد ضايع ومش حيلته اللضا.
لأنه كان يدور على حاجة واحدة، الفلوس في حياته كلها ما عرفتش تشتريها.
واحدة تحبه وتشوفه من غير ما تعرف هو يملك إيه.
خرج مع ممثلات، وبنات ناس أكابر، ومديرات شركات، وسيدات مجتمع.
وفـ الآخر، كلهم كانوا بيسألوا نفس الأسئلة.
هيجيبلي إيه؟
هيفسحني فين؟
شبكتي هتبقى بكام مليون؟
والفيلل اللي هتتكتب باسمي فين؟
محدش فيهم سأله في يوم: أنت عرفت تنام كويس؟
محدش لاحظ إن روحه كانت وحيدة.
محدش اهتم بـ سليم.. إلا لما سليم يكون متغرق فلوس وسلطة.
عشان كده، عمل حاجة دراعها اليمين قال عليها جنون رسمي.
اختفى.
بقاله ست أسابيع، قال لرجاليته ومؤسسته إنه مسافر يخلص شغل سرّي برة مصر.
وفي الحقيقة، هو غير بدله المتفصلة على الفرازة، ولبس هدوم من الويكالة بالية، ونزل في الشارع كإنه ولا حاجة.
من غير حراسة.
من غير ساعة ذهب.
من غير سواق.
من غير أي هيبة أو نفوذ باينين.
كان عايز يعرف الحقيقة.
والنهارده الصبح، افتكر إنه لقاها.
مش حب.. العكس تماماً.
تلات ستات مريشين بيضحكوا عليه، وكإن الفقر ده مرض معدي.
البلوند بصلت بقرف وقالت: “ما تيجوا نرميله خمسين جنيه ونشوفه هيرقص إزاي من الفرحة!”
في اللحظة دي، فيه صوت تاني خالص قطع الضحك بتاعهم.
“أو ممكن تجربوا تتصرفوا كبني أدمين شوية!”
التلات ستات لفوا.
وسليم نفسه لف.
كانت شغالة وشغالّة في المطعم خرجت من الباب الجانبي.
عندها يجي سبعة وعشرين سنة.
شعرها بني غامق ملموم في ديل حصان سايب.
يونيفورم أسود.
جزمة رخيصة جداً.
وجاكيت خفيف أوي ما ينفعش حتى يتقال عليه جاكيت في السقعة دي.
وشها كان حلو بجمال هادي ومن غير مكياج، بس عينيها هما اللي خطفوا عين سليم.
رمادي في أزرق.. صافيين أوي.
تعبانة، بس ما بتخافش.
الكارنيه بتاعها كان مكتوب عليه: **أميرة**.
الست البلوند بصتلها من فوق لتحت وقالت بتكبر: “أفندم؟!”
أميرة وقفت في النص بين سليم وبينهم: “سمعتيني كويس.”
واحدة من صاحبات البلوند ضحكت: “أنتِ بتدافعي عن البتاع ده؟”
“أنا بدافع عن بني آدم.”
وش البلوند اتغير وبقى ناشف: “أنتِ عارفة إن إشارة مني بس ممكن تطيرك من شغلك ده قبل ما أخلص الفطار بتاعي؟”
أميرة صوابعها اتصلبت على الشنطة بتاعتها.
سليم لاحظ ده..
كانت خايفة فعلاً.
بس ما تتحركتش خطوة لورا.
أميرة قالت بكل ثبات: “ممكن ده يحصل فعلاً.. بس لو خسرت شغلي، ده مش هيخلي اللي بتعملوه صح أو يديكم حق.”
البلوند قربت منها: “أمثالكم كلكم زي بعض.”
أميرة ضيقت عينيها: “أمثال مين؟”
“الناس البؤساء اللي زيكم.”
فيه زباين كانوا داخلين وقفوا يتفرجوا.
وسايق العربيات كان عامل نفسه مش باصص.
وسليم فضلت عينيه ساكتة خالص.
البلوند ابتسمت بقلة أدب: “الناس اللي زيك وزيه.. طول عمركم عينكم في اللي في إيد غيركم ومستنيين حسنة.”
أميرة بصتلها كام ثانية في صمت.
وبعدين قالت بكل هدوء: “غريبة والله.”
البلوند كشرت.
أميرة كملت: “هو ما طلبش منكم أي حاجة على فكرة.”
سكتوا.
“بس أنتم من جواهكم قررتوا إنه أقل منكم وخلاص.”
وش البلوند جاب ألوان واحمر من الغيظ.
أميرة بصت لسليم بصه سريعة، ورجعت بصت للستات: “تقدروا تصرفوا ألوفات على هدومكم.. وتاكلوا بآلافات في المطعم.. وتركبوا أحدث عربيات.”
وسكتت شوية.
“بس لو إنكم تهينوا حد أضعف منكم هو ده اللي بيحسسكم إنكم بني أدمين وليكم قيمة.. يبقى الراجل ده مش هو أفقر واحد واقف هنا.”
حد من اللي واقفين ورا قال بصوت واطي: “الله عليكِ يا شيخة!”
البلوند جابت آخرهام وقالت بغل: “الموضوع ده مش هيعدي على خير.”
أميرة هزت كتفها بتعب: “بالنسبة لي، هو خلص خلاص.”
التلات ستات دخلوا المطعم ودبدبوا برجالهم بغيظ شديد.
أول ما اختفوا، أميرة لفت وراحت لسليم.
ولأول مرة من سنين طويلة، سليم العطار مكنش عارف يقول إيه أو يتصرف إزاي.
أميرة بصتله بتفحص: “أنت كويس؟”
هز رأسه بإيجاب.
وشها بقى أهدى وأحنين: “استنى هنا دقيقة.”
دخلت جوة، وبعد خمس دقائق خرجت وفي إيدها كوباية شاي سخنة وساندوتش ملفوف.
سليم بصلهم وذهل: “أنا مش هقدر…”
“تقدر تاخد.”
“أنا مش عايز فلوسك ولا أملك تاكلي عليا.”
“كويس”، قالتها وهي بتضحك: “عشان أنا أصلاً مش معايا فلوس خالص!”
الحركة دي خلته يبتسم غصب عنه.
حطت الأكل في إيده بالافية: “ده كان غدايا، بس أنت شكله محتاجه أكتر مني.”
سليم بص عليها..
جاكيتها قديم ومقطع من الجناب.
جزمتها مشققة عند صوابعها.
وإيديها محمرة ومقشفة من السقعة والمية السخنة بتاعت المواعين.
باين جداً إنها مش حيلتها جنيه زيادات.
ومع ذلك، سابته وأدته غداها!
“ليه؟” سألها.
أميرة استغربت السؤال: “ليه إيه؟”
“ليه بتساعديني؟”
ردت عليه من غير ما تفكر لحظة: “عشان محدش ينفع يتعامل كإنه ملوش قيمة أو مش بني آدم.”
فيه حاجة جوة سليم اتكسرت في اللحظة دي.
مش بصوت عالي.
ولا بدراما.
بس حتة دفا دخلت مكان كان متجمد بقاله سنين طويلة.
أميرة ابتسمتله، ولفت ورجعت لشغلها جوة.
سليم فضل واقف برة في السقعة ماسك ساندوتش تمنه يجي عشرين تلاتين جنيه.
هو مسك قبل كده عقود بمئات الملايين.
بس ولا عقد فيهم كان بتقله أو قيمته زي الساندوتش ده.
على الناحية التانية من الشارع، جوة عربية جيب سوداء بفيميه تقيل، كان واقف **محمود**، دراعه اليمين ومستشاره.
محمود يعرف سليم من لما كان عنده خمسة وعشرين سنة.
يعرف كل عدو ليه.
كل نقطة ضعف.
كل كدبة.
بس عمره ما شاف بوص المجموعة واقف باصص لساندوتش ملفوف ببركة كإنه لقي كنز قارون.
تليفون محمود رن وفيبراتور العربية اتهز.
رد.
الصوت في التليفون قال جملة خلت وش محمود يتغير في ثانية.
“عيد اللي قلته ده تاني؟”
اللي بيكلمه كرر الكلام.
محمود بص من زجاج العربية على سليم..
وبعدين بص ناحية مطعم البرنس.
وشه بقى زي الثلج وسقع خالص.
فيه حد تاني كان بيدور وبيراقب سليم في المكان ده.
حد خطير جداً.
واللي بيكلمه في التليفون أكد إنه لسه سائل سؤال واحد بس:
“هي مين الشغالة دي؟”
