عوض المطر في قصر الدالي الجزء الاول حكايه شروق خالد

## فوتّ آخر أوتوبيس عشان أنقذ راجل عجوز تايه في المطر.. وبعدها ظهر “رئيس عصابة” غيّر حياتي كلها!
فوتّ آخر أوتوبيس يرجعني البيت عشان وقفت أنقذ راجل عجوز كان واقف في وسط العربيات وبيتكلم مع مراته المتوفية في “فردة جزمة”. بعد أربع دقائق بالظبط، لقيت عربيات جيب سوداء مقفلة حاصرتنا، ورجالة مسلحين نزلوا في المطر، واكتشفت إن الراجل العجوز التايه اللي أنا حاميته ده يبقى أبو أكبر وأخطر رئيس عصابة في قاهرة المعز.
أنا اسمي **ندى**، والليلة دي غيّرت حياتي لِلأبد.
الساعة كانت 11:42 بالليل لما خرجت سَحل من مطعم وجبات سريعة صغير في وسط البلد. ريحتي كانت كلها بن محروق، وزيت، وتعب. المدير بتاعي طول الوردية ماعملش حاجة غير إنه يزعق ويديني في أوامر، ورجلي كانت تقلت ومابقتش حاسة بيها من كتر الوقفة.
كان قدامي 8 دقائق بالظبط عشان ألحق آخر أوتوبيس يروحني.
8 دقائق بس كانت هي اللي هتنقذني من مشوار طويل ومهلك مشي في المطر.
أنا عندي 23 سنة، مأخرة إيجار الشقة، وبافر أهري نفسي عشان أكمل مصاريف كليتي أونلاين، وعايشة على أمل بسيط ومكحكحة.
وفجأة شفته!
راجل عجوز واقف في نص الشارع والعربيات عمالة تفادي فيه وتزمر.
المطر كان مغرق بدلته الغالية جداً.
وشعره الأبيض كان لازق في قورته من المطر.
واللي مش ممكن يتصدق.. إنه كان ماسك فردة جزمة جلد سوداء وحاططها على ودنه!
سمعته بيوشوش ويقول: “يا ميرفت؟ الخط وحش أوي يا حبيبتي، مش سامعك.”
وقفت مكان مبرقة.
وقلت لنفسي: “لأ.. بلاش وجع دماغ، مش وقتك خالص.”
الأوتوبيس كان جاي خلاص.
وأنا هبطانة وميتة من التعب.
وعايزة أنام.
وفجأة، لمحت عربية نقل مقطورة جاية طايرة عليه!
من غير ما أفكر، جريت.
زعقت بأعلى صوت: “يا حاج! حاسب! إوعى!”
ما اداش أي رد فعل.
رميت نفسي في الشارع وشديته من دراعه بكل حيل فيّا.
العربية النقل عدت من جنبنا زي الصاروخ، وغرقتنا مية وسخة من الشارع، لغاية ما اتكفينا إحنا الاتنين تحت تندة محل دهب قفل.
ورايا، لمحت الأوتوبيس بتاعي وهو بيختفي في الضلمة.
طَار.
الراجل العجوز كان بيرتعش جامد.
شفايفه زرققت من الساقعة.
وإيديه متبتة في فردة الجزمة.
قلتله براحة: “أنا اسمي ندى.. أنت في الأمان دلوقتي يا حاج.”
عينيه اللي كان عليها غشاوة ركزت فيّا لثانية.
وقال: “ميرفت؟”
نبرة الحزن اللي في صوته قطعتلي قلبي.
قلتله بحنية: “أنا مش ميرفت.. بس أنا هفضل قاعدة معاك مش هسيبك.”
قلعت بالطو الشتا الرخيص اللي كنت جايباه من الوكالة ولفتّه بيه.
قاللي بصوت ضعيف وهو بيقاوم: “لأ يا بنتي.. الأصول تقول الراجل ما ياخدش لِبس ست.”
رديت عليه: “والراجل ده هيموت من الساقعة.. فمعلش هيأخده ويرضى باللي انكتبله.”
ولأول مرة، ابتسم.
ساعتها بس بدأت أركز في تفاصيله.
زراير قميصه دهب.
ساعته ماركة غالية جداً.
وبدلته متفصلة تفصيل مخصوص وتساوي أكتر من كل اللي أملكه في حياتي.
سألته: “أنت اسمك إيه يا حاج؟”
قاللي: “كامل.”
“طب عارف بيتك فين؟”
كشّر وهرش في راسه: “البيت اللي قدامه أسدين.”
طبعاً الوصف ما يفيدش بنكلة في مصر.
طلعت تليفوني.
البطارية كانت 12%.
قلت: “أنا هطلب البوليس.”
فجأة، عم كامل قفش في إيدي جامد.
وعينيه اتملت رعب: “لأ.. حكومة لأ.. دول مش صحابنا.”
الخوف اللي في صوته خلاني قشعررت.
قلتله بسرعة: “حاضر حاضر.. بلاش حكومة. طب في حد تاني نكلمه؟”
“مراد.”
“مين مراد؟”
“ده اللي بيخلص كل حاجة.”
من جيب بدلته، طلع كارت متني عليه شعار دهبي بارز ومكتوب فيه رقم تليفون بخط الإيد.
طلبت الرقم.
الخط فتح.
محدش قال “ألو”.
ولا “مين معايا”.
هدوء تام.. هدوء يخوف ويقبض القلب.
قلت بتوتر: “أنا متهيقلي لقيت والد حضرتك.. هو تايه وسقعان جداً. إحنا واقفين في وسط البلد عند تقاطع شارع 26 يوليو مع طلعت حرب.”
الصوت على الناحية التانية اتحول في ثانية لسكاكين حامية: “فين بالظبط؟”
عدتله المكان تاني.
السكة اتقفلت في وشي.
بعد أربع دقائق بالظبط، سمعت صوت مطير أسفلت الشارع.
تلات عربيات جيب شيروكي سوداء فاميه ظهروا من ورا الملف.
بطني وجعتني من الخوف.
العربيات وقفت وحاوطتنا زي الديابة لما بتحاصر فريستها.
الأبواب اتفتحت.
نزلت رجالة ببدل سوداء.
ملامحهم كانت تقطع الخميرة من البيت.
والجاكيتات بتاعتهم مكانتش قادرة تداري شكل الطبنجات والرشاشات اللي تحتها.
عم كامل استخبى ورا ضهري وهو بيرتعش: “الرجالة الأشرار..”
مكانش عندي فكرة دول مين.
ولا إيه اللي بيحصل ده.
بس كنت عارفة حاجة واحدة.. الراجل العجوز الغلبان والمرعوب ده ملوش ذنب ولازم أحميه.
وقفت بكل طول صدّادة قدامه.
هدومي كانت مبلولة مية.
وجسمي كله بيرتعد من التعب والخوف.
وريحة هدومي زيت وطعمية وبن.
بس وقفت ناشفة في مكاني.
زعقت فيهم: “إرجع ورا منك ليه! لو حد قرب منه هصوت وألمّ عليكم أمن الدولة والبلد كلها!”
الرجالة ثبتوا في مكانهم.
وفجأة، باب العربية اللي في النص اتفتح.
راجل طويل وجسمه رياضي نزل في المطر.
الرجالة اللي واقفين كلهم صلبوا طولهم في ثانية.
حتى الحراس المسلحين بدا عليهم التوتر أول ما ظهر.
عينيه الباردة الحادة اتنقلت من عم كامل…
للبطو الرخيص بتاعي اللي ملفوف على كتاف أبوه…
ليونيفورم المطعم المبهدل اللي أنا لابساه.
لمدة ثواني، محدش نطق كلمة. المطر بس هو اللي كان بيتكلم.
بعدين خَد خطوة ناحيتي.
وقال بكل برود وثقة: “وسعي من طريقك.”
رفعت راسي وكنت هعيط من الخوف بس قولت: “لأ.”
المطر كان بيِرزع في الأسفلت.
الحراس بصوا لبعض بذهول وعدم تصديق.
الراجل الغريب ده بصلي كأني أول بني آدم في الدنيا يقف قدامه ويقوله “لأ”.
وفجأة.. ظهرت ابتسامة خفيفة جداً على وشه.
وهنا، سمعت واحد من الحراس بيوشوش زميله بصوت مرعوب، اسم خلّى ركبي تخبط في بعضها:
“يا خراب أزرق.. ده **مراد الدالي**.. ”
أكبر وأخطر رجل أعمال وعصابات في مصر بصلي تاني براحة..
وبعدين قال كلمة خلت كل رجالته يبلموا ويبصوا لبعض ومش مصدقين ودنهم…
>

