اليوم اللي اكتشفت فيه اني حامل

غريبة.
المال لم يكن وفيرا.
مستقبلي المهني كان مجهولا ومستقبله هو كان مرتبطا بتعب أرجون الذي كان يعمل في عيادته بدوام طويل ثم يعود ليسهر معنا.
لكن رغم كل هذا
كنت أنام وأنا أشعر أنني لست وحدي.
أستيقظ في الليل فأجد أرجون يحمل الطفل ويهدهده يغني له أغنية قديمة سمعها من جدته رغم أنه كان يضحك دائما عندما أخبره أن صوته سيئ.
وفي يوم من الأيام وبعد أشهر من ولادة أرجون الصغير حدث ما لم أتوقعه.
رن جرس الباب.
كنت أظن أن أحد الجيران جاء يطرق بابنا أو عاملة التوصيل.
لكن عندما فتح أرجون الباب تجمد.
وقفت خلفه أحمل ابني رأيت من فوق كتفه امرأة واقفة على العتبة.
شعرها مرتب بعناية ساري أنيق نظرة متعالية أعرفها جيدا.
السيدة شاليني.
والدة أرجون.
تجمد الزمن للحظة.
كأني عدت إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي أتت فيه إلى شقتي الأولى وضعت الحقيبة على الطاولة وقالت لي
خذي المال وابتعدي عن ابني.
لكن هذه المرة مكاننا مختلف وحالتي مختلفة والطفل في حضني وأرجون واقف أمامها كجدار.
قالت بصوت حاولت أن تجعله هادئا لكن ارتجافه فضحها
أقدر أدخل
لم أتكلم.
أرجون لم يفتح لها الباب بالكامل بعد.
سألها ببرود لم أسمعه منه معها
جاية لي ولا لها
نظرت نحوي عينيها التقتا بعيني وأنا أحمل حفيدها.
لم تكن نظرتها هذه المرة فقط نظرة طبقية فيها شيء من الندم شيء من الخوف شيء من الاعتراف المتأخر.
قالت
جيت لكم أنتم الاثنين والثالث.
نظرت إلى الطفل.
أحسست أن أنفاسي تثقل.
فتح أرجون الباب قليلا أكثر لكنه لم يبتعد عن الإطار كأنه لا يزال يحرس حياتنا من الخارج.
قالت بخفوت
أعرف إن اللي سويته كان غلط. كنت خايفة عليك كنت أظن إني أحمي مستقبلك. كنت شايفة إنها أقل منك فقط لأنها جايه من مكان ثاني. بس لما اختفت اختفى نصفك معها. صرت أشوفك تموت قدامي وأنت عايش.
لم أصدق بسهولة.
كلماتها كانت مختلفة لكنها لا تمحو

ما فعلته.
قالت وهي تحاول أن تتمالك نفسها
لو ما تبغون تسامحوني أتفهم. بس أرجوك خليني على الأقل أشوف حفيدي.
لم أنطق.
نظرت إلى أرجون.
كان ينظر إليها طويلا كأن قلبه يراجع كل شيء طفولته معها قسوتها خوفها وأخطائها.
ثم التفت إلي كأن القرار لم يعد يخصه وحده.
سألني بنظرة لا بصوت
نسمح أو لا
نظرت إلى الطفل النائم بين ذراعي.
فكرت في المستقبل في اليوم الذي سيكبر فيه ويسأل عن جدته من جهة أبيه عن عائلته عن جذوره.
فكرت في كل شيء.
ثم هززت رأسي ببطء.
خليها تدخل بس مش عشانها هي. عشان ابننا.
تنفس أرجون بارتياح لم يخفه وفتح الباب بالكامل.
دخلت شاليني البيت أو بالأحرى دخلت حياتنا من جديد لكن هذه المرة لا كما كانت سابقا.
مشيت بخطوات مترددة عيناها معلقتان بالطفل.
وقفت أمامي لأول مرة وهي تتحدث لي بدون سخرية ولا احتقار.
قالت بصوت منخفض
هو يشبهك.
ثم نظرت إلى أرجون
وعينه عينك.
لم أعرف ماذا أقول.
كل ما فعلته هو أنني حركت الغطاء قليلا عن وجه ابني كأنني أقدمه للعالم لأول مرة للعائلة حتى لو كانت هذه العائلة مكسورة.
مدت يدها بخوف ثم توقفت في المنتصف
أقدر ألمسه
نظرت إلى أرجون ثم هززت رأسي
بهدوء هو ينام بسرعة بس يصحى بأصغر حركة.
ضحكت ضحكة صغيرة باهتة ثم لمست خده بأطراف أصابعها.
كان
هناك شيء في ملامحها يتغير شيء ينكسر شيء يعاد تشكيله.
في تلك اللحظة فهمت شيئا لم أفهمه يوم جاءتني بالحقيبة.
أحيانا يخاف الأهل بطريقة مؤذية.
يظنون أنهم يحافظون على أولادهم بينما هم يدمرونهم.
هي حاولت أن تشتري غيابي لكنها لم تكن تعرف أنها تشتري قبرا لابنها.
وعندما عرفت جاءت تمشي على جمر الندم حتى وصلت إلى بابنا.
لم أسامحها فورا.
الجرح كان عميقا جدا.
لكنني قررت أن لا أسمح لهذا الجرح أن ينتقل إلى ابننا.
جلسنا.
هي على الكرسي.
أرجون بجانبها.
أنا على الأريكة أحمل الطفل.
تحدثنا كثيرا تلك الليلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *